من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
[الجواب عن] المسألة الثامنة
قول أبى على: «أخطب ما يكون الأمير قائما» أخطب من باب أفعل الذى هو بعض ما يضاف إليه، كقولك: زيد أكرم الرجال، وحمارك أفره الحمير، والياقوت أفضل الحجارة، فزيد بعض الرجال، والحمار بعض الحمير، والياقوت بعض الحجارة، ولا تقول: الياقوت أفضل الزّجاج، لأنه ليس منه، كما لا تقول: حمارك أحسن الرجال، وإذا ثبت هذا، فإن «ما» التى أضيف إليها «أخطب» مصدريّة زمانية، كالتى فى قوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ﴾ أى مدّة دوام السموات، فقوله: أخطب ما يكون الأمير، تقديره: أخطب أوقات كون الأمير، كما قدّرت في الآية مدّة دوام السموات، أو مدد دوام السموات، فقد صار أخطب بإضافته/إلى الأوقات فى التقدير وقتا، لما مثّلته لك من كون أفعل هذا بعضا لما يضاف إليه، وإضافة الخطابة إلى الوقت توسّع وتجوّز، كما وصفوا الليل بالنوم، فى قولهم: نام ليلك، وذلك لكون النوم فيه، قال:
لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرىونمت وما ليل المطيّ بنائم
ومثله إضافة المكر إلى الليل والنهار فى قوله ﷿: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ وإنما حسن إضافة المكر إليهما لوقوعه فيهما، والتقدير: بل مكركم فى الليل والنهار.
وإذا عرفت هذا، فأخطب مبتدأ محذوف الخبر، والحال التى هى «قائما» سادّة مسدّ خبره، فالتقدير: أخطب أوقات كون الأمير إذا كان قائما.
ولمّا كان أخطب مضافا إلى الكون لفظا، وإلى الأوقات تقديرا، وقد بيّنت لك أن أفعل هذا بعض لما يضاف إليه، وقد صار فى هذه المسألة وقتا وكونا، فجاز لذلك الإخبار عنه بظرف الزمان، الذى هو إذا الزمانية، وإذا كان «قائما» نصبا على الحال، فكان المقدّرة فى هذا النحو هى التامّة المكتفية بمرفوعها، التى بمعنى حدث ووقع ووجد، ولا يجوز أن تكون الناقصة، لأن الناقصة لا يلزم منصوبها التنكير، والمنصوب هاهنا لا يكون إلا نكرة، فثبت بلزوم التنكير له أنه حال، وإذا ثبت أنه حال، فهو حال من ضمير فاعل مستكنّ فى فعل، موضعه مع مرفوعه جرّ، بإضافة ظرف إليه، عمل فيه اسم فاعل محذوف، وتفسير هذا أن قائما حال من الضمير المستتر فى كان، وكان مع الضمير جملة فى موضع جرّ بإضافة «إذا» إليها، لأن إذا وإذ تلزمهما الإضافة إلى جملة توضّح معنييهما، كما توضّح الصّلة معنى الموصول، ولذلك بنيا، فإذا تضاف، إلى جملة فعلية، لأنها شرطية، والشرط إنما يكون بالفعل، وإذ تضاف إلى جملة الاسم، كما تضاف إلى جملة الفعل، فإذا فى المسألة ظرف أوقع خبرا عن المبتدأ/الذى هو أخطب، والظرف متى وقع خبرا، عمل فيه اسم فاعل محذوف، مرفوض إظهاره، نحو قولك: زيد خلفك، والخروج يوم السبت، فالتقدير: مستقرّ خلفك، وواقع يوم السبت.
فتأمّل جملة الكلام فى هذه المسألة، فقد أبرزت لك غامضها، وكشفت لك مخبوءها.
وأما قوله: «شربى السّويق ملتوتا» فداخل فى هذا الشرح، وأقول: إنّ شربى
مضاف ومضاف إليه، فشرب مصدر أضيف إلى فاعله، والسويق انتصب بأنه مفعوله، وخبره على ما قرّرته محذوف، سدّت الحال مسدّه، فقولك: ملتوتا كقولك فى المسألة الأولى: قائما، غير أن الظرف المقدّر فى الأولى هو إذا، والمقدّر فى هذه محمول على المعنى، فإن كان الإخبار قبل الشّرب، أردت شربى السويق إذا كان ملتوتا، وإن كان الشرب سابقا للإخبار أردت شربى السويق إذ كان ملتوتا، وبالله التوفيق.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع