تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

فصل (٧)

/ قد مضى إضمار الفعل على شريطة التفسير، ويليه إضماره مع «إن» وذلك فى قولهم: «الناس مجزيّون بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ» التقدير: إن كان عملهم [خيرا فجزاؤهم خير، وإن كان عملهم] شرّا فجزاؤهم شرّ، ومثله فى إضمار «كان» قول ليلى الأخيلية:

لا تقربنّ الدّهر آل مطرّفإن ظالما فيهم وإن مظلوما

أى إن كنت ظالما وإن كنت مظلوما، ومثله قول النعمان بن المنذر، للربيع ابن زياد العبسىّ، من أبيات فى قصّة جرت له مع نفر من بنى عامر بن صعصعة:

قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبافما اعتذارك من شيء إذا قيلا

أى إن كان حقّا وإن كان كذبا، وتقول: افعل هذا وإلا هجرتك [تريد:

وإلا تفعله هجرتك] فتحذف جملة الشرط، وجاء فى شعر للأحوص بن محمد الأنصارى:

سلام الله يا مطر عليهاوليس عليك يا مطر السّلام
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أإن نادى هديلا ذات فلج»
فإن يكن النكاح أحلّ أنثىفإنّ نكاحها مطر حرام
فطلّقها فلست لها بكفءوإلاّ يعل مفرقك الحسام

أراد: وإن لا تطلّقها يعل، وسيبويه يروى: «يا مطر» بالرفع والتنوين، يشبّهه بالمرفوع الذى لا ينصرف، فينوّنه على لفظه اضطرارا كقولك فى الشعر: هذا أحمد يا فتى، وأبو عمرو بن العلاء ومن أخذ أخذه، يردّون المنادى إلى الأصل، فينصبون وينوّنون.

ومثل بيت الأحوص، فى حذف جملة الشرط قول الآخر:

أقيموا بنى النّعمان عنّا صدوركموإلاّ تقيموا صاغرين الرّءوسا
للشاعر يزيد الشَنّي، اقرأ القصيدة

التقدير: وإن لا تقيموا صدوركم تقيموا الرءوس.

/والضّرب الثالث من حذف الفعل، حذفه للدلالة عليه، كقولك إذا كنت محذّرا: الأسد الأسد، وكذلك: الطريق الطريق، تريد: خلّ الطريق، وقد أظهر الشاعر هذا الفعل، فى قوله:

خلّ الطّريق لمن يبنى المنار بهوابرز ببرزة حيث اضطرّك القدر
للشاعر جرير، من قصيدة «هاج الهوى وضمير الحاجة الذكر»

ومثله: النّجاء النّجاء، تريد: انج النّجاء، ولا بدّ من تكرير المنصوب إذا حذفت الفعل، فإن أظهرته لم تكرّره، ولكن تقول: انج النّجاء، وخلّ الطريق، واحذر الأسد، وقد يقوم العطف مقام التكرير، كقولهم: «أهلك واللّيل»، فهذا تقديره فى الإعراب: بادر أهلك وبادر اللّيل، وتقديره فى المعنى: بادر أهلك قبل الليل، ومثله: رأسه والجدار، تقديره فى الإعراب: انطح رأسه والجدار، وفى المعنى: انطح رأسه بالجدار، ومثله فى العطف: ﴿ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها﴾ أى احذروا ناقة الله وسقياها، وفيه تقدير حذف مضافين، أى احذروا عقر ناقة الله، وقطع سقياها، ومنه قول الحطيئة:

فإيّاكم وحيّة بطن وادهموز النّاب ليس لكم بسيّ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «عرفت منازلا من آل هند»

قدّره النحويّون: إيّاكم احذروا، كأنه حذّرهم أنفسهم مع الحيّة الذى وصفه، أى احذروا تسويل أنفسكم عداوة حيّة، من صفته كذا وكذا.

والهمز: الكدم والعضّ، والسّيّ: المثل.

ومن هذا الضّرب قولهم فى الدعاء: سقيا لك ورعيا، يريدون: سقاك الله سقيا، ورعاك الله رعيا، وقولهم: لك، يسمّيه النحويون تبيينا، فهو فى تقدير الانقطاع، والتعلّق بمحذوف، أى هذا لك.

ومن المنصوب فى الدّعاء بفعل محذوف، ما حكى عن الحجّاج، أنه قال فى خطبته: «امرأ اتّقى الله، امرأ حاسب نفسه، امرأ أخذ بعنان قلبه فعلم ما يراد به» أراد: رحم الله امرأ، فإن قلت: امرؤ، فهو على تقدير: ليتق الله امرؤ.

