تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

بيت

ومن يك باديا ويكن أخاهأبا الضّحّاك ينتسج الشّمالا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ومن يك باديا ويكن أخاه»

الهاء فى قوله: «أخاه» عائدة إلى البدو الذى هو ضدّ الحضر، يقال: بدا فلان يبدو بدوا: إذا حلّ فى البرّ، ودلّ على عود الهاء إلى البدو قوله: باديا، كما دلّ السفيه على السّفه، فأضمره القائل:

إذا نهى السفيه جرى إليهوخالف والسّفيه إلى خلاف

أى جرى إلى السّفه، ومثله قول القطامىّ:

هم الملوك وأبناء الملوك لهموالآخذون به والسّاسة الأول

أراد: والآخذون بالملك، فأضمره لدلالة الملوك عليه، ومثله فى التنزيل قوله جلّ وعزّ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ﴾.

قوله: ﴿هُوَ خَيْراً لَهُمْ﴾ هو: ضمير البخل، والبخل هو المفعول الأول، الذى يقتضيه ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ وحسن حذفه لدلالة ﴿يَبْخَلُونَ﴾ عليه، وقوله:

﴿هُوَ﴾ يسمّى عمادا عند الكوفيين، وفصلا عند البصريين.

ومثل ذلك فى إضمار المصدر الذى دلّ عليه فعله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أى يرض الشّكر، وكذلك أضمر المصدر فى قوله ﷻ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً﴾ أى فزادهم قول الناس إيمانا.

ومما قدّر له فاعل من لفظه «بدا» فى قوله تعالى جدّه: ﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ التقدير: ثم بدا لهم بداء، لا بدّ من تقدير هذا الفاعل، لأن الفعل مطالب بفاعله، ولا يصحّ إسناده إلى ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ لأن إسناد الفعل إلى الفعل مستحيل، ولمّا لم يكن للفعل مندوحة عن إسناده إلى فاعل، أو ما يقوم مقام الفاعل، كالمفعول فى/نحو ضرب زيد، أسند بدا إلى الفاعل الذى أظهره الشاعر فى قوله:

لعلك والموعود حقّ لقاؤهبدا لك فى تلك القلوص بداء
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «لعلك والموعود حق لقاؤه»

وألسن العرب متداولة [له] فى قولهم: بدا لى فى هذا الأمر بداء، أى تغيّر رأيى عمّا كان عليه، ويقال: فلان ذو بدوات: إذا بدا له الرأى بعد الرأى.

وقوله: «أبا الضحّاك» نصب على النداء، فكأنه قال: ومن يك باديا ويكن أخا البدو، يا أبا الضّحّاك، وجعله أخا البدو، كقولك: يا أخا العرب، ويا أخا الحضر.

وإنما قال: ومن يك باديا، ثم قال: ويكن أخا البدو، لأنه قد يحلّ فى البدو من ليس من أهل البدو، فيسمّى باديا ما دام مقيما فى البدو.

فأما الشّمال فقد جاءت فى العربية على معان، منها اليد الشّمال، ومنها خليقة الإنسان، وجمعها شمائل، يقال: فلان كريم الشمائل، أى كريم الخلائق، قال عنترة.

وكما علمت شمائلى وتكرّمى

وقد جمعت اليد الشّمال أيضا على الشّمائل، فى قوله جلّ اسمه: ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ﴾ وجمعت على الأشمل، فى قول الراجز:

يبرى لها عن أيمن وأشمل

يبرى لها: يعرض لها.

والشّمال: وعاء كالكيس يجعل فيه ضرع الشاة، يحفظ به، يقال:

شملت الشاة: أى جعلت لها شمالا، وهذا هو المراد هاهنا.

وينتسج: يفتعل، من قولك: نسجت الثوب، فالمعنى: من يكن من أهل البدو يمارس ما يحتاج إليه الغنم.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.