من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
مسألة (١٢)
سئل عن قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها /وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾.
فقيل: ما معنى ﴿اِسْتَوى﴾ وكيف كان قول الله لهما، وقولهما له، هل كان كخطاب بعضنا لبعض، وكيف جاء ﴿قالَتا﴾ على التثنية، وكذلك ﴿أَتَيْنا﴾ وجاء ﴿طائِعِينَ﴾ على الجمع، وكيف جاء طائعين دون طائعات، مع تأنيث السماء والأرض؟
الجواب: أن معنى استوى: عمد وقصد.
وأما التثنية فى ﴿قالَتا﴾ وفى قوله: ﴿اِئْتِيا﴾ فإنّ الضميرين عادا مثنّيين إلى لفظ السماء والأرض، لأنّ لفظهما لفظ الآحاد، وإن كان معناهما على الجمع، لأن السماء جمع سماوة، كحمام وحمامة، وسحاب وسحابة، ألا ترى أنه قد جاء وصف السحاب بالجمع فى قوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ وإن كان قد جاء وصفه بالواحد فى قوله: ﴿وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ فالسّحاب والحمام والنخل والشجر، وما أشبههنّ مما وقع الفرق بينه وبين واحده بتاء التأنيث، فليست بجموع حقيقية، وإنما هنّ أسماء للجمع، فلذلك يجوز فيها التذكير والتأنيث، كقوله: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ و ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ ويدلّك على
أن السماء من هذا الباب تقع على جماعة قوله ﴿ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ وكذلك قوله: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ﴾.
وأما الأرض هاهنا فهى من الآحاد التى استغنى بلفظها عن لفظ الجمع، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ وكقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ و ﴿فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ وكقول الشاعر:
كلوا فى نصف بطنكم تعفّوافإنّ زمانكم زمن خميص
فالمراد بالأرض هاهنا سبع أرضين، يدلّك على ذلك قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ فالسماء والأرض هاهنا تجريان/مجرى الفرقتين أو الفريقين، تقول: الفرقتان قالتا، والفريقان قالا، ولو قلت: الفرقتان قالوا، كان حسنا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا﴾.
وجاء قوله: ﴿طائِعِينَ﴾ جمعا منصوبا على الحال من السماء والأرض، حملا
على المعنى، كما تقول: جاء الفريقان متسلّحين، وجاء الجيشان متفرّقين.
وأما مجىء الحال أعنى طائعين، بلفظ جمع التذكير، ففيه قولان:
أحدهما: أن الأشياء التى أخبر [الله عنها بأنها خوطبت وخاطبت، كالسماء والأرض، والأشياء التى أخبر] عنها بالسجود، فى قوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ والنملة التى أخبر الله عنها بأنها تكلّمت فقالت: ﴿يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ﴾ والنّمل التى فهمت ذلك الكلام، أجريت كلّها مجرى العقلاء، لأن الخطاب والإجابة عنه مما يختصّ به العقلاء، وكذلك السجود والكلام وفهمه، ممّا يوصف به ذوو العقول، فلذلك قال: طائعين، ولم يقل: طائعات، وقال: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾، ولم يقل: رأيتها لى ساجدات، وقال فى خطاب النملة [للنمل] ﴿اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ﴾ ولم يقل: ادخلن مساكنكنّ لا يحطمنّكنّ.
والقول الآخر فى طائعين: أن المراد أتينا نحن ومن فينا طائعين، والقول الأول أشبه.
وأما قوله: ﴿طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ فطوعا وكرها مصدران، وضعا فى موضع الحال، كقولك: جئته ركضا [أى راكضا] وقتلته صبرا، أى مصبورا، والمصبور المحبوس، قال عنترة:
فصبرت عارفة لذلك حرّةترسو إذا نفس الجبان تطلّع
أى حبست عن الفرار نفسا حرّة، تثبت إذا تطلّعت أنفس الجبناء، فالتقدير: ائتيا طائعتين أو كارهتين.
وقوله: ﴿طَوْعاً﴾ مصدر طعت طوعا، كقولك: عدت/عودا، ودرت دورا، وهو بمعنى أطعت إطاعة.
وأمّا القول فإن العرب قد تصرّفت فيه على معان، فمنها أنهم نزّلوه بمنزلة الكلام، فعبّروا به عن الصوت والحرف، وفرّق النحويون بينه وبين الكلام، فقالوا:
إن الكلام يتناول المفيد خاصّة، والقول يقع على المفيد وغير المفيد، فهو أعمّ، لأن كلّ كلام قول، وليس كلّ قول كلاما.
ومن معانى القول: أنهم عبّروا به عن حديث النّفس، فقالوا: قلت فى نفسى كذا وكذا، ومن هذا الضّرب فى التنزيل: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ والكلام لا يكون إلا بحرف وصوت، فلذلك لا يجوز: تكلّمت فى نفسى، كما جاز: قلت فى نفسى.
ومنها: أنهم استعملوه بمعنى الاعتقاد والرأى، فقالوا: هذا قول الخوارج، أى اعتقادهم ورأيهم.
ومنها: أنهم استعملوه بمعنى الحركة والإيماء بالشىء، فقالوا: قال برأسه كذا فنطحنى، وقال بيده كذا فطرف عينه، وقالت النخلة هكذا فمالت، فعبّروا بالقول عن الفعل الذى هو حركة.
وقد أسندوا القول إلى مالا يصحّ منه نطق من الجمادات وغيرها، كقول الراجز:
امتلأ الحوض وقال قطنىسلاّ رويدا قد ملأت بطنى
وإنما أراد أن الحوض لما امتلأ فلم تبق فيه سعة لزيادة، عبّر عنه بأنه قال:
قطنى، أى حسبى، فسلّ الماء منى سلاّ رفيقا، فقد ملأت بطنى، وإنما أراد أنه لو كان للحوض عقل وصحّ منه نطق، لقال هذا القول، ومثله قول الآخر:
فقالت له العينان سمعا وطاعةوحدرتا كالدّرّ لمّا يثقّب
المعنى أنه لما أراد انهمال عينيه بالدمع، فوافق انهمالهما إرادته، عبّر عن ذلك بالقول تشبيها، فكأنه قال لهما: انهملا فقالتا سمعا وطاعة، وكذلك القول/ فى الآية، وهو أن الله ﷻ، عمد إلى السماء وهى دخان، وإلى الأرض وهى زبد، فأراد أن يكوّنهما على غير الوصفين اللذين كانتا عليهما، فتكوّنتا بإرادته، على الوصفين اللذين هما الآن عليهما، فعبّر عن إرادته بأنه قال لهما: ائتيا طوعا أو كرها، وعبّر عن انقيادهما لمشيئته، بأنهما قالتا: أتينا طائعين.
المجلس التاسع والثلاثون
اسم الفاعل إذا جرى على غير من هوله
، خبرا أو وصفا، لزمك إبراز ضمير المتكلّم والمخاطب والغائب، مخافة اللّبس، وليس كذلك الفعل؛ لأن ما فى أوائل الأفعال المضارعة، من الزوائد الدالّة على المتكلّمين والمخاطبين والغائبين، وما يتّصل بأواخر الأفعال الماضية، من الضمائر الموضوعة لهؤلاء الفرق الثلاث، يمنع من اللبس، كقولك فى المضارع، إذا عنيت نفسك أو مخاطبا: زيد أكرمه، وجعفر تكاتبه، وفى الماضى: زيد أكرمته، وجعفر كاتبته، ألا ترى أن هذا كلام غير مفتقر إلى إبراز الضمير، الذى هو أنا وأنت، لدلالة حرف المضارعة عليهما، وللاستغناء فى الماضى بتاء المتكلم وتاء المخاطب عنهما، ولو قلت: زيد مكرمه، وجعفر مكاتبه، لم يدلّ مكرمه ومكاتبه على ما دلّ عليه أكرمه وتكاتبه، وأكرمته وكاتبته، فلزمك أن تقول: مكرمه أنا، ومكاتبه أنت، ولو قلت: زيد مكرمى، وجعفر مكاتبك، لم يلزمك إبراز المضمر فيه، لأنه قد جرى خبرا على من هوله، وكذلك تقول: زيد نكرمه، وجعفر أكرمناه، فلا تضطرّ إلى إبراز الضمير، فإن قلت: زيد مكرموه، وجب أن تقول: نحن.
وكذلك قولك: زيد تكرمونه، كلام مستقيم، فإن وضعت فى موضع تكرمونه اسم الفاعل، قلت: مكرموه أنتم.
وتقول فى إضمار الغائب: زيد جعفر مكرمه هو، فزيد مبتدأ وجعفر مبتدأ ثان، أخبرت عنه باسم الفاعل، الذى هو مكرمه، /واسم الفاعل لزيد، فلزمك إبراز الضمير، مخافة الالتباس، فإن كان مكرمه لجعفر، لم يلزمك إبراز الضمير، لأنك أخبرت به عمّن هوله.
والفعل فى هذه المسألة بمنزلة اسم الفاعل، تقول: زيد جعفر يكرمه هو، إذا جعلت يكرمه لزيد، وزيد جعفر يكرمه، إذا جعلته لجعفر.
وتقول: هند زيد تكرمه، فلا تبرز ضميرها المستتر فى الفعل، فإن قلت:
هند زيد مكرمته، قلت: هى، فأبرزت ضميرها، كما أبرزت ضمير زيد، فى قولك: زيد جعفر مكرمه هو.
فإن قيل: إنّما أبرزنا المضمر فى قولنا: زيد جعفر مكرمه هو، مخافة اللّبس، وليس فى قولنا: هند زيد مكرمته، لبس، لأن تأنيث اسم الفاعل يشهد بأنه لهند، كما يشهد التأنيث فى قولنا: هند زيد تكرمه.
فالجواب: أنه لما لزمنا إبراز الضمير من اسم الفاعل فيما يخاف فيه اللّبس، أبرزناه فيما لا يخاف اللّبس فيه، ليستمرّ بابه على قياس واحد، ألا ترى أنهم حذفوا الواو من مضارع وعد، لوقوعها بين ياء وكسرة، فقالوا: يعد، ثم حملوا الهمزة والنون والتاء على الياء، فقالوا: أعد ونعد وتعد، وليس فيهنّ مع الكسرة ما فى الياء من الثّقل، ولكنهم أرادوا أن يستمرّ الباب على سنن واحد، ومثل هذا استثقالهم اجتماع الهمزتين فى مضارع أفعل، نحو أكرم وأحسن، كرهوا أن يقولوا: أأكرم، كما قالوا:
أدحرج، فحذفوا الهمزة، فأصاروه إلى أكرم، واعتمدوا حذفها مع بقيّة حروف المضارعة، فقالوا: نكرم وتكرم ويكرم، مع عدم الثّقل الذى كرهوه فى اجتماع الهمزتين.
وتقول فى الوصف باسم الفاعل: مرّ زيد بامرأة مكرم لها هو، ومرّت هند برجل مكرمة له هى، فإن استعملت فى موضعه الفعل قلت: مرّ زيد بامرأة يكرمها، ومرّت هند برجل تكرمه، فلم تحتج إلى إبراز الضمير من الفعل، وتقول فى التثنية: مرّ/الزيدان بامرأتين مكرمين لهما هما، وفى الجمع: مرّ الزيدون بنساء مكرمين لهنّ هم، ومرّت الهندات برجال مكرمات لهم هنّ.
وإذا عرفت هذا، فاعلم أن قول النحويين: أبرزت الضمير، يريدون أخليت اسم الفاعل من المضمر المستكنّ فيه، وأسندته إلى هذا الضمير الملفوظ به، فنزّلته منزلة الفاعل الظاهر، فليست هذه الضمائر كالضمائر المؤكّدة للضمائر المستكنّة، كقولك: زيد منطلق هو، وهند جالسة هى، والهندان جالستان هما، والقوم جالسون هم، والهندات جالسات هنّ، وكذلك حكم الفعل الذى يبرز فاعله، إذا قلت: زيد جعفر يكرمه هو، فجعلت يكرمه لزيد، وذلك لأنك أخبرت به عن غير من هو له، فهو الآن خال من ضمير مستكنّ، واسم المفعول حكمه فى هذا الإضمار حكم اسم الفاعل، تقول: هند زيد محمولة إليه هى، وزيد هند محمول إليها هو.
