من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
[الجواب عن] المسألة الثالثة
أما حدّ الاسم، فإنّ سيبويه حدّ الفعل ولم يحدّ الاسم، لما يعتور حدّ الاسم من/الطّعن، وعوّل على أنه إذا كان الفعل محدودا والحرف محصورا معدودا فما فارقهما فهو اسم.
وحدّ بعض النحويين المتأخرين الاسم، فقال: الاسم كلمة تدلّ على معنى فى نفسها، غير مقترنة بزمان محصّل، وإنما قال: تدلّ على معنى فى نفسها، تحرّزا من الحرف، لأن الحرف يدلّ على معنى فى غيره، وقال: غير مقترنة بزمان، تحرّزا من الفعل، لأن الفعل وضع ليدلّ على الزمان، ووصف الزمان بمحصّل، ليدخل فى الحدّ أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين والمصادر، من حيث كانت هذه الأشياء دالّة على الزمان، لاشتقاق بعضها من الفعل، وهو اسم الفاعل واسم المفعول، واشتقاق الفعل من بعضها، وهو المصدر، إلا أنها تدلّ على زمان مجهول، ألا ترى أنك إذا
قلت: ضربى زيدا شديد، احتمل أن يكون الضرب قد وقع، وأن يكون متوقّعا، وأن يكون حاضرا.
ومما اعترض به على هذا الحدّ قولهم: آتيك مضرب الشّول، ومقدم الحاج، وخفوق النّجم، لدلالة هذه الأسماء على الزمان، مع دلالتها على الحدث الذى هو الضّراب والقدوم والخفقان، فقد دلّت على معنيين.
وأسلم حدود الاسم من الطعن قولنا: الاسم ما دلّ على مسمّى به دلالة الوضع.
وإنما قلنا: ما دلّ، ولم نقل: كلمة تدل، لأننا وجدنا من الأسماء ما وضع من كلمتين، كمعدى كرب، وأكثر من كلمتين كأبى عبد الرحمن.
وقلنا: دلالة الوضع، تحرّزا مما دلّ دلالتين، دلالة الوضع ودلالة الاشتقاق، كمضرب الشّول وأخويه، وذلك أنهن وضعن ليدللن على الزمان فقط، ودللن على اسم الحدث، لأنهن اشتققن منه، فلسن كالفعل فى دلالته على الحدث والزمان، لأن الفعل وضع ليدلّ على هذين المعنيين معا.
فقولنا: دلالة الوضع، يزيح عن هذا الحدّ اعتراض من اعترض على الحدّ الأول، بمضرب الشّول وأخويه.
وإذا تأملت/الأسماء كلّها حقّ التأمل، وجدتها لا يخرج شيء منها عن هذا الحدّ، على اختلاف ضروبها، فى الإظهار والإضمار، وما كان واسطة بين المظهر
والمضمر، وذلك أسماء الاشارة، وعلى تباين الأسماء فى الدلالة على المسمّيات، من الأعيان والأحداث، وما سمّيت به الأفعال، من نحو صه وإيه ورويد وبله وأفّ وهيهات، فالمسمّى بصه: قولك: اسكت، وبإيه: حدّث، وبرويد: أمهل وببله: دع، وبأفّ: أتضجّر، وبهيهات: بعد، وكذلك ما ضمّن معنى الحرف، نحو متى وأين وكم وكيف، فمتى وضع ليدلّ على الأزمنة، وأين على الأمكنة، وكم على الأعداد، وكيف على الأحوال.
وهذه الكلم ونظائرها من نحو من وما وأيّان وأنّى، مما طعن به على الحدّ الأول، لقول قائله: كلمة تدلّ على معنى فى نفسها، فقال الطاعن: إنّ كلّ واحد من هذه الأسماء قد دلّ على الاستفهام أو الشرط، وعلى معنى آخر، كدلالة أين على المكان، وعلى الاستفهام أو الشرط، وكذلك متى ومن وما، فقد دلّ الاسم منها على معنيين، كدلالة الفعل على معنيين، الزمان المعيّن والحدث.
وليس لمعترض أن يعترض بهذا على الحدّ الذى قرّرناه، لأننا قلنا: ما دلّ على مسمّى به دلالة الوضع، ولم نقل: ما دلّ على معنى.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع