تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

فصل فى الحذوف الواقعة بالأسماء والأفعال والحروف

فالأسماء التى وقع بها الحذف ثلاثة عشر ضربا، الأول: المبتدأ وخبره.

/والثانى: خبر كان وإنّ ولا، والثالث: المفعول به، والرابع: المضاف، والخامس: الموصوف، والسادس: المنادى، والسابع: المفسّر، والثامن: الضمير العائد إلى الموصول، والتاسع: العائد إلى الموصوف، والعاشر: العائد إلى المبتدأ، والحادى عشر: المضاف إليه فى باب الغايات، والثانى عشر: ياء المتكلّم، والثالث عشر: الاسم الذى ينوب عنه الظّرف، خبرا وصفة وحالا.

فممّا جاء فيه حذف المبتدأ قوله تعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [تقديره: تقلّبهم متاع قليل، أو ذاك متاع قليل] ومثله:

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أى شأنى صبر جميل، ومثله: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ. نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ﴾ التقدير: الحطمة نار الله الموقدة، وجاء الحذف فى قوله تعالى: ﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ فقيل: تقديره: أمرنا طاعة، واحتجّ صاحب هذا القول بقول الشاعر:

فقالت على اسم الله أمرك طاعةوإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وناهدة الثديين قلت لها اتكي»

فقال: قد أظهر الشاعر المبتدأ المحذوف فى الآية.

والقول الآخر: أن قوله: ﴿طاعَةٌ﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير:

طاعة وقول معروف أمثل من غيرهما.

ويقول القائل: الهلال والله، أى هذا الهلال، وكذلك تقول على التوقّع والانتظار: زيد والله، أى هذا زيد، واسم الإشارة الذى هو «هذا»، كثيرا ما يحذف مبتدأ، لأنّ حذفه كالنطق به، لكثرته على الألسنة، فممّا جاء حذفه فيه فى التنزيل قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ﴾ أى هذا سحر، وقوله:

﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ﴾ أراد: هذا بلاغ، فحذف الذى أظهره فى قوله: ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ ومثله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها﴾ أى هذه سورة أنزلناها.

ويقول لك القائل: من عندك؟ فتقول: زيد، أى زيد عندى، فتحذف الخبر، ويقول: من/جاءك؟ فتقول: أخوك، تريد أخوك جاءنى، قال الله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ أى الله خالقنا، وتقول: زيد

أكرمت أباه وجعفر، أردت: وجعفر أكرمت أباه، فحذفت خبر الثانى لدلالة خبر الأول عليه، كما حذف خبر المبتدأ الموصول المعطوف، لدلالة خبر الموصول الأوّل عليه، فى قوله تعالى: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فقوله: ﴿إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ جملة شرطيّة، وقعت خبرا للمبتدإ الذى هو ﴿اللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ وقوله:

﴿وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ مبتدأ ثان محذوف الخبر، وتقديره: واللائي لم يحضن فعدّتهنّ ثلاثة أشهر.

ومن الأخبار التى ألزموها الحذف، خبر المبتدأ الواقع بعد لولا، فى قولك:

لولا زيد لعاقبتك، تريد: لولا زيد موجود أو حاضر، وإنما ألزموا هذا الخبر الحذف، لطول الكلام بجواب لولا، ومثله حذف الخبر فى قولهم: لعمر الله لأفعلنّ، وليمن الله لأذهبنّ، تريد: لعمر الله المقسم به، وكذلك ليمن الله المحلوف به، ولكنّ قولك: لأفعلنّ ولأذهبنّ، طوّل الكلام، فحسن لذلك حذف الخبر، ومثل هذا سدّ الفاعل مسدّ الخبر فى نحو: أذاهب أخواك؟ فذاهب مبتدأ، ارتفع أخواك به، ارتفاع الفاعل بإسناد الفعل إليه، فى قولك: أيذهب أخواك؟ ولمّا تنزّل اسم الفاعل منزلة الفعل، وارتفع الاسم بعده به، على حدّ ارتفاعه، أغنى ذلك عن تقدير خبر هذا المبتدأ، ولم يصحّ الإخبار عنه لفظا ولا تقديرا، كما لا يصحّ الإخبار عن الفعل.

ومما حذف خبره لدلالة المعنى عليه، المبتدأ الذى هو «أنت» فى قول ذى الرمّة:

هيا ظبية الوعساء بين جلاجلوبين النّقا آنت أم أمّ سالم

أراد: أأنت أم أمّ سالم أحسن؟

ومثال حذف خبر كان، أن يقول لك: من كان/فى الدار؟ فتقول:

كان أبوك، فتحذف الظرف، ويقول: من كان قائما؟ فتقول: كان حموك، فتحذف «قائما» وجاء حذف خبر «إنّ» فى قول الأعشى:

إنّ محلاّ وإنّ مرتحلاوإنّ فى السّفر إذ مضوا مهلا

أراد: إنّ لنا محلاّ، وإنّ لنا مرتحلا، وقال الأخطل:

سوى أنّ حيّا من قريش تفضّلواعلى الناس أو أنّ الأكارم نهشلا

أراد: أو أنّ الأكارم نهشلا تفضّلوا على الناس، والبيت آخر القصيدة.

وقال أبو عبيد فى حديث النبيّ ﵌: «إنّ المهاجرين

قالوا: يا رسول الله، إنّ الأنصار قد فضلونا، إنهم آوونا، وفعلوا بنا وفعلوا، فقال:

«ألستم تعرفون ذلك لهم؟ قالوا: بلى، قال: فإنّ ذلك». قوله: «فإنّ ذلك» معناه:

فإن ذلك مكافأة منكم لهم، أى معرفتكم بصنيعهم وإحسانهم مكافأة لهم، وهذا كحديثه الآخر: «من أزلّت إليه نعمة فليكافئ بها فإن لم يجد فليظهر ثناء حسنا» فقوله ﵇: «فإن ذلك» يريد به هذا المعنى.

قال أبو عبيد: وهذا اختصار من كلام العرب، يكتفى منه بالضمير، لأنه قد علم ما أراد به قائله.

وروى أن رجلا جاء إلى عمر بن عبد العزيز، فجعل يمتّ بقرابته، فقال عمر: فإنّ ذاك، ثم ذكر له حاجته فقال: لعلّ ذاك. لم يزده على أن قال: فإنّ ذاك، ولعلّ ذاك، أى إنّ ذاك كما قلت، ولعلّ حاجتك أن تقضى، وقال ابن قيس الرّقيّات.

بكرت علىّ عواذلىيلحيننى وألومهنّه
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
ويقلن شيب قد علاك وقد كبرت فقلت إنّه
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

أى إنه قد كان ما يقلن. انتهى كلام أبى عبيد.

وأقول: إنّ بعض النحويين جعل «إنّ» فى هذا البيت بمعنى نعم، وجعل الهاء/للسّكت، ومثله فى استعمال «إنّ» بمعنى نعم قول الآخر:

قالوا غدرت فقلت إنّ وربّمانال المنى وشفى الغليل الغادر

والهاء فى تفسير أبى عبيد ضمير الشأن.

وجاء حذف خبر «لا» فى قولهم: لا بأس [يريدون: لا بأس] عليك، وكذلك قولنا: «لا إله إلاّ الله» تقدير الخبر: لا إله لنا، أو فى الوجود إلا الله،

وقوله تعالى: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ﴾ التقدير: ولا خلّة فيه ولا شفاعة فيه، فحذف خبر الثانية والثالثة، لدلالة الخبر الأوّل [عليهما] وكذلك خبر لا المشبّهة بليس، فى قوله:

من صدّ عن نيرانهافأنا ابن قيس لا براح
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «كن كيف شئت فلا براح»

وقد تقدم ذكر ذلك.

فأما حذف المفعول فكثير فى باب إعمال الفعلين، كقولك: أكرمت وأكرمنى زيد، أردت: أكرمت زيدا وأكرمنى زيد، فحذفت مفعول الأول لدلالة فاعل الثانى عليه، وقريب من هذا حذف مفعول الثانى لدلالة مفعول الأول عليه، فى قوله تعالى: ﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾ التقدير: والحافظات فروجهنّ، والذاكرات الله كثيرا.

وممّا حذف لدلالة ما قبله عليه، المنصوب فى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ أراد: والسموات غير السموات.

وحذف المفعول يكثر للعلم به، وذلك لاقتضاء الفعل له كقوله:

﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ أراد: وما قلاك، وكذلك: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى﴾ أى فآواك، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ أى فهداك، ﴿وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى﴾ أى فأغناك.

وأما حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فكثير جدّا، وقد قدّمت ذكر طرف منه، وذلك نحو قولهم: «صلّى المسجد»، أى أهل المسجد، ومنه قول/مهلهل بن ربيعة:

نبّئت أن النار بعدك أو قدتواستبّ بعدك يا كليب المجلس
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «يا غائبا عن مجلس قد شاتمت»

أراد: استبّ أهل المجلس، ومنه: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أى إلى أهل مدين، ألا ترى أن الضّمير الذى هو الهاء والميم فى ﴿أَخاهُمْ﴾ لا يعود على ﴿مَدْيَنَ﴾ نفسها، وإنما يعود على أهلها، وقد أظهر هذا المحذوف فى موضع آخر، وهو قوله: ﴿وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ ومنه قول حميد بن ثور:

قصائد يستحلى الرّواة نشيدهاويلهو بها من لاعب الحىّ سامر
يعضّ عليها الشيخ إبهام كفّهويخزى بها أحياؤكم والمقابر
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

أى: وأهل المقابر، ومنه: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ أى أهل القرية ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها﴾ أى أصحاب العير ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ أى برّ من آمن بالله، وإن شئت قدّرت: ولكنّ ذا البرّ من آمن بالله، ومنه ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ أى أشهر الحجّ أشهر معلومات، وإن شئت قدّرت: الحجّ حجّ أشهر معلومات، ومن ذلك قول النابغة:

وقد خفت حتى ما تزيد مخافتىعلى وعل فى ذى المطارة عاقل
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أهاجك من أسماء رسم المنازل»

أى على مخافة وعل، ومنه قول الآخر:

كأنّ خزّا تحته وقزّاوفرشا محشوّة إوزّا

أى ريش إوزّ، ومثله:

أنا أبو شرفاء منّاع الخفر

أى منّاع ذوات الخفر، يعنى النساء، ومنه قولهم: الليلة الهلال، أى طلوع الهلال، ومن رفع الليلة، أراد الليلة ليلة الهلال، ومثل النصب فى الليلة، النصب فى اليوم وغد، من قولهم: «اليوم خمر وغدا أمر» أى اليوم شرب خمر، وغدا حدوث أمر.

/وأمّا حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، فكقولهم: صلاة الأولى، ومسجد الجامع، أى صلاة الساعة الأولى من زوال الشمس، ومسجد الوقت الجامع، أو اليوم الجامع، ومنه ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ أى حقّ العلم اليقين، وحبّ النبت الحصيد، ومن ذلك دار الآخرة، قال أبو العباس محمد بن يزيد، فى قول الله سبحانه: ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ إن المراد: ولدار الساعة

الآخرة، قال: لأن الساعة مراد بها يوم القيامة، وكذلك قال أبو علىّ الحسن بن أحمد، فى الإيضاح، وخطر لى فى تقدير إضافتها أنّ التقدير: ولدار الحياة الآخرة، وقوّى ذلك عندى قوله: ﴿مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ وقوله: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ فالحياة الدانية نقيض الحياة الآخرة.

ومن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه قوله: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أى دين الأمّة القيّمة، ومثله: ﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أى دروعا سابغات.

وجاء حذف المنادى فى قراءة من قرأ: (ألا يا اسجدوا لله) أراد: ألا يا هؤلاء اسجدوا لله، ومثله:

يا لعنة الله والأقوام كلّهموالصالحين على سمعان من جار

أراد: يا هؤلاء لعنة الله على سمعان، وأنشد سيبويه:

ألا يا إنّنى سلملأهلك فاقبلى سلمى

أراد: ألا يا هذه.

وحذف المفسّر كقولهم: الكرّ بعشرين، يريدون: بعشرين دينارا، فحذفوا المفسّر للعلم به.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.