تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

الجواب عن المسألة الأولى:

بتوفيق الله وحسن تسديده، عن المسألة الأولى:

إنّ الجملة المركبة من «لا» واسمها وخبرها، وقعت خبرا عن القتال، فى قوله:

فأمّا القتال لا قتال لديكم

وهى عارية عن ضمير عائد منها إلى المبتدأ، وإنما جاز ذلك، لأن اسم «لا» نكرة شائعة مستغرقة للجنس المعرّف بالألف واللام، فقتال المنكور مشتمل على القتال الأول، ألا ترى أنك إذا قلت: لا إله إلاّ الله، عمّت لفظة «إله» جميع ما يزعم المبطلون أنه مستحقّ لإطلاق هذه اللفظة عليه، وليس يجرى قولك: لا رجل فى الدار، إذا رفعت، مجرى قولك: لا رجل فى الدار، إذا ركّبت، لأنك إذا قلت:

لا رجل فى الدار، جاز أن تعقبه بقولك: بل رجلان، وبل ثلاثة، ولا يجوز ذلك مع تركيب «لا» لأنك إذا رفعت فإنما نفيت واحدا، وإذا ركّبت فإنما نفيت الجنس

أجمع، وإذا عرفت هذا فدخول القتال الأول تحت الثانى يقوم مقام عود الضمير إليه، ومثل هذا البيت ما أنشده سيبويه:

ألا ليت شعرى هل إلى أم معمرسبيل فأما الصّبر عنها فلا صبرا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «خليلي من غيظ بن مرة بلغا»

فالصبر من حيث كان معرفة داخل تحت الصبر المنفىّ، لشياعه بالتنكير، ونظير هذا أنّ قولهم: نعم الرجل زيد، فى قول من رفع زيدا بالابتداء، فأراد: /زيد نعم الرجل، يدخل فيه زيد تحت الرجل، لأن المراد بالرجل هاهنا الجنس، فيستغنى المبتدأ بدخوله تحت الخبر عن عائد إليه من الجملة، ويوضّح لك هذا أن قولك: زيد نعم الرجل، كلام مستقلّ، وقولك: زيد قام الرجل، كلام غير مستقلّ، وإن كان قولك: قام الرجل، جملة من فعل وفاعل، كما أن قولك: نعم الرجل كذلك، ولم يستقم قولك: زيد قام الرجل، حتى تقول: إليه أو معه، أو نحو ذلك، لكون الألف واللام فيه لتعريف العهد، فالمراد به واحد بعينه، والرجل فى قولك: زيد نعم الرجل، بمنزلة الإنسان فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ألا ترى أنه استثنى منه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والاستثناء من واحد مستحيل، لا يصحّ إذا استثنيت واحدا من واحد، فكيف إذا استثنيت جمعا من واحد، ومثله: ﴿(وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها)﴾ والمراد بالإنسان هاهنا الناس كافة، فلذلك قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾.

وإذا كان الاسم المعرّف بالألف واللام نحو الرجل والإنسان، قد استوعب الجنس، فما ظنّك باسم الجنس المنكور المنفىّ فى قوله: «لا قتال لديكم» وقول الآخر: «فأمّا الصبر عنها فلا صبرا» والتنكير والنفى يتناولان من العموم مالا يتناوله التعريف والإيجاب، ألا ترى أن قولهم: ما أتاني من أحد، وقوله تعالى: ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ﴾ متناول غاية العموم، ولو حاولت أن تقول: أتانى من أحد، كان ذلك داخلا فى باب استحالة الكلام.

ويشبه ما ذكرته من الاستغناء بدخول الاسم المبتدأ فى اسم العموم الذى بعده، عن عود ضمير إليه من الجملة، تكرير الاسم الظاهر مستغنى به عن ذكر المضمر، وذلك إذا أريد تفخيم الأمر وتعظيمه، كقول عديّ بن زيد:

/لا أرى الموت يسبق الموت شيءنغّص الموت ذا الغنى والفقيرا
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «إِن للدهرِ صولة فاحذرنها»

واستغنى بإعادة ذكر الموت عن الهاء، لو قال مع صحّة الوزن: يسبقه، ومثله فى التنزيل: ﴿الْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ﴾ ﴿الْقارِعَةُ. مَا الْقارِعَةُ﴾ ﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ﴾ فالحاقّة مبتدأ، وقوله: ما الحاقّة: جملة من مبتدأ وخبر خالية من ضمير يعود على المبتدأ؛ لأن تكرير الظاهر أغنى عن الضمير العائد، فالتقدير:

