تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

مسألة (١١)

سئلت عن قول فقيه، ناظر فقيها، فقال فى مناظرته: العشر والخراج مئونة فلا يجتمعان، فأنكر مناظره قوله «مئونة»، وقال: يجب أن يقال: مئونتان.

فأجبت بأن ذلك جائز من وجهين، أحدهما أن العشر والخراج ينزّلان منزلة شيء واحد، لاتّفاقهما فى أنهما من الحقوق السّلطانيّة، فجاز أن يخبر عنهما بخبر مفرد، ونظير ذلك قول حسّان:

إنّ شرخ الشّباب والشّعر الأسود ما لم يعاص كان جنونا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن شرخ الشباب والشعر الأس»

قال: «ما لم يعاص» فأفرد الضمير، وإن كان لاثنين، وذلك لأن كلّ واحد منهما بمنزلة الآخر، فجريا مجرى الواحد، ألا ترى أن شرخ الشباب هو اسوداد الشّعر، ولولا أنهما لاصطحابهما صارا بمنزلة المفرد، كان حقّ الكلام أن يقال:

يعاصيا.

وأشدّ من هذا القول قول القائل يصف رجلا متعرّبا فى فلاة:

أخو الذّئب يعوى والغراب ومن يكنشريكيه يطمع نفسه شرّ مطمع

جعل الذئب والغراب بمنزلة الواحد، فأعاد إليهما ضميرا مفردا؛ لأنهما كثيرا

ما يصطحبان فى الوقوع على الجيف، ولولا ذلك كان حقّه أن يقول: ومن/يكونا شريكيه، فهذا أشدّ من الإفراد فى بيت حسّان، لأنه أفرد المضمر فى «يكن» وجاء بالخبر مثنّى، فهذا أحد القولين فى المسألة.

والقول الآخر: أن يكون قوله: «مئونة» خبرا عن العشر وحده، وخبر الخراج محذوف، لدلالة الخبر الأوّل عليه، كأنه قال: العشر مئونة والخراج مئونة، فحذف خبر الثانى، وإن شئت قدّرت خبر الأول محذوفا، كما قال:

نحن بما عندنا وأنت بماعندك راض والرأى مختلف
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «يا مال والسيد المعمم»

أراد: نحن بما عندنا راضون، فحذفه لدلالة راض عليه، ومثل ذلك فى حذف أحد الخبرين فى التنزيل قوله: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ قال:

يرضوه، ولم يقل: يرضوهما، لأن الضمير عاد إلى أحد المبتدأين، إن شئت أعدته إلى اسم الله تعالى، وإن شئت أعدته إلى رسوله [ومذهب صاحب الكتاب أن الضمير عائد إلى رسوله] لأنه أقرب الاسمين إليه، والخبر عن الله سبحانه محذوف، ويصحّ هذا التقدير فى بيت حسّان، ولا يصحّ فى البيت الآخر، لمجيء الضمير فى «يكن» مفردا، ومجىء الخبر مثنّى، فيصحّ: إنّ شرخ الشباب ما لم يعاص كان جنونا، والشّعر الأسود كذلك، ولا يصح: ومن يكن الذئب شريكيه، فلا يحمل الذئب والغراب إلاّ على الاتّحاد، لكثرة الاصطحاب.

وممّا جاء فى التنزيل نظير المسألة، حذو القذّة بالقذّة، قوله جلّ وعزّ:

﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ جاء الخبر مفردا، لاتفاق المال والبنين فى التزيين، كاتّفاق العشر والخراج، فى كونهما حقّين سلطانيّين، وإن شئت كان على حذف أحد الخبرين، وقد جاء فيما شذّ من القراءات: «زينتا الحياة» بألف، على التثنية.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلس الثامن والثلاثون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.