من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وأنشد لأبي الغطمش أبو عبيدة
منيت بزنمردةٍ كالعصاألص وأخبث من كندش
تحب النساء وتأبى الرجالوتمشي مع الأخبث الأطيش
لها شعر قردٍ إذا ازينتووجهٌ كبيض القطا الأبرش
وثديٌ يجول على نحرهاكقربة ذي الثلة المعطش
يروى " زنمردةٍ " بفتح الزاي وكسر الميم، ويكون مما عرب ولا نظير له في أبنية العرب. ويروى بفتح الزاي وفتح الميم ويكون على مثال قهقرٍ، وهو حجرٌ يملأ الكف. ويروى " زنمردةٍ " بكسر الزاي وفتح الميم فيكون على وزن فعلةٍ من الرباعي نحو علكدٍ، وهو الغليظ الشديد، أو يكون فعللٌّ من الخماسي نحو خنزقرٍ، وهو القصير، وقرطعبٌ دابة. والمراد بها المرأة التي خلقها وخُلُقها كما يكون للرجال. وشبهها بالعصا لقلة لحمها وهزالها، واستواء صدرها وظهرها. وكندشٌ: لقب لصٍ كان معروفاً عندهم. وقوله " إذا ازينت " أراد تزينت، فأراد الإدغام فيها وأبدل من التاء زاءً فسكن أولها، فجلب ألف الوصل ليتوصل إلى النطق بساكن، فصار كما ترى. والثلة: الفرقة والطائفة من الضأن. والمعطش: الراعي الذي قد عطشت رعيته.
لها ركبٌ مثل ظلف الغزالأشد اصفراراً من المشمش
وأبرد من ثلج ساتيدماوأكثر ماءً من العكرش
وفخدان بينهما نفنفٌتجيز المحامل لا تخدش
وساقٌ مخلخلها حمشةٌكساق الجرادة أو أحمش
كأن الثآليل في وجههاإذا سفرت بدد القشمش
لها جمةٌ فرعها جثلةٌكمثل الخوافي من المرعش
الركب: أصل الفخذ الذي عليه لحم الفرج من المرأة ومعلق الذكر من الرجل. والنفنف: المهواة ببين الجبلين. والخدش والخمش والكدح نظائر. والحمشة: الدقيقة. وإنما أنث والمخلخل مذكر لأن المخلخل من الساق، والساق مؤنثة، وبعض الشيء إذا أطلق عليه اسم الكل أجري في الأحوال مجراه إلا أن يمنع مانع. وهذا كما قال الآخر:
كما شرقت صدر القناة من الدم
لأن صدر القناة قناة، كما أن المخلخل يقال له الساق. فالبدد: جمع بدةٍ، وهي القطعة المتفرقة. وتباد القوم: تباعدوا. والجمة من الشعر: دون اللمة في الطول. والجثلة: الكثيرة الأصول. والمرعش: الحمام الأبيض. والخوافي: ما دون الريشات العشر.
وقال آخر:
ماذا يؤرقني قدماً ويسهرنيمن صوت ذي رعثاتٍ ساكن الدار
كأن حماضةٌ في رأسه نبتتفي أول الصيف قد همت بإثمار
قوله " ماذا يؤرقني " لفظه استفهامٌ ومعناه تعجب. وقد مر القول في لفظه ماذا. وقوله " من صوت ذي رعثاتٍ " أي من انتظار صوته، فحذف المضاف. ورعثات: جمع رعثةٍ وهي من الديك عثنونه. ورعثة الشاة: زنمتها. والرعاث: كل معلاقٍ من قرطٍ أو قلادة أو غيرهما، وربما علق من الرحل والهودج رعثٌ من الصوف. والحماض، من ذكور البقل، له زهرةٌ حمراء كأنها الدم. والإثمار: إخراج الثمر. وشبه عرف الديك به.
