من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الحادى والأربعون يتضمّن ما بقى من ذكر النصب على شريطة التفسير فى العطف
، وما يلى ذلك من الضّروب
اختلف القرّاء فى رفع ﴿الْقَمَرَ﴾ ونصبه، من قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ فرفعه ابن كثير ونافع وأبو عمرو، فوجه الرفع أن قبله جملة من مبتدأ وخبر، وهى قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ ووجه النّصب عند أبى على: أنه تقدّمه فعل وفاعل، فالفعل ﴿تَجْرِي﴾ وفاعله الضمير المستكنّ فيه، ولمّا جرى ذكر فعل، حسن إضمار الفعل، قال أبو على: من نصب، فقد حمله سيبويه على: زيدا ضربته، قال: /وهو عربىّ، يعنى أنه قد يجوز إضمار الفعل، وإن لم يتقدّم ذكر فعل، فكأن سيبويه لم يعتدّ بذكر ﴿تَجْرِي﴾ فنصب بعد ذكر الجملة المبتدئية، كما تقول مبتدئا:
زيدا ضربته، فتنصبه وإن لم يتقدّمه فعل.
قال أبو علىّ: ويجوز فى نصبه وجه آخر، وهو أن تحمله على الفعل الذى هو خبر المبتدأ، على ما أجازه سيبويه، من قولك: زيد ضربته وعمرا أكرمته، وهو أن تحمله مرّة على الابتداء، ومرّة على الخبر الذى هو جملة من فعل وفاعل، وهو ﴿تَجْرِي﴾ من قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ﴾ انتهى كلام أبى على.
وأقول: إن الرّفع فى هذا الحرف أقوى، لأمرين: أحدهما: تقدّم المبتدأ الذى هو ﴿الشَّمْسُ﴾ على الخبر الذى هو ﴿تَجْرِي﴾ فمراعاة الاسم الذى الفعل فى ضمنه أولى، ألا ترى أنّ سيبويه لم يعتدّ بالفعل الذى هو ﴿تَجْرِي﴾ وحمل نصب ﴿الْقَمَرَ﴾ على قولك: زيدا ضربته.
والثانى: أن «قدّر» يتعدّى إلى مفعول واحد، وقد تعدّى هاهنا إلى مفعولين، الهاء والمنازل، وإنما تعدّى إلى الهاء بتقدير حرف الخفض، أى قدّرنا له منازل، هذا هو المعنى، ألا ترى أنك تقول: قدّرت لزيد دينارا، ولا تقول: قدّرت زيدا دينارا، وإذا كان حق «قدّر» أن يتعدّى بالجار، وكان إضماره مخالفا للقياس، كما أن [إضمار] «مررت» فى قولك: خرج زيد وعمرا مررت به، لا يجوز، وموجب نصب ﴿الْقَمَرَ﴾ عندى ذكر المصدر، الذى هو التقدير فى قوله:
﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ألا ترى أن المصدر إذا وقع هذا الموضع، فإنه فى تقدير التحليل إلى أن والفعل، كقوله: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ﴾ أى: ولولا أن دفع الله الناس، فكأنه قيل: ذلك أن قدّره العزيز العليم، أى قدّر جريان الشمس لمستقرّ لها، أى إلى مستقرّ لها، ومعنى اللام هاهنا معنى «إلى» كما قال تعالى:
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ أى: إليها، والإشارة بقوله: ﴿ذلِكَ﴾ إلى الجريان الذى/ دلّ عليه ﴿تَجْرِي﴾ وجّهت الإشارة إلى المصدر، الذى دلّ عليه فعله، كما عاد الضمير إلى الشكر، لدلالة فعله عليه، فى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾.
وإذا عرفت هذا، فالناصب للقمر فعل مقدّر، معطوف على الفعل الذى انسبك منه ومن «أن» المصدر الذى هو التقدير، فالقمر داخل بالعطف فى صلة التقدير، فكأنه قال: ذلك أن قدّره العزيز العليم، وقدّر القمر، أى قدّر جريان القمر، ثم استأنف الجملة التى بعده، فقال: قدّرناه منازل، أى قدّرنا له منازل، وحذفت اللام هاهنا كما حذفت من قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ أى: ويبغون لها عوجا، فعلى هذا التقدير الذى قدّرته، لا يكون ﴿قَدَّرْناهُ﴾ مفسّرا لناصب القمر، بل يكون جملة مستأنفة، فى استئنافها التخلّص من كون الفعل المفسّر متعدّيا بالجارّ، فتأمّل ما قرّرته فى هذا الفصل فهو ممّا خطر لى.
ومن هذا الضّرب قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ﴾ حسن النصب هاهنا بإضمار ﴿أَغْرَقْنا»﴾ لتقدّم قوله: ﴿اِذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ﴾ ثم جاء بعدها: ﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ﴾ فأضمر ناصب غير «أغرقنا»، وتقديره: وأهلكنا عادا، ثم جاء: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ فأضمر فعل ثالث، فالتقدير: ووعظنا كلاّ، لأنّ ضرب الأمثال وعظ، ثم جاء: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنا﴾ فلم يضمر ناصب لكلّ، لأن ﴿تَبَّرْنا﴾ لم يشتغل عن العمل فيه.
