تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الرابع والأربعون /يتضمّن ذكر الحذف، فيما لم نذكره من حروف المعانى

، وحذف حروف من أنفس الكلم، فممّا حذف من حروف المعانى «لا» إذا وقعت جوابا للقسم، كقول امرئ القيس:

فقلت يمين الله أبرح قاعداولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

أى لا أبرح، ومثله:

تالله يبقى على الأيّام ذو حيدبمشمخرّ به الظّيّان والآس

الظّيّان: الياسمين.

وقد جاء حذف «لا» من هذا الضّرب فى التنزيل، فى قوله تعالى: ﴿قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أراد: لا تفتأ، أى لا تزال تذكر يوسف ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضاً﴾

والحرض: الذى أذابه الحزن أو العشق، قال الشاعر:

إنّى امرؤ لجّ بى حبّ فأحرضنىحتّى بليت وحتّى شفّنى السّقم

وقد حذفت اللام من جواب القسم، كما حذفت «لا» وذلك من جواب:

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ وهو قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ وكذلك حذفها الشاعر من قوله:

وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّهفرغ وإنّ أخاكم لم يثأر
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «وقتيل مرة أثأرن فإنه»

أراد: لأثأرنّ.

وقوله: «فرغ»، يقال فيه: ذهب دم فلان فرغا، أى باطلا لم يطلب [به].

وقد جاء حذف النون وإبقاء اللام فى قراءة ابن كثير: «لأقسم بيوم»

«القيامة» وحذف النون هاهنا حسن، لأنّ نون التوكيد تخلّص الفعل للاستقبال، والله تعالى أراد الإقسام فى الحال، كقولك: والله لأخرج، تريد بذلك خروجا أنت فيه، ولو قلت: لأخرجنّ، أردت خروجا متوقّعا.

ومن قرأ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ ففى قراءته قولان، أحدهما: أن تكون «لا» مزيدة/كالتى فى قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ وهو قول أبى على، وقال: فإن قلت: إنّ الحرف الذى يزاد إنّما يزاد وسطا، كزيادة «ما» و «لا» فى قوله: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ و «ممّا خطاياهم» وقوله:

﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ [ولا يزاد أولا. فقد قالوا: إن مجاز القرآن مجاز الكلام الواحد والسورة الواحدة، قالوا: والذى يدلّ على ذلك أنه قد يذكر الشىء فى سورة فيجىء جوابه فى سورة أخرى، كقوله: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ جاء جوابه فى سورة أخرى: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾

فلا فرق إذن على هذا بين قوله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ وقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾] وبين قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾، وقد حملت «ما» على الزيادة، مع وقوعها أوّلا فيما أنشده أبو زيد:

ما مع أنّك يوم الورد ذو جزرضخم الدّسيعة بالسّلمين وكّار

وأنكر بعض النحويين أن تكون «لا» زائدة فى قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ قال: لأنّ كون الحرف زائدا يدلّ على اطّراحه، وكونه أوّل الكلام يدلّ على قوّة العناية به، فكيف يكون مطّرحا معنيّا به فى حالة واحدة، وإذا قبح الجمع بين اطّراح الشىء والعناية به، بطل كون «لا» فى هذه الآية زائدة، وجعلناها نافية، ردّا على من جحد البعث، وأنكر القيامة، وقد حكى الله تعالى أقوالهم فى مواضع من كتابه، وكأنه قيل: ﴿لا﴾ ليس الأمر على ما تقوّلتموه، من إنكاركم ليوم القيمة ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ. وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ فلا هاهنا جواب لما

حكى من جحدهم البعث، كما كان قوله تعالى: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جوابا لقولهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ لأنّ القرآن يجرى مجرى السّورة الواحدة.

ومثل قوله: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جوابا لما قذفوه به من الجنون، مجىء قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ جوابا لما ورد فى السّورة الأخرى من قول عبد الله بن أبىّ بن سلول، ومن كان معه من المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾.

ومجىء «ما» زائدة فى قول القائل:

ما مع أنك يوم الورد/ذو جزر

من الشاذّ النادر، وقوله: «ذو جزر» الجزر: جمع الجزرة، وهى الشاة المذبوحة.

والدّسيعة، هاهنا: الجفنة، والدّسيعة فى غير هذا: العطيّة الضّخمة، والدّسيعة أيضا: مركّب العنق فى الكاهل.

والسّلم: الدّلو، ووكّار: عدّاء.

وممّا حذفوه من حروف المعانى: الفاء، حذفت من جواب الشرط، فى قول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:

من يفعل الحسنات الله يشكرهاوالشّرّ بالشّرّ عند الله سيّان
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة

أراد: فالله يشكرها.

والفاء العاطفة كثيرا ما تحذف فى الكلام وفى الشعر، وحذفها فى التنزيل كثير، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ﴾ المعنى: فقالوا: أتتّخذنا هزوا، فقال: أعوذ بالله، وقال الشاعر:

لمّا رأيت نبطا أنصاراشمّرت عن ركبتى الإزارا

كنت لهم من النّصارى جارا

أراد: فكنت.

وممّا جاء فيه حذف الواو عاطفة قول الحطيئة:

إنّ امرأ رهطه بالشام منزلهبرمل يبرين جارا شدّ ما اغتربا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «طافت أمامة بالركبان آونة»

أراد: ومنزله.

وممّا استمرّ فيه حذف الفاء من أوائل آيات متواليات، قوله تعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ. قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ. قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ. قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. قالَ لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ. قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ. قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ جميع هذه الآى، الفاء مرادة في أوائلها.

/ومن حروف المعانى التى حذفت وقدّرت «قد» فى قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ أى: وقد اتّبعك الأرذلون، أى أنؤمن لك فى هذه الحال؟ وإنما وجب تقدير «قد» هاهنا لأن الماضى لا يقع فى موضع الحال إلا ومعه «قد» ظاهرة أو مقدّرة، فالظاهرة كقولك: جاء زيد وقد أعيا، أى: معييا، والمقدّرة فى الآية المذكورة، ومثلها قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ﴾ التقدير:

وقد كنتم أمواتا فأحياكم، ومثله: ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ قيل: معناه: قد حصرت صدورهم، ويدلّ على ذلك قراءة الحسن ويعقوب الحضرمي: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ وقيل: إن الحال هاهنا محذوفة، و ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ صفتها، والتقدير: جاءوكم قوما حصرت صدورهم، وهو قول الأخفش، وذهب أبو العباس المبرّد إلى أن قوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ دعاء عليهم، على طريقة: ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ و ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾

ودفع ذلك أبو على وغيره، بقوله تعالى: ﴿أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ قالوا: لا يجوز أن ندعو عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتالهم لقومهم، بل نقول: اللهم ألق بأسهم بينهم.

وأمّا العوامل فى الفعل، فمنها «أن» المصدرية، وهى تنصب مضمرة، كما تنصب مظهرة، ونصبها مضمرة يكون بعد ثلاثة أحرف عاطفة، وحرفين جارّين، فالعاطفة: الفاء والواو وأو، والجارّان: لام الإضافة، وحتّى التى بمعنى إلى.

فالفاء تضمر بعدها «أن» بعد الأمر والنهى والاستفهام، والنفى والتمنيّ والدعاء والعرض.

ووجه إضمار «أن» بعد الفاء إذا وقعت بعد هذه المعانى، أن المراد بها عطف [مصدر على] مصدر متأوّل، لأنك إذا قلت: زرنى فأكرمك، فالتقدير:

لتكن زيارة منك فإكرام منّى، وألزموها الإضمار، لأن المصدر الأول غير مصرّح به، فكرهوا التصريح بالمصدر الثانى، فالفاء هنا/فى التحقيق عاطفة، لا جواب، لأنّ «أن» مع الفعل فى حكم المفرد، والمفرد لا يستقلّ بنفسه، فيكون جوابا، وإنما سمّاها النحويون جوابا، لأنها لو سقطت انجزم الفعل الذى بعدها، بكونه جوابا، إلاّ بعد النفى، وإنما يكون الجزم بعدها، لأنّ الأمر فى قولك: زرنى أكرمك، ناب عن الشرط، من حيث كان الثانى مستحقّا بالأوّل، ومسبّبا عنه، كما يكون الجزاء مستحقّا بالشرط، فلما دخلت على ما هو جواب بمنزلة الجزاء، سمّوها جوابا، ألا ترى أنك إذا أسقطتها قلت: زرنى أكرمك، فجزمت أكرمك، لأن قولك: زرنى، قام مقام قولك: إن تزرنى، وكذلك النهى، تقول: لا تضربه يكرمك، تقديره: إن لا تضربه يكرمك، وإنما قدّرت فيه حرف النّفى، لأن النّهى

نفى، وكذلك قولك: هل تزورنى أكرمك؟ أنبت فيه الاستفهام مناب الشرط.

وأمّا الواو فيضمرون «أن» بعدها، إذا أرادوا النّهى عن الجمع بين الشيئين، كقولك: «لا تأكل السّمك وتشرب اللّبن»، أى لا تجمع بينهما، وكذلك يفعلون بعد النفى، كقولهم: لا يسعنى شيء ويعجز عنك، أى لا يجتمع فى شيء أن يسعنى وأن يعجز عنك، ومنه قول دريد بن الصّمّة:

قتلت بعبد الله خير لداتهذؤابا فلم أفخر بذاك وأجزعا

أى: فلم يجتمع لى الفخر والجزع.

وإضمارها بعد «أو» إذا أردت بأو: إلاّ أن، كقولك: لألزمنّك أو تفينى بحقّى، تريد: إلاّ أن تفينى.

فإن قيل: فإذا كانت بمعنى إلاّ، فمن أىّ شيء وقع الاستثناء؟

قيل: وقع الاستثناء من الوقت، لأن التقدير: لألزمنّك أبدا إلاّ وقت إيفائك إيّاى بحقّى.

فأمّا إضمارها بعد «حتّى» فتكون «حتى» فيه على معنيين، معنى كى، ومعنى إلى/أن، فإذا كان ما قبلها سببا لما بعدها، فهى بمعنى كى، كقولك: أطع الله حتى يدخلك الجنّة، المعنى: كى يدخلك الجنة، لأن دخول الجنة مسبّب عن

الطاعة، وإذا كان ما بعدها غاية لما قبلها، كانت بمعنى إلى أن، كقولك:

لأنتظرنّك حتى تغيب الشّمس، تريد: إلى أن تغيب الشمس، فغيبوبة الشمس غاية لانتظاره له.

فإن كان الفعل بعد «حتى» حالا، رفعته، لأن العوامل لا تعمل فى الفعل الحاضر، وعلى هذا مثّل النحويون رفعه بقولهم: سرت حتّى أدخلها، إذا قلت هذا وأنت فى الدّخول، وكذلك: شربت الإبل حتّى يجيء البعير يجرّ بطنه، ترفع «يجيء»، إن أردت به: يجيء الآن، أو أردت به المضىّ، وتكون حكاية حال قد مضت، وعلى هذا قراءة من قرأ: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ رفعا، معناه: حتى قال.

وأمّا اللام فعلى ضربين: لام كى، ولام الجحد، فلام كى، مثالها قولك:

زرنى لأكرمك، التقدير: لأن أكرمك، والمعنى كي أكرمك، ولو أظهرت «أن» هاهنا كان حسنا، لأنّ اللام فى هذا النحو لام العلّة التى يحسن إظهارها، فى قولك: جئته مخافة شرّه، وفى قول الشاعر:

متى تفخر ببيتك فى معدّيقل تصديقك العلماء جير

الأصل: لمخافة شرّه، ولتصديقك، أى يقولون: نعم ليصدّقوك.

ولام الجحد كقولك: ما كان زيد ليكرمك، والتقدير: لأن يكرمك، ولا يجوز إظهار «أن» هاهنا، ومثله فى التنزيل: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ قال علىّ ابن عيسى الرّمّانىّ: هذه لام الجحد، وأصلها لام الإضافة، والفعل بعدها نصب

بإضمار «أن» ولا تظهر بعدها «أن» لأن التأويل: ما كان الله مضيعا إيمانكم، فلما كان معناه على التأويل، حمل لفظه على التأويل، من غير تصريح بإظهار «أن» يعنى [أنه] لمّا حمل قوله: ﴿لِيُضِيعَ﴾ فى المعنى، على مضيع، وبهذا الحمل يصحّ معنى الكلام، لزم «أن» /الإضمار، فلم يصرّح بالمصدر، ليتّفق اللفظ والمعنى على التأويل دون التصريح.

وممّا أضمروه من عوامل الأفعال، وأجاز النحويّون ذلك فى الشّعر، لام الأمر، وأنشدوا:

محمد تفد نفسك كلّ نفسإذا ما خفت من شيء تبالا
للشاعر أبو طالب، من قصيدة «محمد تفد نفسك كل نفس»

قالوا: أراد: لتفد، فاضطرّه الوزن إلى حذف اللام، لأنّ تبقية الجزم يدلّ على أنّ ثمّ جازما، وقال بعضهم: هو خبر يراد به الدعاء، وأصله: تفدى نفسك كلّ نفس، كما قال

ويرحم الله عبدا قال آمينا

وكما جاء فى التنزيل: ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فاحتاج إلى حذف الياء، وإن كان المراد به الخبر، كما حذفت فى التنزيل من ﴿نَبْغِي﴾ فى

قوله: ﴿ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ وأنشد أبو بكر محمد بن السّرىّ، هذا البيت، وأنشد معه لمتمّم بن نويرة:

على مثل أصحاب البعوضة فاخمشىلك الويل حرّ الوجه أويبك من بكى
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

أراد: أو ليبك، فحذف اللام، قال أبو بكر: وقال أبو العباس: لا أرى ذا على ما قالوه، لأنّ عوامل الأفعال لا تضمر، وأضعفها الجازمة، لأنّ الجزم فى الأفعال نظير الخفض فى الأسماء، ولكن بيت متمّم يحمل على المعنى، لأن قوله:

«فاخمشى» فى موضع «فلتخمشى» فعطف «يبك» على المعنى، فكأنه قال:

فلتخمشى أو يبك. وأما البيت الآخر، فليس بمعروف، يعنى قول القائل:

محمد تفد نفسك كلّ نفس

قال أبو بكر: «على أنه فى كتاب سيبويه على ما ذكرت لك» يعنى أن سيبويه قدّر فيه إضمار اللام.

قوله: «تبالا» التّبال: الإهلاك، تبلهم الدهر: أفناهم.

فصل

فى ذكر [بعض] ما حذف من الحروف التى من أنفس الكلم

، فمن ذلك حروف العلّة، /الألف، والواو، والياء، والهمزة.

فالألف تحذف فى نحو: تخشى وتسعى، إذا لقيتها الواو، فى قولك:

تخشون وتسعون، وإذا لقيتها الياء، فى قولك: أنت تخشين وتسعين، فوزن تخشون: تفعون، وتخشين: تفعين.

وكذلك الواو فى نحو: يدعو ويخلو، تحذف فى قولك: هم يدعون ويخلون، وأنتم تدعون وتخلون، ولا تحذف فى قولك: هنّ يدعون ويخلون، وأنتنّ تدعون وتخلون، لعلّة نذكرها فيما بعد بمشيئة الله. والأصل: يدعوون وتدعوون ويخلوون وتخلوون، فاستثقلوا الضمّة على الواو فأسقطوها، فالتقى واوان ساكنتان، لام الفعل وواو الإضمار، فحذفوا الأولى، فآل وزن الفعل إلى يفعون.

وكذلك تحذف الواو من يدعو ونظائره، إذا قلت: تدعين يا هذه، وكان أصله: تدعوين، فحذفت الكسرة، فلما سكنت الواو، حذفت لسكونها وسكون ياء الإضمار، ثم أبدلت من الضمّة التى قبل الواو كسرة، لتصحّ ياء الضمير، فقيل: تدعين، وزنه تفعين، ومنهم من يشمّ العين الضّمّة.

وكذلك حكم الياء، فى نحو: يقضى ويرمى، إذا قلت: يقضون ويرمون، أصله: يقضيون ويرميون، فحذفت ضمّة الياء، ثم حذفت الياء لسكونها وسكون الواو، وكذلك إذا أسندت الفعل إلى ضمير المؤنّث، أصله: ترميين، فحذفوا الكسرة، ثم حذفوا الياء لسكونها وسكون ياء الإضمار بعدها.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.