أىّ شيء الحاقة؛ وكذلك: ما القارعة، وما أصحاب اليمين، التقدير فيهما: أىّ شيء القارعة، وأىّ شيء أصحاب اليمين، كما تقول: زيد رجل أىّ رجل، فاستغنى بتكرير الظاهر عن أن يقال: الحاقّة ما هي، والقارعة ما هي، وأصحاب اليمين ما هم. وإنما حسّن تكرير الاسم الظاهر فى هذا النحو، أنّ تكريره هو الأصل،

ولكنهم استعملوا المضمرات، فاستغنوا بها عن تكرير المظهرات، إيجازا واختصارا، فلما أرادوا الدلالة على التفخيم، جعلوا تكرير الظاهر أمارة لما أرادوه [من ذلك.

وأما معنى البيت: فإنه أراد] ذمّ الذين خاطبهم فيه، فأراد: ليس عندكم قتال وقت احتياجكم إليه، ولا تحسنونه، وإنما عندكم أن تركبوا الخيل وتسيروا فى المواكب العراض.

وفى البيت حذف اقتضاه إقامة الوزن، لم يسأل عنه صاحب هذه المسائل، وهو حذف الفاء من جواب أمّا، وذلك أن «أمّا» حرف استئناف، وضع لتفصيل الجمل، وحكم الفاء بعده حكم الفعل، فى امتناعها من ملاصقة «أمّا» لأن الفاء إذا اتصلت بالجزاء صارت كحرف من حروفه، فكما لا يلاصق فعل الجزاء فعل الشرط، كذلك الفاء، ألا ترى أن الفاء فى قولك: إن يقم زيد فعمرو يكرمه، قد فصل بينها وبين الشرط زيد، وكذلك إذا قال: إن تقم فعمرو يكرمك، فقد فصل بين الشرط والفاء الضمير المستكنّ فيه، فلما تنزّلت «أمّا» منزلة الفعل الذى هو الشرط لم يجز أن تلاصقه الفاء.

فإن قال قائل: هل يجوز أن تكون هذه الفاء زائدة، فلذلك /جاز حذفها فى الشعر.

قيل: لا تخلو أن تكون عاطفة أو زائدة أو جزاء، فلا يجوز أن تكون عاطفة، لدخولها على خبر المبتدأ، وخبر المبتدأ لا يعطف على المبتدأ، ولا يجوز أن تكون زائدة، لأن الكلام لا يستغنى عنها فى حال السّعة، فلم يبق إلا أن تكون جزاء.

وهى حرف وضع لتفصيل الجمل، وقطع ما قبله عما بعده عن العمل، وأنيب عن جملة الشرط وحرفه، فإذا قلت: أمّا زيد فعاقل، فالمعنى والتقدير عند النحويين: مهما يكن من شيء فزيد عاقل، فاستحقّ بذلك جوابا، وجوابه جملة تلزمها الفاء، إمّا أن تكون مبتدئيّة أو فعليّة، والفعليّة إما أن تكون خبريّة أو أمريّة أو نهييّة.

ولا بدّ أن يفصل بين «أمّا» وبين الفاء فاصل، مبتدأ أو مفعول أو جارّ ومجرور، فالمبتدأ كقولك: أمّا زيد فكريم، وأما بكر فلئيم، والمفعول كقولك: أمّا زيدا فأكرمت، وأما عمرا فأهنت، والجارّ والمجرور، كقولك: أمّا فى زيد فرغبت، وأمّا على بكر فنزلت، ومثال [وقوع] الجملة الأمرية قولك: أما محمدا فأكرم، وأمّا عمرا فأهن، كأنّك قلت: مهما يكن من شيء فأكرم محمدا، ومهما يكن من شيء فأهن عمرا، ومثال النهى قولك: أمّا زيدا فلا تكرم، وأمّا عمرا فلاتهن، ومثله فى التنزيل: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾.

ومثال فصلك بالجارّ والمجرور، فى قولك: أمّا بزيد فامرر، قوله تعالى:

﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.

وإنما لم يجز أن تلاصق «أمّا» الفعل، لأن «أما» لما تنزّلت منزلة الفعل الشّرطى، والفعل لا يلاصق الفعل، امتنعت من ملاصقة الأفعال.

فإن قيل: فقد تقول: زيد كان يزورك، وعمرو ليس يعلم بك، فيلاصق كان وليس، الفعل.

فالجواب: أن الضمير المستتر فى كان وليس، فاصل فى التقدير بينهما وبين ما يليهما، وهذا الفاصل يبرز إذا قلت: الزيدان كانا يزورانك، والعمران ليسا يلمّان بك، وكذلك حكم الجمع إذا قلت: كانوا وليسوا، وحكم الفاء حكم/الفعل فى امتناعها من ملاصقة «أمّا» لأن الفاء إذا اتصلت بالجزاء صارت كحرف من حروفه، فكما لا يلاصق الجزاء الشرط، كذلك الفاء، ألا ترى [أنّ] الفاء فى قولك: إن يقم زيد فعمرو يكرمه، قد فصل بينها وبين الشرط زيد، وكذلك إذا قلت: إن تقم فعمرو يكرمك، فقد فصل بين الشرط والفاء الضمير المستكنّ فيه، فلما تنزّلت «أمّا» منزلة الفعل الذى هو الشرط، لم يجز أن تلاصقه الفاء.

فإن قال قائل: هل يجوز أن تكون هذه الفاء زائدة، لحذفها فى الشّعر؟.

قيل: لا يخلو أن تكون عاطفة أو زائدة أو جزاء، فلا يجوز أن تكون عاطفة لدخولها على خبر المبتدأ، وخبر المبتدأ لا يعطف على المبتدأ، ولا يجوز أن تكون زائدة، لأن الكلام لا يستغنى عنها فى حال السّعة، فلم يبق إلا أن تكون جزاء.

وإذا عرفت هذا، فالفاء بعد «أمّا» لازمة؛ لما ذكرت لك من نيابة «أمّا» عن الشرط وحرفه، فإن حذفها الشاعر فللضرورة، كما جاز له حذفها من جواب الشرط، كقول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:

من يفعل الحسنات الله يشكرهاوالشرّ بالشرّ عند الله سيّان
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة

كان الوجه أن يقول: فالله، ومثل حذفها من قوله:

فأمّا القتال لا قتال لديكم

حذفها من قول بشر بن أبى خازم:

وأمّا بنو عامر بالنّسارغداة لقوا القوم كانوا نعاما

ومع هذا التشديد فى حذف الفاء من جواب «أمّا» قد جاء حذفها فى التنزيل، ولكنه حذف كلا حذف، وإنما حسّن ذلك حتى جعله كطريق مهيع، حذفها مع ما اتصلت به من القول، لأن القول قد كثر حذفه فى التنزيل، لأنه جار فى/حذفه مجرى المنطوق به، فمن ذلك قوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أى يقولون سلام عليكم، ومثله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ أى يقولان ربّنا تقبّل منا، ومثله:

﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ والآية التى ورد فيها حذف الفاء قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ التقدير: فيقال لهم: أكفرتم بعد [إيمانكم] فحذفها هاهنا من أحسن الحذوف، وأجراها فى ميدان البلاغة.

والغالب على «أمّا» التكرير، كقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ ثم قال: ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ﴾ وقد جاءت غير مكررة فى قوله: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاِعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾.

واعلم أن «أمّا» لمّا نزّلت منزلة الفعل نصبت، ولكنها لم تنصب المفعول به، لضعفها، وإنما نصبت الظرف الصحيح، كقولك: أمّا اليوم فإنى منطلق، وأمّا عندك فإنى جالس، وتعلّق بها حرف الظرف، فى نحو قولك: أمّا فى الدار فزيد نائم، وإنما لم يجز أن يعمل ما بعد الظرف فى الظرف، لأن ما بعد «إنّ» لا يعمل فيما قبلها، وعلى ذلك يحمل قول أبى على: «أمّا على إثر ذلك فإنّى جمعت» ومثله قولك: أمّا فى زيد فإنى رغبت، ففى متعلقة بأمّا نفسها فى قول سيبويه وجميع النحويين، إلا أبا العباس المبرّد، فإنه زعم أن الجارّ متعلق برغبت، وهو قول مباين للصحّة، خارق للإجماع، لما ذكرته لك من أن «إنّ» تقطع ما بعدها عن العمل فيما قبلها، فلذلك أجازوا: زيدا جعفر ضارب، ولم يجيزوا: زيدا إنّ جعفرا ضارب.

/فإن قلت: أمّا زيدا فإنّى ضارب، فهذه المسألة فاسدة فى قول جميع النحويين، لما ذكرته لك من أن «أمّا» لا تنصب المفعول الصريح، وأنّ «إنّ»

لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهو فى مذهب أبى العباس جائز، وفساده واضح.

آخر المجلس ولله الحمد والمنّة.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.