ومن هذا الباب، أعنى/باب الدعاء، قولهم للقادم: خير مقدم، يضمرون: قدمت، ويجوز: خير مقدم، أى مقدمك خير مقدم.

وممّا جاء فيه الحذف قولهم: وراءك أوسع لك، وحسبك خيرا لك،

التقدير: ارجع وراءك وائت مكانا أوسع لك، فحذفوا الفعلين والموصوف الذى هو المكان، وكذلك حسبك خيرا لك، معناه: اكتف ائت أمرا خيرا لك، وأمّا قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ ففيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أن التقدير: يكن خيرا، وهذا قول الكسائى، ومن مذهب سيبويه أنّ «كان» لا يجوز إضمارها إلا مع «إن» فيما قدّمته من قولهم: «الناس مجزيّون بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ».

والثانى: أن ﴿خَيْراً﴾ صفة مصدر محذوف، تقديره: انتهوا انتهاء خيرا لكم، وهو قول الفرّاء، وهذا القول ليس فيه زيادة فائدة على ما دلّ عليه ﴿اِنْتَهَوْا﴾ لأن انتهوا يدلّ على الانتهاء بلفظه، فيفيد ما يفيده الانتهاء.

والثالث: قول سيبويه، وهو أن التقدير: ائتوا خيرا لكم، وفى هذا التقدير فائدة عظيمة، لأنه نهاهم بقوله: ﴿اِنْتَهَوْا﴾ عن التثليث، وأمرهم بقوله: ائتوا خيرا لكم، بالدخول فى التوحيد، فكأنه قال: انتهوا عن قولكم: آلهتنا ثلاثة، وأتوا خيرا

لكم، فقولوا: إنما الله إله واحد، فقد أخرجهم بهذا التقدير عن أمر فظيع، وأدخلهم فى أمر حسن جميل، ومنه ما أنشده أبو علي، فى كتابه الذى وسمه بالإيضاح:

تروّحي أجدر أن تقيلىغدا بجنبى بارد ظليل

وفيه على ما ذهب إليه، ولم يذكره فى الإيضاح، خمسة حذوف، لأنه قدّر ائتى مكانا أجدر بأن تقيلى فيه، فحذف الفعل، وحذف المفعول الموصوف الذى /هو مكانا، وحذف الباء التى يتعدّى بها أجدر، وحذف الجارّ من فيه، فصار:

تقيليه، فحذف العائد إلى الموصوف، كما حذف فى قوله سبحانه: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ أى لا تجزى فيه، وقال الخليل وسيبويه فى قول عمر ابن أبى ربيعة:

فواعديه سرحتى مالكأو الرّبا بينهما أسهلا

إن التقدير: ائتى مكانا سهلا، وضع أسهل، مكان سهل، كما وضع أفعل

موضع فعيل، فى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أى هيّن.

وما يحذف لدلالة الحال عليه، الفعل [من قولك] إذا رأيت رجلا متوجّها وجهة الحجّ، عليه آثاره: مكة والله، أى يريد مكة، وكذلك قولك إذا سمعت صوت السهم، بعد أن رأيت الرامى يسدّده: القرطاس والله، أى أصاب القرطاس، وكذلك إذا رأيت رجلا فى حال ضرب أو إعطاء، قلت: زيدا، أى اضرب زيدا، أو أعط زيدا.

ومنه النصب على إضمار «أعنى» للمدح، أو للذّمّ، فمن المدح قولك:

جاءنى زيد الفاضل الكريم، تريد أعنى الفاضل الكريم، والذّم قولك: مررت بعمرو الخبيث اللئيم، فمن الذّم قراءة عاصم: ﴿حَمّالَةَ الْحَطَبِ﴾ يريد أعنى أو أذمّ حمّالة الحطب.

قال أبو عليّ: فكأنها كانت اشتهرت بذلك، فجرت عليها الصّفة للذمّ، لا للتخصيص والتخليص من موصوف غيرها، كقوله:

ولا الحجّاج عينى بنت ماءتقلّب طرفها حذر الصّقور

لم يرد وصفه إياه بالجبن، ولكن ذمّه وسبّه، ومن الذمّ قول النابغة:

أقارع عوف لا أحاول غيرهموجوه كلاب تبتغى من تجادع

ومن المدح قول الخرنق بنت هفّان:

/لا يبعدن قومى الذين همسمّ العداة وآفة الجزر
للشاعر الخرنق بنت بدر، من قصيدة «لا يبعدن قومي الذين هم»
النازلين بكلّ معتركوالطّيّبين معاقد الأزر

أرادت: أعنى أو أمدح النازلين والطّيّبين.

