تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

بيت (٢)

إنّ هند الكريمة الحسناءوأي من أضمرت لوأى وفاء

إنّ: هاهنا فعل أمر من قولهم: وأيت، أي وعدت، وهو موجّه إلى امرأة، وقد أكّد بالنون الثقيلة، فأصله: إى، كما تقول إذا أمرتها من وفيت: فى بقولك، ومن/وعيت: عى كلامى، ولمّا اتّصل بالنون أوجب ذلك إسقاط الياء، لالتقاء الساكنين، فقيل: إنّ، كما تقول من الوفاء: فنّ بما تقولين.

وأما «هند» فضمّتها بناء، لأنها مناداة، وحذف حرف النداء، كما حذف من قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾

وقوله: «الكريمة الحسناء» صفتان، ووجه نصبهما أنهما محمولتان على الموضع، لأن المنادى المفرد المعرفة يجوز فى صفته المفردة المعرّفة بالألف واللام، النصب حملا على الموضع، لأن النصب الذى ظهر فى قولك: يا عبد الله، ويا مكرما زيدا، ويا غلاما هلمّ، إذا لم ترد غلاما بعينه، محكوم به على موضع زيد فى قولك:

يا زيد، ويجوز فى صفته الرفع، حملا على اللفظ، لأن ضمّته وإن كانت بناء، تشبه ضمة الإعراب، لاطّرادها فى كل اسم منادى مفرد معرفة، كاطّراد الضمّة فى كلّ

اسم مبتدأ مسند إليه خبر، فتقول على هذا: يا زيد الطويل، فتصفه بالمرفوع رفعا صريحا، لما ذكرته لك، وإن شئت الطويل، تنصبه، كما نصب جرير صفة عمر، فى قوله يمدح عمر بن عبد العزيز:

يعود الفضل منك على قريشوتفرج عنهم الكرب الشّدادا
وتبنى المجد يا عمر بن ليلىوتكفى الممحل السّنة الجمادا
للشاعر جرير، من قصيدة «أبت عيناك بالحسن الرقادا»
فما كعب بن مامة وابن سعدىبأجود منك يا عمر الجوادا
للشاعر جرير، من قصيدة «أبت عيناك بالحسن الرقادا»

كان كعب بن مامة الإيادىّ، وأوس بن حارثة بن لام الطائىّ، وأمّه سعدى، من سادات أجواد العرب فى الجاهلية.

وقوله: «وأي من أضمرت» نصب على المصدر، لأن المعنى: إى وأى من أضمر الوفاء، أى عدى عدة وفيّة.

وهذا البيت والذى قبله من الأبيات المصنوعة لرياضة المبتدئين، لا تزال تداولها ألسن الممتحنين.

وإنما قال: «من أضمرت» فأنّث، لأن «من» لفظة موغلة/فى الإبهام، تقع لشدّة إبهامها على الواحد المذكّر والمؤنّث، وعلى الاثنين، وعلى الجماعة ذكورا، والجماعة إناثا، فعود الضمير إليها مفردا مذكّرا حمل على اللفظ، وعوده مؤنّثا أو مثنّى أو مجموعا، على المعنى، فعلى المعنى قال: «وأي من أضمرت» كأنه قال:

وأي امرأة أضمرت، وجاء على التثنية قول الفرزدق:

نكن مثل من يا ذئب يصطحبان

وجاء على الجمع فى التنزيل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ وعلى اللفظ قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ وجاء على اللفظ ثم على المعنى قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ ومثله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.