تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الثامن والثلاثون

يتضمّن فنونا من المعانى والإعراب، فمن ذلك قول مهيار فى مرثية:

أحسنت فيك فساءهم تقصيرهمذنب المصيب إلى المعين المقصد

معناه مشكل، مفتقر إلى تفسير مستوفى، وذلك أن المعين هو اسم المفعول، من قولهم: عانه: إذا أصابه بعينه، وأصله معيون، كقولك: بعت الثوب فهو مبيع، وأصله مبيوع، فحذفت ضمة الياء، فالتقى ساكنان، الياء والواو، فحذفت إحداهما، على الخلاف بين سيبويه والأخفش، وقد مضى ذكر ذلك فى الأمالى السالفة.

والمقصد: هو المقتول، من قولهم: رماه فأقصده: إذا قتله فى مكانه، وفى الكلام تقدير مبتدأ ومضاف محذوفين، كأنه لما تمّت الجملتان اللتان هما أحسنت فيك فساءهم تقصيرهم، ابتدأ بجملة أخرى، فقال: ذنبى إليهم مثل ذنب المصيب /بالعين إلى المصاب، فحذف المبتدأ الذى هو ذنبى، ثم حذف المضاف الذى هو مثل، والمعنى: إن المصيب بالعين لا ذنب له فى الحقيقة، لأن كلّ من أبصر لا يعدّ مذنبا بنظره إلى المستحسنات، ولا يكون أيضا مذنبا إذا استحسن بقلبه كلّ مستحسن ينظر إليه، لأنه لم يقصد بذلك المنظور إليه، وإنما نظره واستحسانه طبع، لا يقدر على تركه، فقال: كذلك أنا جوّدت فى هذا الشعر ووصفك أيّها المرثىّ بطبعى، فساء هؤلاء القوم تقصيرهم عن مثله، وإن كنت لم أقصد بذلك

مساءتهم، فكنت كالعاين الذى ينظر ويستحسن بطبعه، فيصيب بعينه، فهو غير قاصد ضرر المعين، فمن هذا الوجه شبّه نفسه بالعائن، وشبّههم بالمصاب بالعين، ويشبه ذلك قول أبى الطيب أحمد بن الحسين:

نلومك يا عليّ لغير ذنبلأنك قد زريت على العباد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يعنى أنه فعل أفعالا حسنة، لم يفعلها غيره من الناس، فعيبوا بتقصيرهم عن مثلها، فصار بذلك كأنه زار عليهم، يقال: زريت عليه: إذا عبته، وأزريت به:

إذا قصّرت به.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.