قال أبو إسحاق الزّجّاج، فى قول الله ﷿: ﴿إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾: غير منصوبة على الحال، المعنى إلا أن يؤذن لكم غير
منتظرين، قال: «ولا يجوز الخفض فى غير، لأنها إذا كانت نعتا لطعام، لم يكن بدّ من إظهار الفاعل، فلا يجوز إلاّ: غير ناظرين إناه أنتم». أراد أن غيرا مضاف إلى اسم الفاعل، فلو وصف به الطعام أجرى على غير من هو له، فوجب إبراز الضمير الذى فى ناظرين.
ومعنى إناه: نضجه وبلوغه، يقال: أنى يأنى إنى: إذا نضج وبلغ، وقد جاء نظرت بمعنى انتظرت، وهذا منه، ومنه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ أى ينتظرون.
واعلم أن الكوفيين خالفوا البصريين، فى التزام إبراز الضمير إذا جرى على غير من هو له، خبرا أو نعتا، واحتجّوا بقول الأعشى:
وإنّ امرأ أسرى إليك ودونهمن الأرض موماة ويهماء سملق
لمحقوقة أن تستجيبى لصوتهوأن تعلمى أنّ المعان موفّق
قالوا: وقد أجرى اسم المفعول، وهو قوله: «لمحقوقة» على اسم إنّ، خبرا، وهو للمرأة المخاطبة.
ودفع أبو علي هذا الاعتراض، بأن قال: ليس فى قوله: «لمحقوقة» ضمير، لأنه مسند إلى المصدر، الذى هو «أن تستجيبى» فالتقدير: لمحقوقة استجابتك، فجعل التأنيث فى قوله: «لمحقوقة» للاستجابة.
والموماة: الأرض التى ليس فيها ماء.
واليهماء: التى لا طريق بها
والسّملق: الأرض المستوية، ويقال أيضا: عجوز سملق: إذا كانت سيّئة الخلق.
قال أبو علي فى باب تخفيف الهمزة: «ولا تخفّف الهمزة إلاّ فى موضع يجوز أن يقع فيه ساكن غير مدغم، إلا أن يكون الساكن الذى بعده الهمزة المخفّفة الألف، نحو هباءة».
قلت: قد ألغز فى كلامه هذا، وما وجدت لأحد من مفسّرى كتابه، الذى وسمه بالإيضاح، تفسير هذا الكلام، ولكنهم حادوا عنه إلى تفسير قوله بعد:
«فإنّ الألف احتملت ذلك لزيادة المدّ فيها، واختصاصها بما لا يكون فى الياء والواو، كاختصاصها بالتأسيس، وانفرادها بالرّدف» وأنا بمشيئة الله أكشف لك من غامضه.
فأقول: إن مراده بهذا أنه لا يجوز تخفيف الهمزة بين بين، إلاّ إذا وقعت بعد حرف متحرّك، وذلك فى نحو: سأل ولؤم وسئم، وإنما لم يجز أن تخفّف بين بين إذا وقعت بعد حرف ساكن، فى نحو: يسأل ويلؤم ويزئر، مضارع زأر الأسد، لأنها إذا انفتحت جعلتها بين الهمزة والألف، وإذا انضمّت جعلتها بين/الهمزة والواو الساكنة، وإذا انكسرت جعلتها بين الهمزة والياء الساكنة، ولذلك قال سيبويه: ألا ترى أنك لا تتمّ الصّوت هاهنا وتضعّفه، لأنك تقرّبها من الساكن، ولولا ذلك لم يدخل الحرف وهن. انتهى كلامه.