وقال آخر:
صوت النواقيس بالأسحار هيجنيبل الديوك التي قد هجن تشويقي
كأن أعرافها من فوقها شرفٌحمرٌ بنين على بعض الجواسيق
على نعانع سالت في بلاعمهاكثيرة الوشي في لينٍ وترقيق
كأنما لبست أو ألبست فنكاًفقلصت من حواشيه عن السوق
قوله " صوت النواقيس " أي انتظار صوت النواقيس هيجني، فحذف المضاف. وهذا كما قال الآخر:
لما تذكرت بالديرين هيجنيصوت الدجاج وقرعٌ بالنواقيس
وقال غيرهما:
وصوت نواقيس لم تضرب
فنبه بقوله " لم تضرب " على أنه كان منتظراً لا واقعاً. والجواسيق: جمع الجوسق، وهي قريبة من القصور. وأشبع الكسرة في السين فتولد منها ياء. ومثله:
نفي الدراهيم تنقاد الصياريف
والنعانع: أعراف الديكة. وأصل التنعنع الاضطراب. لذلك قيل للطويل المضطرب النعنع. ونعانع المنطقة: ذنابها. والبلعوم والبلعم: مجرى الطعام، وباطن العنق.
وهذه المقطوعة وما قبلها، باب الصفات أولى بهما، فاتفق وقوعهما هنا.
وهذا آخر الاختيار. والحمد لله رب العالمين، ووصلواته على النبي محمدٍ وآله أجمعين.
قد سهل الله وله الحمد، تعالى جده، بلوغ المنتظر من تتميم شرح هذا الاختيار، والله بمنه وطوله ينفعك وإيانا به، ويعينك على تفهمه.
وهذا الكتاب وإن عظم حجمه، وكثر ورقه، فإنه لا يملك تصفحه وقراءته، إذا كان كل بابٍ من أبوابه ذا فنونٍ من آثار العقول الصحيحة، والقرائح السليمة، فكل
نوعٍ من أنواعه جمامٌ لما يليه، وجلاءٌ لما يعيه، ولأن غوامض المقاصد إذا تبرجت لك في روائع المعارض، وأقبل فهمك رائداً لقلبك، يتشمم نوادر الزهر في مغارس الفطن، ويخير فرائد الدرر من قلائد الحكم، فكلما ازداد التقاطاً زادك نشاطاً، كما أن من عرف الفرق بين الإطناب والإيجاز، وبين التطويل والتقصير، وعلم أن الإطناب تفخيمٌ وتكميل، كما أن الإيجاز تخليص وتهذيب، وأن التطويل زيادةٌ على الكفاية، وذهابٌ عن غاية الحاجة، كما أن التقصي قصورٌ عن الحد المرتاد، ووقوفٌ دون مدى المراد، حمد الإطناب والإيجاز لما نالهما من سهام البلاغة، وذم التطويل والتقصير بما فاتهما من أقسام الفصاحة.
واعلم صحبك التوفيق في مباغيك، أن ما جمعت منتشره، وأثرت مكتمنه، وحللت معقوده، وأعدت محذوفه، ونشرت مطويه، ومددت مقصوره من بيوت هذا الاختيار وفصوله، فإني لم أدركه إلا في مدةٍ طويلةٍ لا أذكر طرفيها، وبمجاهداتٍ لشيوخ الصناعة عحجيبة لا أنسى مجاذباتي فيها، حين كان في القول إمكانٌ، وللتحصيل إرصاد، ولسهم النضال تسديد، وفي قوس الرماء منزعٌ وتوتير، وكان الرأي ولوداً، والخاطر عمولاً، والحد حديداً، والحرص عتيداً، مع تمام البراعة، واجتماع المادة والآلة.
فلتا تظنن فيخه ما يظنه الوادع في جهد المكدود، فإن أهون السقي التشريع، ولن تناله إلا بتعبٍ شديد. وتيقن أني أمليت هذا الشرح مستعملاً أرفق الآلات في اختراعه، وأوفق الألفاظ في تصويره وبيانه، ومستحضراً من الشواهد والمثل ما لم يكمل إلا بتعاونه وحضوره، ولو عدلت عن نهج التقريب مشتغلاً بأبواب الإعراب والغريب إلا غيرهما مما يعد في الفضول، لتضاعفت المؤن، وضاعت في غمارها النكت. على أني أرجو أن يكون ضننا في تحصيله وحصره، وسماحتنا بعده بتصنيفه وبذله، يكسبنا من القلوب استحلاءً، ومن النفوس ميلاً واستحباباً، وأنه لا تزال تلك المحبة زائدةً ناميةً، ما دامت فوائده قائمةً باقيةً. وعلى اللع تعالى جده معولنا في أن يوفقنا لمرضاته، وأن يجعل سعينا له وفيه، وحسبنا هو ونعم الوكيل. والحمد لله الواحد القهار، وصلواته على نبينا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين الأخيار.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع