تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الموفى الأربعين يتضمّن ما بقي من ذكر حذف الاسم

، وضروبا من ذكر حذف الفعل.

أما حذف الضمير العائد إلى الموصول من صلته، فحسن كثير فى التنزيل، /كقوله: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ و ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ يريد:

بعثه، وخلقته، ومنه قوله تعالى: ﴿اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ حذف «ها» من «كتبها» كما حذف «هم» من قوله: ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى﴾.

وجاء حذف العائد من جملة الصّفة إلى الموصوف، فى قول جرير:

أبحت حمى تهامة بعد نجدوما شيء حميت بمستباح
للشاعر جرير، من قصيدة «أتصحو بل فؤادك غير صاح»

حذف الهاء من «حميته» ومثله للحارث بن كلدة الثّقفىّ:

فما أدرى أغيّرهم تناءوطول العهد أم مال أصابوا

أراد: أصابوه، وفى التنزيل: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾

أراد: لا تجزى فيه، فحذف الجارّ والمجرور المقرّين فى قوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ والعرب تقول فى أشهر الشتاء: «شهر ثرى وشهر ترى وشهر مرعى» فالأول حذفوا منه المضاف، أى شهر ذو ثرى، والثّرى: التراب النّدىّ، والثانى حذفوا منه العائد إلى الموصوف، وحذفوا معه المفعول، أى شهر ترى فيه أطراف العشب، والثالث كالأول، حذفوا منه المضاف، أى شهر ذو مرعى.

وأما حذف الهاء من خبر المبتدأ، فقد جاء وهو ضعيف، قالوا فيما رواه النحويون: زيد ضربت، وجاء فى شعر امرئ القيس:

فلمّا دنوت تسدّيتهافثوب نسيت وثوب أجرّ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

أراد: فثوب نسيته، وثوب أجرّه، ومعنى تسدّيتها: ركبتها، وأنشد سيبويه:

قد أصبحت أمّ الخيار تدّعىعليّ ذنبا كلّه لم أصنع

أراد: لم أصنعه، وكذلك أنشدوا برفع «كلّ»:

ثلاث كلّهن قتلت عمدافأخزى الله رابعة تعود

ومنه قراءة ابن عامر: «وكلّ وعد الله الحسنى» رفع «كلاّ» بتقدير:

وعده الله.

/وإنما ضعف حذف العائد من الخبر، لأنّ الجملة التى تقع خبرا عن المبتدأ

إنما هى حديث عنه وأجنبيّة منه، فالعائد منها يعلّقها به، ولكنهم شبّهوها بالجملة التى تقع وصفا، كما شبّهوا جملة الصّفة بجملة الصّلة، من حيث كانت الصفة توضّح الموصوف كما توضّح الصّلة الموصول، إلا أنّ الموصول يلزمه أن يوصل، والموصوف لا يلزمه أن يوصف.

وإنما حسن وكثر حذف العائد من الصّلة، لأنّ الموصول مع صلته بمنزلة اسم مفرد، فالصّلة منه كبعض أجزاء كلمة، فهى كالفاء والراء من جعفر، فإذا قلت:

الذى أكرمه أخوك زيد، فقد تنزّلت أربعة أشياء منزلة اسم مفرد، وهى الذى والفعل وفاعله ومفعوله، وهو الضمير العائد، فآثروا التخفيف بحذف بعض الأربعة، وكان الضمير أولى بالحذف، لأنّ المفعول فضلة، وقد ورد حذفه فى غير الصّلة كثيرا حسنا، كما أريتك آنفا، فى نحو قوله تعالى: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ فكان حذفه من الصّلة لهذه العلّة أقوى من حذفه من الصّفة، وحذفه من الصّفة أقوى من حذفه من الخبر.

وأما حذف ياء المتكلم فحسن، لدلالة الكسرة قبلها عليها، وإنما يكون ذلك فى النداء، لأنّ النداء ممّا يكثر فيه الحذف والتغيير، لكثرة استعماله، ألا ترى أنّ المخبر يقدّم النداء على إخباره، فيقول: يا زيد قد كان كذا، وكذلك المستخبر يقول: يا فلان هل زيد عندك؟ وكذلك الآمر والناهى، فلما كثر النداء فى كلامهم جدّا، كثر التغيير فيه بالحذف تخفيفا، ولذلك اختصّ به الترخيم، فإذا ناديت غلامك فأفصح الأوجه فيه أن تقول: يا غلام، فتجتزئ بالكسرة من الياء، ومثله: ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ و ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ والأصل:

يا غلامى، بفتحها، قياسا لها على كاف الخطاب، ومن قال: يا غلامى، بإسكانها، فلأن السكون أخفّ من الحركة الخفيفة، ومن حذفها واجتزأ بالكسرة، جاء بتخفيف/ثان، كما أنّ من قال: يا غلاما، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفا، جاء بتخفيف أكثر من الأول والثانى، فرارا من ثقل الكسرة والياء، إلى خفّة الفتحة والألف، وقد قرئ فى سورة الزّخرف بالأوجه الثلاثة، فتحها وإسكانها وحذفها، من قوله: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ﴾.

وأمّا حذف المضاف إليه فى الغايات فمثاله: جئت قبل، وجئت يا فلان بعد، أصله: جئت قبلك، وجئت بعدى، فحذفت المضاف إليه، فاستحقّ الظرف البناء، لأن المحذوف كجزء منه، لأنه يقتضيه، فتنزّل بعد حذفه منزلة بعض كلمة، فأشبه الحرف الذى جاء لمعنى، وبنوه على حركة، لأنهم لما نقلوه من الإعراب إلى البناء، لم يكونوا ليبنوه على أضعف وجوه البناء، فيسوّوا بينه وبين ما بنى فى أصل وضعه، كمن وكم.

ومن قال إن الحركة فى قبل وبعد لالتقاء الساكنين، عورض بما ليس فيه التقاء ساكنين من الغايات، كقولهم: جئت من عل، وابدأ بهذا أوّل، كما قال:

لعمرك ما أدرى وإنّى لأوجلعلى أيّنا تعدو المنيّة أوّل
للشاعر محمد عثمان جلال، اقرأ القصيدة

وإنما بنوا هذا الضرب على الضمّة دون الفتحة والكسرة، لأنه إنما يعرب

بالنصب والخفض، دون الرفع، فلو بنوه على أحدهما التبست حركة بنائه بحركة إعرابه، وفى التنزيل: ﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ وفيه ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ أى من قبل غلبهم ومن بعد غلبهم، فلمّا حذف ما أضيفا إليه بنيا.

فهذان الظّرفان أصل الغايات، وما عداهما من الظروف محمول عليهما، وإنما سمّيت غايات؛ لأن المضاف إليه كان غاية كلامك، كقولك: جئت قبل زيد وبعد محمد، فلما حذفت المضاف إليه صار المضاف غاية كلامك ومنتهاه.

والمضاف من هذا الضّرب يتعرّف بالمضاف إليه/محذوفا، كما كان يتعرّف به مذكورا؛ لأنك تنويه وتقدّره، تقول: جاء زيد قبل جعفر، وجاء خالد بعد، أردت بعده، أى بعد جعفر، فحذفته وأنت تريده، وتقول: جاء القوم وأخوك خلف، ومحمد قدّام، تريد: خلفهم وقدّامهم، أنشد أبو عمر محمد بن عبد الواحد المعروف بالزاهد، قال: أنشدنا [أبو العباس أحمد بن يحيى، قال:

أنشدنا] أبو عبد الله بن الأعرابى:

ألبان إبل تعلّة بن مسافرما دام يملكها عليّ حرام
وطعام حجناء بن أوفى مثلهاما دام يسلك فى البطون طعام
إن الذين يسوغ فى أحلاقهمزاد يمنّ عليهم للئام
لعن الإله تعلّة بن مسافرلعنا يشنّ عليه من قدّام

أراد من قدّامه، فلما حذف الهاء بناه.

الحلق: يجمع حلوقا، على القياس، وجمعه على أفعال شاذّ، كزند وأزناد، وفرد وأفراد، وفرخ وأفراخ، قال الأعشى:

وزندك أثقب أزنادها

أثقب: من ثقّبت النار، بتشديد القاف: إذا أذكيتها، وقال الحطيئة:

ماذا تقول لأفراخ بذى مرخزغب الحواصل لا ماء ولا شجر

وقد كثر فى فعل: أفعال، وإن كان خارجا عن القياس، فجاء فى حبر:

أحبار، ونطق به التنزيل، وجاء مع ما ذكرناه من زند وفرد وفرخ: أهل وآهال، ولحظ وألحاظ، وسمع وأسماع، واتّسع فى المضاعف، فقيل فى ربّ وجدّ وعمّ ومنّ:

أرباب وأجداد وأعمام وأمنان. وأما أفنان فجمع فنن، وهو الغصن، لا جمع فنّ، وفى

التنزيل: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ وإنما جمعوا الفنّ على القياس، فقالوا: فنون، كصكّ، وصكوك، وبتّ وبتوت، وهو الكساء الغليظ.

وقوله: «يشنّ عليه» أى يصبّ عليه، من قولهم: شننت علىّ الماء.

/وأما حذف الاسم الذى ينوب عنه الظّرف، خبرا وصفة وحالا، فمثال الخبر: زيد خلفك، أى مستقرّ خلفك، وكذلك الرحيل يوم السبت [أى كائن يوم السبت] ومثال الصفة: مررت برجل عند زيد، وبقوم حول جعفر، التقدير:

مستقرّ عند زيد، ومستقرّين حول جعفر، ومثال الحال: مررت بزيد قدّام بكر، أى مستقرّا قدّام بكر، وهذا جعفر خلف محمد، أى كائنا خلف محمد، إذا كانا ماشيين أو راكبين، ومستقرّا خلف محمد، إذا كانا جالسين.

واسم الفاعل فى هذا الموضع ممّا رفضوا إظهاره تخفيفا، وللعلم به، فحذفوه وأنابوا الظرف منابه، وانتقل الضمير الذي فيه إلى الظرف، فتضمّنه الظرف، وحسن العطف عليه والتوكيد له بالضمير المنفصل، تقول: مررت برجل قدامك هو وبكر، وقد أكّده كثيّر بن عبد الرحمن بأجمع، فى قوله:

فإن يك جثمانى بأرض سواكمفإنّ فؤادى عندك الدّهر أجمع
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «تقطع من ظلامة الوصل أجمع»

ليس قبل «أجمع» ما يصحّ أن يحمل عليه إلاّ اسم إنّ، والضمير الذى فى الظرف والدهر، فاسم إنّ والدهر منصوبان، فبقى حمله على المضمر فى قوله:

«عندك» وإنما أضمر فيه لكونه خبرا، فالتقدير: مستقرّ عندك أجمع.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.