ومن المدح فى التنزيل قوله: ﴿وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ﴾ بعد قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا﴾ أراد: وأعنى الصابرين، ومثله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ وبعده ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ ذهب سيبويه إلى أن ﴿الْمُقِيمِينَ﴾ منصوب على المدح، وهو أصحّ ما قيل فيه؛ لأنّ بعض معربى القرآن زعم أن ﴿الْمُقِيمِينَ﴾ مجرور بالعطف على

الهاء والميم، فى ﴿مِنْهُمْ﴾ من قوله تعالى: ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ فالتقدير على هذا القول: منهم ومن المقيمين الصلوة، وزعم آخر أنه معطوف على الكاف من ﴿إِلَيْكَ﴾ فالتقدير: يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلوة، وقال آخر: هو معطوف على الكاف من ﴿قَبْلِكَ﴾ فالتقدير: وما أنزل من قبلك وقبل المقيمين الصلوة.

وقال الكسائىّ: هو مخفوض بالعطف على ﴿ما﴾ من قوله: ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ فالمعنى على هذا القول: يؤمنون بالذى أنزل إليك وبالمقيمين الصلوة، وهذا قول بعيد من جهة المعنى، والأقوال الثلاثة فاسدة من جهة الإعراب، وذلك أن الاسم الظاهر لا يسوغ عطفه على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارّ، لأمرين:

أحدهما: أنهم لا يعطفون المجرور إلاّ بإعادة الجارّ، كقولك: مررت بزيد وبك، ولا تقول: بزيد وك، فوجب أن ينزّل عطف الظاهر عليه منزلة عطفه على الظاهر، فيقال: بك وبزيد، كما قيل: بزيد وبك، ولا يقال: بك وزيد، كما لا يقال: بزيد وك، وهذا قول أبى عثمان المازنىّ.

والقول الآخر، وهو قول أبى علىّ: أن الضمير المجرور نحو الكاف فى بك، وفى غلامك، والياء فى بى/وفى غلامى، أشبه التنوين، من حيث صيغ على حرف واحد، كما أن التنوين كذلك، ومن حيث حذفوا ياء المتكلّم فى النداء، فقالوا: يا غلام، و ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ فكان حذفها أكثر من إثباتها، وألزموها الحذف فى نحو: ﴿قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ بإجماع القرّاء، كما ألزموا التنوين

الحذف فى قولهم: يا غلام، بالضم، ومن حيث لم يجمعوا بين التنوين فى اسم الفاعل، وبين الضمير المتّصل، فيعدّوا اسم الفاعل إليه، فيقولوا: مكرمنك وضاربنك، كما قالوا فى الظاهر: مكرم زيدا، وضارب عمرا، ولكنهم ألزموه الإضافة، فقالوا: مكرمك وضاربك، كرهوا الجمع بينه وبين التنوين، كما كرهوا الجمع بين خطابين وبين تأنيثين وبين تعريفين، ولذلك امتنع الجرّ فى قوله تعالى:

﴿إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ فلم يجز فيه إلا النصب، بإضمار فعل دلّ عليه اسم الفاعل، تقديره: وننجّى أهلك، وقد أشبعت القول فى هذه المسألة فيما تقدّم.

وقول أبى علىّ: أشبه التنوين لأنه صيغ على حرف واحد، يتوجّه عليه اعتراض، لأنه قد صيغ على أكثر من حرف، كقولهم: بكما وبكم وبكنّ، وكرهوا مع ذلك الجمع بينه وبين التنوين، والقول فى ذلك أنهم كرهوا الجمع بين التنوين وضمير الواحد، ثم حملوا الفرع الذى هو التثنية والجمع، على الأصل الذى هو الواحد.

ومما حذف منه الفعل، وقامت الحال مقامه، قولهم: هنيئا لك قدومك، قال أبو الفتح فى قول أبى الطيّب:

هنيئا لك العيد الذى أنت عيدهوعيد لمن سمّى وضحّى وعيّدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لكل امرئ من دهره ما تعودا»

العيد مرفوع بفعله، وتقديره: ثبت هنيئا لك العيد، فحذف الفعل وقامت الحال مقامه، فرفعت الحال العيد، كما كان الفعل يرفعه.

وقال أبو العلاء المعرّى: هنيئا ينتصب عند قوم على قولهم: ثبت لك هنيئا، وقيل: هو اسم فاعل، وضع موضع/المصدر، كأنه قال: هنأك هناء،

لأنهم ربّما وضعوا اسم الفاعل موضع المصدر، كما قالت بعض نساء العرب، وهى ترقّص ابنها:

قم قائما قم قائمالاقيت عبدا نائما

أرادت: قم قياما.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.