من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل فى الفرق بين: هم يدعون، وهنّ يدعون
أمّا هم يدعون، فقد قدّمت أن لام الفعل حذفت لسكونها وسكون واو الإضمار، فوزنه: يفعون، والنون فيه علامة رفع الفعل، يحذفها الجازم والناصب.
والواو فى قولك: هنّ يدعون، لام الفعل، كالجيم من يخرجن، والنون ضمير جمع المؤنّث، تثبت فى الأحوال/الثلاث، ألا تراها ثبتت فى موضع النصب، فى قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ فيعفون هاهنا: يفعلن.
ونعود إلى ذكر حروف العلّة، فنقول: إنهنّ يحذفن لالتقاء الساكنين، فى نحو: ﴿قَضَى اللهُ﴾ و ﴿قالُوا الْآنَ﴾ و «يقضى الحقّ».
ويحذفن من نحو: يخاف ويقول ويبيع، إذا سكنت اللام للجزم أو الوقف،
فسكونها جزما، فى نحو: لم يخف ولم يقل ولم يبع، وسكونها وقفا، فى نحو: خف وقل وبع.
لمّا اجتمع الساكنان الألف والفاء، فى لم يخاف، والواو واللام فى لم يقول، والياء والعين فى لم يبيع، وجب حذف أحدهما، فكان حرف العلّة أولى بالحذف من وجهين، أحدهما: ضعفه وقوّة الحرف الصحيح، والثانى: أنه إذا حذف دلّت عليه الحركة التى تجانسه.
وأصل المثال الأمرىّ من هذا النحو: أخوف وأقول وابيع، كقولك فى موازيه من الصحيح: اركب، أقتل، اضرب، فنقلت حركة حرف العلة إلى الفاء، فاستغنى عن همزة الوصل بتحريك الفاء، فحذفت فصار حينئذ إلى: خوف وقول وبيع، فحذف حرف العلّة، لما ذكرناه من التقاء الساكنين.
ومما حذفت منه الواو، لوقوعها بين ياء وكسرة: يفعل، المبنىّ ممّا فاؤه واو، كالوعد والوزن، قالوا: يعد ويزن، استثقالا ليوعد ويوزن، هذه علّة حذف الواو من هذا النحو، فإن زالت الكسرة ثبتت الواو، كقولهم فى مضارع وجل ووحل ووسن: يوجل ويوحل ويوسن، ولمّا حذفوا الواو من يفعل، حملوا عليه أفعل ونفعل وتفعل، فقالوا: أعد ونعد وتعد، كراهة أن يختلف الباب، وحملوا عليه أيضا مصدره الذى جاء على فعلة، فأعلّوه بحذف فائه، ونقل كسرتها إلى عينه، فقالوا:
عدة وزنة، وإنما أعلّوه، لانكسار فائه مع اعتلال فعله، ألا ترى أن المصادر تتبع الأفعال، فى صحّتها واعتلالها، وذلك كاعتلال الصّيام والقيام/لاعتلال صام وقام، وصحّة الجوار واللّواذ، فى نحو: ﴿يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً﴾ لصحّة جاور ولاوذ،
وكذلك صحّ عور وحول، حملا على صحّة اعورّ واحولّ، لأنه بمعناه، ثم حمل مصدر فعل على فعله، فى الصّحّة، فقيل: العور والحول، ولم يعلّوا ما جاء من مصدر باب يعد، على مثال فعل، كوعد ووزن، لمباينته لفعله بفتح أوّله.
والجهة مصدر، كالعدة والزّنة، والفعل منه: وجه يجه.
واختلف أهل العربيّة فى الوجهة، من قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها﴾ فمنهم من ذهب إلى أنه مصدر شذّ عن القياس، فجاء مصحّحا، كما صحّ-منبهة على الأصل-قولهم: الخونة والحوكة، واستحوذ، ونحو ذلك.
ومنهم من قال: إن الوجهة اسم غير مصدر، وجاء على أصله فى الصّحّة، من حيث كان اسما للمتوجّه، فالمراد [إذن] بالوجهة القبلة.
اعتراض: فإن قيل: قد وقعت الواو بين ياء وكسرة، فى مثل: يوعد ويوقن ويوجب، وأجمعوا على إقرارها مع وجود الشّرطين.
فالجواب: أنّ يفعل أصله يؤفعل، كقولك فى مضارع دحرج: يدحرج، فالأصل: يؤوعد، ويؤيقن، فحذفوا الهمزة استثقالا، لاجتماعها مع همزه المتكلّم، فلمّا كرهوا أن يقولوا: أأوقن، حذفوها، ثم حملوا على أوقن: يوقن وتوقن ونوقن، ليستمرّ الباب على طريقة واحدة، ولما حذفوا الهمزة من هذا الضّرب، حافظوا على الواو، فلم يحذفوها، لئلاّ يوالوا بين إعلالين: حذف الهمزة وحذف الواو.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع