تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الثانى والأربعون يتضمّن ذكر فصول من إضمار الأفعال

ذكر سيبويه، فى (باب ما ينتصب من المصادر على إضمار الفعل المتروك إظهاره) قولهم: سبحان الله، وعمرك الله، وقعدك الله، فقال: وذلك قولك:

سبحان الله وريحانه، وعمرك الله إلاّ فعلت، وقعدك الله إلاّ فعلت، فكأنه حيث قال: سبحان الله، قال: تسبيحا، وحيث قال: وريحانه، قال: استرزاقا، لأنّ معنى الرّيحان الرزق، فنصب هذا على أسبّح تسبيحا، وأسترزق استرزاقا، وخزل الفعل هاهنا، لأن المصدر بدل من اللفظ بقوله [أسبّحك] وأسترزقك. انتهى كلامه.

وأقول: إن سبحان اسم للتسبيح، كما أنّ الكلام والسلام اسمان للتكليم والتسليم، وجاء سبحان على زنة الغفران والكفران، فى قولهم: «غفرانك اللهمّ لا كفرانك» وجاء الكفران فى قوله تعالى: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ﴾ ومثله فى الزّنة،

وهو نقيضه فى المعنى، الشّكران، فكما قالوا: كلّمته كلاما، وسلّمت عليه سلاما، فاستعملوهما فى موضع التكليم والتسليم، كما استعمل السّراح فى موضع التّسريح، من قوله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ كذلك استعملوا سبحان فى موضع التسبيح.

قال سيبويه: وزعم أبو الخطّاب، يعنى الأخفش الكبير، أنّ سبحان الله براءة الله من السوء، وزعم أن مثله قول الأعشى:

أقول لمّا جاءنى فخرهسبحان من علقمة الفاخر

/قال: وإنما ترك التنوين فى سبحان، وترك صرفه، يعنى فى بيت الأعشى، لأنه صار عندهم معرفة.

وأقول: إنه لمّا صار علما للتسبيح، وانضمّ إلى العلميّة الألف والنون الزائدتان، تنزّل منزلة عثمان، فوجب ترك صرفه، وقد قطعوه عن الإضافة، ونوّنوه، لأنهم نكّروه، وذلك فى الشّعر، كقول أميّة بن أبى الصّلت، فيما أنشده سيبويه:

سبحانه ثم سبحانا يعود لهوقبلنا سبّح الجودىّ والجمد
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «سبحانه ثم سبحانا يعود له»

وقد عرّفوه بالألف واللام، فى قول الشاعر:

سبحانك اللهمّ ذا السّبحان

و «من» فى بيت الأعشى متعلقة بسبحان، كأنه قال: البراءة من علقمة.

وأما قولهم: عمرك الله، فليس كقولهم: عمر الله، لأنهم قالوا: لعمر الله، وعمر الله، رفعوه مع اللام بالابتداء، وألزموا خبره الحذف، لأن الجواب سدّ مسدّ الخبر، إذا قلت: لعمر الله لأفعلنّ، تريد: لعمر الله قسمى، ونصبوه مع حذف اللام بالفعل المقدّر، وذلك أن الأصل: أقسم بعمر الله، أى ببقائه ودوامه، ثم حذفوا الفعل والجارّ، فنصبوا، كما قالوا: الله لأفعلنّ، والأصل: أقسم بالله، والجواب يلزمه منصوبا كما يلزمه مرفوعا، تقول: عمر الله لاقمت، وعمرك لا ذهبت.

والعمر بمعنى العمر، مصدر قولهم: عمر الرجل يعمر، إذا امتدّ بقاؤه، ولكنهم لم يستعملوا فى القسم إلا المفتوح.

وقولهم: عمرك الله، مخالف لقولهم: عمر الله، من ثلاثة أوجه، أحدها: أن عمرك الله ليس بقسم عند جلّ النحويين، قالوا: والدليل على ذلك أنه لا جواب له، لا ظاهر ولا مقدّر، وإنما هو إخبار بأنك داع للمخاطب بالتعمير، قال عمر بن أبى ربيعة:

أيّها المنكح الثّريّا سهيلاعمرك الله كيف يلتقيان
للشاعر ابن المُقري، من قصيدة «منكر رقص عاقد الطيلسان»

والثانى: أنك تنصب عمر الله، نصب المفعول [به] على ما أريتك، وتنصب عمرك الله نصب المصادر، لأنّ سيبويه ذكره مع سبحان الله.

والثالث: أن العمر فى قولك: عمر الله وعمرك يا فلان، بمعنى العمر، وهو فى قولك: عمرك الله، بمعنى التعمير، حذفوا زوائده، ونصبوه بفعل اختزلوه، لأنه صار بدلا من اللفظ بالفعل، فلا يجوز إظهاره معه، والناصب له عمّرتك مشدّدا، أنشد سيبويه للأحوص بن محمد:

عمّرتك الله إلاّ ما ذكرت لناهل كنت جارتنا أيام ذى سلم
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «إذ كدت أنكر من سلمى فقلت لها»

وأنشد، ولم يذكر قائله، وهو لابن أحمر:

عمّرتك الله الجليل فإنّنىألوى عليك لو ان لبّك يهتدى
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «أفد الرحيل وليته لم يأفد»

وذكر أبو العباس محمد بن يزيد فى قولهم: عمرك الله، أن انتصابه على المصدر، بتقدير: عمّرتك الله تعميرا، على ما قرّره سيبويه، وأجاز فيه أبو العباس أن ينتصب بتقدير حذف الجارّ، لأنه ذكره مع قولهم: يمين الله، وعهد الله، فى قول من نصبهما، وإنما النصب فيهما بتقدير: أقسم بيمين الله، وبعهد الله، فلمّا حذفوا الباء وصل الفعل فعمل، وعلى هذا يكون قولهم: عمرك الله، تقديره: أقسم بعمرك الله، فيكون عمرك الله قسما محذوف الجواب، والمراد بالعمر التّعمير،

فالمعنى: أقسم بتعميرك الله، أى بإقرارك له بالدّوام والبقاء.

وذكر أبو العباس بعد عمرك الله: قعدك الله لا تقم، فنزّل عمرك الله منزلة قعدك الله، قال: وإن شئت: قعيدك الله، وهذا دليل قاطع على نصبه عنده، بتقدير: أقسم بعمرك الله.

وقال أبو عليّ: عمرك الله، مصدر، استعملوه بحذف الزوائد كقوله:

/فإن يبرأ فلم أنفث عليهوإن يهلك فذلك كان قدرى
للشاعر يزيد بن سنان المري، اقرأ القصيدة

أى تقديرى، وأصله بالزيادة: تعميرك الله، ألا ترى أن الفعل لمّا ظهر، كان على فعّلت فى قولك:

عمّرتك الله إلاّ ما ذكرت لنا

والأصل فيه: عمّرتك الله تعميرا، مثل تعميرك إياه نفسك، أى سألت الله تعميرك، مثل سؤالك إياه تعمير نفسك، فالتعمير الأول مضاف إلى الفاعل، يعنى الكاف، قال: والاسمان الآخران مفعول بهما، يعنى إياه نفسك، قال: ثم اختصر هذا الكلام، وحذفت زوائد المصدر. انتهى كلامه.

ويجب أن ترعى قلبك ما أقوله فى تفسير قول أبى علىّ، وذلك أن الأصل كما ذكر: عمّرتك الله تعميرا، مثل تعميرك إيّاه نفسك، فحذفوا الفعل والفاعل والمفعولين، فبقى تعميرا مثل تعميرك إياه نفسك، ثم حذفوا الموصوف الذى هو «تعميرا»، وقامت صفته التى هى «مثل» مقامه، فبقى: تعميرك إياه نفسك، ثم حذفوا زوائد المصدر، فبقى: عمرك إياه نفسك، فوضع الظاهر فى موضع المضمر، أعنى وضعوا لفظة «الله» موضع «إياه» فصار: عمرك الله نفسك،

فحذفوا المفعول الثانى، فبقى: عمرك الله، وإنما ساغ حذف المفعول الثانى، لكون الفعل متعديا إلى مفعولين، ليس الثانى منهما هو الأوّل، كقولك: أعطيت زيدا درهما.

ومعنى عمّرتك الله: أى سألت الله تعميرك، فلهذا لم يكن قولهم: عمرك الله، قسما فى هذا المذهب، وكان إخبارا بأنك داع للمخاطب بالتعمير. فهذه جملة القول فى مذهب من نصب اسم الله تعالى.

وأمّا من رفع، فقال: عمرك الله، فإنّ أبا الفتح عثمان بن جنّى، قال:

حكى أبو عثمان المازنى: عمرك الله، بالرفع، وله وجه، ولم يذكر أبو الفتح الوجه فيه، وقال أبو عليّ عقيب كلامه، فى عمرك الله: ووجدت فى بعض الكتب:

حكي عن أبى العباس، عن أبى عثمان/أنه سمع أعرابيّا يقول: عمرك الله، قال أبو عليّ: ولا يجيء هذا على تفسير النصب، والمعنى فيه، إن كان ثبتا، أنه أراد:

عمّرك الله تعميرا، فأضاف المصدر إلى المفعول، وذكر الفاعل بعد، كقول الحطيئة:

أمن رسم دار مربع ومصيف

انتهى كلامه.

وأقول: إن المصدر المقدّر بأن والفعل المتعدّى، إذا أعمل مضافا، أضيف تارة إلى الفاعل، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ﴾ وتارة إلى المفعول، كقول الحطيئة:

أمن رسم دار مربع ومصيفلعينيك من ماء الشّئون وكيف
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أمن رسم دار مربع ومصيف»

لأنّ الرسم هاهنا مصدر: رسم المطر الدار يرسمها رسما: إذا جعل فيها رسوما، أى آثارا، وهو مضاف إلى المفعول، والمربع: رفع بأنه الفاعل، والمراد به مطر الرّبيع، والمصيف: مطر الصّيف.

ومن فسّر شعر الحطيئة من اللغويين فسّروا الرّسم بالأثر، وفسّروا المربع بأنه المنزل فى الربيع، والمصيف بأنه المنزل فى الصّيف، وذلك فاسد، لأن تقديره: أمن أثر دار منزل فى الربيع ومنزل فى الصيف؟ ثم لا يتّصل عجز البيت بصدره، على هذا التقدير، وتكون «من» في هذا القول للتبعيض، فكأنه قال: أبعض أثر دار منزل فى الربيع، وهى فى قول [بعض] النّحويّين بمعنى لام العلّة، مثلها فى قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ أى لإملاق، وفى قولهم: فعلت ذلك من أجلك، يريدون لأجلك.

والصحيح ما ذهب إليه النحويّون، لأن المعنى: أمن أجل أن أثّر فى دار مطر ربيع ومطر صيف، لعينيك وكيف من ماء الشئون، والشّئون: مجارى الدمع، واحدها: شأن.

ثم نعود إلى القول فيما حكاه المازنىّ، من أنه سمع أعرابيّا يقول: عمرك الله، فأقول: إن أبا الحسن الأخفش قد ذكر هذا الوجه، فى كتابه/الذى سمّاه «الأوسط»، فقال: أصله أسألك بتعميرك الله، أى بأن يعمّرك الله، وحذفت زوائد المصدر، وحذف الفعل الذى هو أسألك، وحذف الجارّ فانتصب المجرور.

وذهب أبو العلاء المعرّىّ فى قولهم: عمرك الله، إلى خلاف ما أجمع عليه أئمّة النحويين، الخليل وسيبويه، وأبو الخطّاب الأخفش الكبير، وأبو الحسن

الأخفش الصغير، وأبو عثمان المازنىّ، وأبو عمر الجرمىّ، وأبو العباس محمد بن يزيد، وأبو إسحاق الزجّاج، وأبو بكر بن السرّاج، وأبو علىّ الفارسى، وأبو سعيد السّيرافى، وغير هؤلاء من المتقدّمين والمتأخّرين، فزعم أن العمر مأخوذ من قولهم:

عمرت البيت الحرام: إذا زرته، قال: ومنه اشتقاق الاعتمار والعمرة، ونصب عمرك، من قولهم: عمرك الله، بتقدير: أذكّرك عمرك الله، قال: كأنك قلت: أذكّرك خدمتك الله [لأنّ زيارة البيت خدمة الله] قال: ويحتمل أن يكون قولهم: عمرك، مأخوذا من عمرت الدّيار، من العمارة، أى بعمرك المنازل المشرّفة بذكر الله وبعبادته، ذكر هذا فى تفسيره لقول المتنبى:

عمرك الله هل رأيت بدوراقبلها فى براقع وعقود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وأورده عنه أبو زكريا يحيى بن علي التّبريزيّ، فى تفسيره لشعر أبى الطيب.

وبالجملة إنه تصيّد اشتقاق قولهم: عمرك الله، تارة من الاعتمار، وتارة من العمارة، فخالف قول فحول النحويين المتقدّمين والمتأخّرين، فرارا من غموض معانى أقوالهم فيه، لأنه لم يتّجه له حقيقة ما قالوه، فتمحّل اشتقاقا محالا.

وأمّا قولهم: قعدك أن لا تفعل كذا، وقعيدك أن لا تقوم، وقعدك الله، وقعيدك الله، ففيهما قولان، أحدهما: أنهما مصدران جاءا على الفعل والفعيل،

كالحسّ والحسيس، ومعناهما المراقبة، فانتصابهما بتقدير أقسم، فكأنك قلت:

أقسم بمراقبتك الله، /ولما أضمرت أقسم، عدّيته بنفسه، لأن الفعل إذا كان يتعدّى بالخافض وأضمر، حذف الخافض، فوصل الفعل فنصب، كما قال:

أتيت بعبد الله فى القدّ موثقافهلاّ سعيدا ذا الخيانة والغدر

وهذا قليل، لأن القياس أن لا يضمر ما يتعدّى بخافض.

والقول الآخر: أنّ معنى القعد والقعيد: الرّقيب الحفيظ، من قوله تعالى:

﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ أى رقيب وحفيظ، فقعد وقعيد فى هذا القول، كخلّ وخليل، وندّ ونديد، وشبه وشبيه، وإذا كان كذلك فهما من صفات القديم ﷾، فهو الرّقيب الحفيظ، فإذا قلت: قعدك الله وقعيدك الله، على هذا المعنى، نصبت اسم الله على البدل.

قد انتهى القول فى حذف الفعل، للدلالة عليه، ويليه حذف الفعل مع «أمّا» وهو القسم الرابع.

حذفوا الفعل مع «أمّا» فيما حكاه سيبويه من قولهم: أمّا أنت منطلقا انطلقت معك، وأمّا زيد ذاهبا ذهبت معه، أى لأن كان ذاهبا ذهبت معه، قال عباس بن مرداس:

أبا خراشة أمّا أنت ذا نفرفإنّ قومى لم تأكلهم الضّبع
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «أبا خراشة أما أنت ذا نفر»

قال: فإنما هى «أن» ضمّت إليها «ما» وهى ما التوكيد، ولزمت «ما» كراهية أن يجحفوا بها، لتكون عوضا من ذهاب الفعل، كما كانت الهاء والألف عوضا من ياء الزّنادقة واليمانى.

قوله: وهى «ما» التوكيد، يعنى «ما» التى تزاد مؤكّدة للكلام، إلا أنها هاهنا لازمة، لما ذكره من كونها عوضا.

وقوله: كراهة أن يجحفوا بها، أى بالكلمة التى زيدت معها، لأن «أن» مع «كان» فى تقدير الكون، والكون المقدّر هو الكلمة التى كرهوا أن يجحفوا بها.

وقوله: كما كانت الهاء والألف/عوضا من ياء الزّنادقة واليمانى، أراد أنّ واحد الزّنادقة: زنديق، فقياسه فى الجمع: زناديق، كمناديل، فحذفوا ياء زناديق، وعوّضوا منها هاء التأنيث، وأمّا اليمانى، فالأصل فى النّسب إلى اليمن: يمنيّ، فخفّفوه بأن حذفوا إحدى ياءيه، وعوّضوا منها الألف، فدخل فى باب المنقوص، ومثله قولهم فى النّسب إلى الشام: شآم، وإلى تهامة: تهام، والأصل: تهمىّ كيمنىّ، نسبوا إلى التّهم، ثم عدلوا عنه إلى تهام.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.