وإذا قرّبتها من الساكن، لم يجز أن تأتى بها بعد حرف ساكن، كما لا يجوز أن تجمع بين ساكنين، فإذا كان الساكن الذى قبل الهمزة ألفا، جاز تخفيفها بعده بين بين، لأن زيادة المدّ الذى فى الألف يقوم مقام الحركة، ولا يكون ذلك فى الواو والياء الساكنتين، فى نحو: مكلوءة وخطيئة، وساغ فى نحو هباءة؛ لأن الألف أمكن منهما فى المدّ، من حيث لا يفارق المدّ، والواو والياء يتحرّك ما قبلهما بحركة
لا تجانسهما، فضعف بذلك مدّهما، كالواو فى سوء ونوء، والياء فى شيء وفىء، ولذلك انفردت الألف بوقوعها ردفا فى القصيدة، كقول القائل:
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهمواستوثقوا من رتاج الباب والدار
لا يقبس الجار منهم فضل نارهمولا تكفّ يد عن حرمة الجار
فلو وضعت فى هذه القافية مع الجار: النّور أو الخير، كان خطا بإجماع العرب، فالواو والياء يجيئان ردفين فى القصيدة، وربّما جاءا فى بيت كقوله:
أجارة بيتينا أبوك غيوروميسور ما يرجى لديك عسير
واختصّت الألف بكونها تأسيسا، وذلك أن يكون بينها وبين الحرف المسمّى رويّا، حرف لقّبه القوافيّون الدّخيل، كالزاى من المنازل، فى قول ذى الرمة:
خليليّ عوجا من صدور الرّواحلبوعساء حزوى فابكيا فى المنازل
والرّدف: كلّ حرف مدّ قبل الرّوىّ، بغير فصل.
وإنما قال: «ساكن غير مدغم»، تحرّزا من الياء والواو الساكنين، وذلك أن الساكن المدغم يصحّ وقوعه/بعدهما، كقولهم في تحقير أصمّ: أصيم، وفى تفوعل من المدّ: تمودّ الثّوب، فلهما بذلك مزيّة على السّواكن الصّحيحة،
وللألف عليهما مزيّة، بوقوع الساكن غير المدغم بعدها، فى قراءة من قرأ ﴿مَحْيايَ وَمَماتِي﴾ بسكون الياء من ﴿مَحْيايَ﴾ وإذا صحّ وقوع الساكن غير المدغم بعدها، فوقوع المدغم أصحّ وأمكن، كقولهم: دابّة وشابّة، فلذلك جاز أن تخفّف الهمزة بعدها بين بين، كما تخفّف بعد الحرف الصّحيح، إذا تحرّك فى نحو ما مثّلته لك من قولهم: سأل ولؤم وسئم، فإذا خفّفتها مفتوحة بعد الألف، جعلتها بين الهمزة والألف، وإذا خفّفتها مضمومة بعدها، جعلتها بين الهمزة والواو الساكنة، وإذا خفّفتها مكسورة بعدها، جعلتها بين الهمزة والياء الساكنة، فالأولى فى نحو: تساءلنا، والثانية فى نحو: التّساؤل، والثالثة فى نحو: المسائل.
وقال سيبويه فى هذا الفصل: واعلم أنه لا يجوز أن تجعل الهمزة بين بين إلاّ فى موضع لو كان فيه ساكن جاز، إلاّ الألف وحدها، لأنك تجيز ذلك فيها، لأن الألف يكون بعدها الساكن.
فقوله: لا يجوز أن تجعل الهمزة بين بين إلاّ فى موضع لو كان فيه ساكن جاز، معناه أنك لا تخفّفها إلا بعد متحرّك، ولا تخفّفها بين بين بعد ساكن، لأن الساكن لا يجتمع مع الساكن، وكذلك لا يجتمع مع ما قرّب إلى الساكن، ثم استثنى الألف من السّواكن، لأن الساكن يقع بعدها، كما يقع بعد المتحرّك.
فاعرف ما ذكرته فى هذا الفصل، فإنه فى كلام أبى عليّ أغمض منه فى كلام سيبويه.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع