تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

مسألة (١٠)

سئل عمّا تصدّر به كتب الإقرارات، وهو: «أقرّ فلان وأشهد على نفسه» فقيل: أيّ الألفاظ الثلاثة أولى بالاستعمال، أيقرّ ويشهد، أم أقرّ وأشهد، أم أقرّ ويشهد؟ وهل يكون صادقا فى قوله: أقرّ وأشهد على نفسه، وهو لم يشهد؟

فكان الجواب: إن الإقرار والإشهاد يقعان معا فى وقت واحد، لأنه إذا تلفّظ بالإقرار بمحضر من الشاهد، فقد حصل الإشهاد بحصول الإقرار، من غير فصل، ومن قبل أن يثبت الشاهد خطّه، وإنما كتب الشّروطىّ: أقرّ، لأنه حينئذ أقرّ بقلبه ونيّته، فإذا أقرّ عند الشاهد [بلسانه] فقد وقع الإشهاد مع/الإقرار، وإقراره بلسانه أن يقول له الشاهد: أهكذا تقول؟ فيقول: نعم، وإنما آثروا: أقرّ وأشهد، دون يقرّ ويشهد، لأن لفظ الماضى أوكد وأبعد من الشّبهة، من حيث كان دالاّ على إقرار قد وقع، فوقع الإشهاد بوقوعه، والمستقبل يدلّ على إقرار متوقّع، على أن العرب قد أوقعت بعض أمثلة الأفعال موقع بعض، مع حصول العلم بما يقصدونه، فأوقعوا الماضى فى موضع المستقبل، والمستقبل فى موضع الماضى، فمن إيقاع المستقبل فى موضع الماضى، قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أوقع «تقتلون» فى موضع «قتلتم» ومثله: ﴿ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ المعنى: كما عبد آباؤهم، ومن إيقاع الماضى فى موضع المستقبل قوله تعالى:

﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ أراد: ينادى، لأن هذا النداء إنما يكون يوم القيامة، ومثله: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي﴾

﴿وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أراد: وإذا يقول الله، لأنّ هذا القول إنما يوجّه من الله تعالى إلى عيسى بن مريم ﵇ فى يوم البعث، وممّا جاء من ذلك فى الشّعر قول الطّرمّاح:

وإنّى لآتيكم تشكّر ما مضىمن البرّ واستيجاب ما كان فى غد

أوقع كان فى موضع يكون، وجاء بعكس ذلك قول زياد الأعجم:

فإذا مررت بقبره فاعقر بهكوم الهجان وكلّ طرف سابح
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
وانضح جوانب قبره بدمائهافلقد يكون أخادم وذبائح
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

أراد: فلقد كان.

قال أبو الفتح عثمان بن جنى: قال لى أبو على: سألت يوما أبا بكر، يعنى ابن السرّاج، عن الأفعال؛ يقع بعضها موقع بعض، فقال: كان ينبغى للأفعال كلّها أن تكون مثالا واحدا، لأنها لمعنى واحد، ولكن خولف بين صيغها، لاختلاف أحوال الزمان، فإذا اقترن بالفعل ما يدلّ عليه، من لفظ أو حال/جاز وقوع بعضها فى موقع بعض.

قال أبو الفتح: وهذا كلام من أبى بكر عال سديد.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلس الثامن والثلاثون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.