وقد ورد فى التنزيل حرف منصوب، نصبه فى الظاهر خارج عن القياس، لأنه لا داعى إلى النصب فيه ظاهرا، والقراء مجتمعون على النصب فيه، وهو ﴿كُلَّ﴾ فى قوله تعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ أجمع البصريون على أنّ
-
رفعه أجود، لأنه لم يتقدّمه ما يقتضى إضمار ناصب، وقال الكوفيون: نصبه أجود، لأنه قد تقدّمه عامل ناصب، وهو «إنّ» فاقتضى ذلك/إضمار «خلقنا» وقوله:
﴿خَلَقْناهُ﴾ مفسّر للضمير.
ووجدت بعض معربى القرآن مسدّدا ومقويّا لمذهب الكوفيّين، لأن ما ذهبوا إليه يقتضى العموم فى المخلوقات، أنها كلّها لله، من حيث كان التقدير: إنا خلقنا كلّ شيء بقدر، فقوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾ متعلّق بخلقنا، ولو رفع ﴿كُلَّ﴾ لكان ﴿خَلَقْناهُ﴾ صفة لشيء، وتعلّق قوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾ بمحذوف، لكونه خبرا للمبتدإ، فالتقدير: كلّ شيء مخلوق لنا بقدر، وهذا يقتضى الخصوص فى المخلوقات، وإذا كان ﴿خَلَقْناهُ﴾ مفسّرا للناصب، الذى هو «خلقنا» لم يجز أن يكون وصفا لشيء، لأن الصّفة لا تكون مفسّرة لما قبل الموصوف، فحكمها فى ذلك حكم الصّلة.
وذكر بعض النحويين وجها آخر فى نصب ﴿كُلَّ﴾، وهو أن يكون منصوبا بخلقناه، على أن تكون الهاء ضمير المصدر، الذى دلّ عليه ﴿خَلَقْناهُ﴾ كما كانت الهاء فى قول الشاعر:
هذا سراقة للقرآن يدرسهوالمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب
ضمير المصدر الذى هو الدرس، فالتقدير: للقرآن يدرس درسا، وكذلك التقدير: إنا كلّ شيء خلقناه خلقا، وهذا القول وإن كان يصح به النصب فى ﴿كُلَّ﴾ فإنه مقتض للعموم فى المخلوقات أنها كلّها لله جلّت عظمته، لأن قوله:
﴿بِقَدَرٍ﴾ يتعلّق فى هذا الوجه بخلقنا.
وخطر لى فى نصب ﴿كُلَّ﴾ وجه مخالف للوجهين المذكورين، وهو أن يكون قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ نصبا على البدل من اسم إنّ، وهو بدل الاشتمال، لأن الله سبحانه محيط بمخلوقاته، فيكون التقدير: إنّ كلّ شيء خلقناه بقدر، فيكون قوله: ﴿خَلَقْناهُ﴾ صفة لشيء، وقوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾ متعلّقا بمحذوف، لأنه خبر إنّ.
فإن عورض هذا القول بأنّ ضمير المتكلّم وضمير المخاطب لا يبدل منهما، لأن البدل إنما/يراد به تخصيص المبدل منه، وضمير المتكلّم والمخاطب فى غاية التعريف، فلا حاجة بهما إلى التخصيص.
فالجواب عن هذه المعارضة، بأن الإبدال من ضمير المتكلّم وضمير المخاطب لا يسوغ إذا كان البدل هو المبدل منه، وذلك بدل الشىء من الشىء، وهو هو، ويسمّونه بدل الكلّ، وأمّا بدل الاشتمال وبدل البعض، فيسوغان فى ضمائر المتكلّمين والمخاطبين، لأن بدل الاشتمال وبدل البعض لا يخصّصان المبدل منه، لأنهما ليسا إياه، ألا تراك إذا قلت: إنك كلامك يثقل عليّ، فنصبت «كلامك» لأنك أبدلته من الكاف، كان حسنا، فالتقدير: إن كلامك يثقل علي، وكذلك لو قلت: إنى لأبغضك كلامك، كان مستقيما، وكذلك بدل البعض، كقولك: إنى أحبّك وجهك، تريد أحبّ وجهك، وكذلك إذا قلت:
زيد يحبّنى علمى، أردت: يحبّ علمى، فكلام مستقيم.
وقد جاء فى التنزيل إبدال البعض من ضمير المخاطبين المجرور، وأعيد فى البدل حرف الجر، فى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ فقوله: ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ بدل من قوله: ﴿لَكُمْ﴾
وأعيدت اللام فى البدل، كما أعيدت فى قوله تعالى: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ وكذلك أعيدت فى قوله: ﴿لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ﴾ فقوله: ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل البعض، وقوله: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل الاشتمال.
فإن قيل: إنّ بدل الاشتمال حقّه أن يكون الأول مشتملا على الثانى، كقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ فالشهر مشتمل على القتال، وقوله: ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ بعكس ذلك، لأن البيوت تشتمل عليهم.
قيل: إن المراد هاهنا اشتمال الملكيّة، ومثل ذلك: سرق زيد ثوبه.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع