من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل (٦)
أمّا الحذف الواقع بالفعل، فإنه ينقسم إلى ستّة أضرب، الأول: حذفه على شريطة التفسير، والثانى: حذفه مع إن، والثالث: حذفه للدلالة عليه، والرابع:
حذفه مع أمّا، والخامس: حذفه جوابا، والسادس: حذفه اختصارا وإيجازا.
فحذف الفعل على شريطة التفسير، يقع فى سبعة مواضع: الاستفهام والأمر والنهى والشرط والتحضيض والنفى والعطف.
فحذفه فى الاستفهام، كقولك: أزيدا أكرمته، أزيدا مررت به، أزيدا ضربت أخاه؟ ﴿أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ﴾ فالعوامل فى هذه المنصوبات أفعال مقدّرة قبلها، تفسّرها الأفعال المذكورة بعدها، ولا يجوز أن تنصبها بالتى بعدها، لأن تلك قد تعدّت إلى ما تقتضيه من المفعول، ظاهرا أو مضمرا، فالتقدير:
أأكرمت زيدا أكرمته، أجزت زيدا مررت به، أأهنت زيدا ضربت أخاه، أنتّبع بشرا منّا واحدا نتّبعه؟
وإنما أضمرت جزت، ولم تضمر مررت، لأن مررت لا يتعدّى إلا بالجارّ، فلو أضمرته أضمرت حرف الجرّ، وحرف الجرّ لا يضمر، وأضمرت أهنت فى قولك: أزيدا ضربت أخاه؟ لأن الضرب لم يقع بزيد، وإنما وقعت به الإهانة بضرب أخيه، ومثل تقديرك جزت زيدا، ولم تقدّر مررت، التقدير فى قول جرير:
أثعلبة الفوارس أو رياحاعدلت بهم طهيّة والخشابا
مدح فى هذا البيت ثعلبة ورياحا، وذمّ طهيّة والخشاب، فلذلك وصف ثعلبة بالفوارس، فالتقدير إذن: أحقرت ثعلبة؟ ولم يجز إضمار عدلت، لتعدّيه بالباء.
وتقول فى الأمر والنهى: زيدا أكرمه، وعمرا لا تضربه، تقدّر الناصب على ما مثّلته لك، فتقدّر للأول: أكرم، وللثانى: لا تضرب.
ولو رفعت فى هذه المواضع، فقلت: أزيد ضربته؟ وزيد أكرمه، وعمرو لا تضربه، جاز ذلك على ضعف، وإنما ضعف فى الاستفهام، لأن الاستفهام يطلب الفعل، ولو أنك حذفت حرف الاستفهام من قولك: أزيدا ضربته، عمل الابتداء، وضعف النصب، لزوال المقتضى له، كما يضعف الرفع إذا قلت: أزيد ضربته؟
والجملتان الأمريّة والنّهييّة يضعف الإخبار بهما، لأن الخبر حقّه أن يكون محتملا للتصديق والتكذيب
قال أبو علي: قد كنت أستبعد إجازة سيبويه الإخبار بجملتى الأمر والنهى، /حتى مرّ بى قول الشاعر:
إن الذين قتلتم أمس سيّدهملا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
ومثله قول الآخر:
ولو أصابت لقالت وهى صادقةإنّ الرياضة لا تنصبك للشّيب
ومثال إضمار الفعل بعد حرف الشرط ناصبا، قولك: إن زيدا أكرمته نفعك، تريد: إن أكرمت زيدا، ومثله قول النّمر بن تولب:
لا تجزعى إن منفسا أهلكتهوإذا هلكت فعند ذلك فاجزعى
ومثال إضماره رافعا، قولك: إن زيد زارنى أحسنت إليه، ومثله فى التنزيل:
﴿إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ﴾ ﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ﴾ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ ولو قلت: إن زيد يزرنى أحسن إليه، فجزمت، جاز ذلك على ضعف، وجاز فى «إن» لأنها أصل الباب، ولا يجوز هذا فى غيرها إلا فى الشعر، كما قال:
ومتى واغل ينبهم يحيّوهـ وتعطف عليه كأس السّاقى
الواغل: الذى يدخل على القوم وهم على شرابهم من غير إذن.
وقال آخر:
صعدة نابتة فى حائرأينما الرّيح تميّلها تمل
وإضمار الماضى بعد إذا الزمانيّة، كقولك: إذا زيد حضر أعطيته، ومثله فى التنزيل: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ﴾ وهو كثير، وارتفاعه عند سيبويه بالفعل المقدّر، وأبو الحسن الأخفش يرفع الاسم بعد «إذا» هذه بالابتداء، وهو قول ضعيف، لاقتضاء هذا الظرف جوابا، كما يقتضيه حرف الشرط، ولأنه ينقل الماضى إلى الاستقبال، كقولك: إذا جاء زيد غدا أكرمته، كما تقول: إن جاء زيد غدا، وقد جزموا به فى الشّعر، كقوله:
ترفع لى خندف والله يرفع لىنارا إذا خمدت نيرانهم تقد
وكقول الآخر:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلهاخطانا إلى أعدائنا فنضارب
وإنما لم يجزموا به فى حال السّعة، كما جزموا بمتى، لأنه خالف «إن» من حيث شرطوا به فيما لا بدّ من كونه، كقولك: إذا جاء الصيف سافرت، وإذا
انصرم الشتاء قفلت، ولا تقول: إن جاء الصيف، ولا إن انصرم الشتاء، لأن الصيف لا بدّ من مجيئه، والشتاء لا بدّ من انصرامه، وكذا لا تقول: إن جاء شعبان، كما تقول: إذا جاء شعبان، وتقول: إن جاء زيد لقيته، فلا تقطع بمجيئه، فإن قلت: إذا جاء، قطعت بمجيئه، فلما خالفت إذا إن، فيما تقتضيه إن من الإبهام، لم يجزموا بها فى سعة الكلام.
و «لو» من الحروف التى تقتضى الأجوبة، وتختصّ بالفعل، ولكنهم لم يجزموا به، لأنه لا ينقل الماضى إلى الاستقبال، كما تفعل حروف الشرط، تقول: لو زارنى زيد أمس أكرمته، وربّما جزموا به فى الضرورة، قالت امرأة من بنى الحارث بن كعب:
فارسا ما غادروه ملحماغير زمّيل ولا نكس وكل
لو يشاء طار به ذو ميعةلاحق الآطال نهد ذو خصل
غير أن البأس منه شيمةوصروف الدّهر تجرى بالأجل
واقتدى بها فى الجزم [به] أبو الحسن الرضىّ، ﵁، فقال فى قصيدة، رثى بها أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابىّ:
إنّ الوفاء كما اقترحت فلو تكنحيّا إذا ما كنت بالمزداد
قولها: «فارسا ما غادروه» نصبت «فارسا» بمضمر فسّره «غادروه»، و «ما» زيادة/والملحم: الذى أحيط به فى الملحمة، وهو الموضع الذى يلتحم فيه المحاربون.
والزّمّيل: الجبان الضّعيف.
والنّكس من الرجال: الذى لا خير فيه، شبّهوه بالسهم الذى ينكسر فوقه، فيجعل أعلاه أسفله.
ويقال: رجل وكل ووكلة، وهو العاجز الذى يكل أمره إلى غيره.
والميعة: النشاط وأول جرى الفرس.
ولاحق الآطال: ضامر الخواصر، وواحد الآطال: إطل.
والنّهد من الخيل: العظيم المشرف، وقد تقدم ذكر هذه الأبيات فى الأمالى الأول، وذكرت هنا لطول العهد.
وأما «إذا» المكانيّة، فهى حرف استئناف، موضوع للمفاجأة، فجملة الابتداء والخبر تقع بعده، كقولك: خرجت فإذا زيد جالس، المعنى: فهناك زيد جالس، ولما كانت اسما للمكان أخبروا بها عن الأعيان، فقالوا: خرجت فإذا أخوك جالسا، فأخوك مبتدأ، وإذا خبره، ونصبوا بها الحال، كما ينصبون الحال بالظرف، فى قولك: خلفك زيد جالسا.
ومثال إضمار الفعل بعد حرف التحضيض، كقولك: هلاّ زيدا أعطيته، ولولا أخاك أكرمته، ومنه قوله:
تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكمبنى ضوطري لولا الكميّ المقنّعا
أراد: لولا تعدّون الكمىّ، أو لولا تعقرون الكمىّ، وقد تقدّم ذكر هذا البيت.
وسبيل النفى سبيل الاستفهام، تقول: ما زيدا ضربته، وما زيدا مررت به، وما زيدا ضربت أخاه، تقدّر هاهنا من الأفعال ما قدّرته هناك، قال الشاعر:
فلا ذا جلال هبنه لجلالهولا ذا ضياع هنّ يتركن للفقر
أراد: فلا هبن ذا جلال، ونصب ذا ضياع، بيتركن، لأنه لم يشغل بالعمل فى غيره، وهذا كقولك: زيدا جعفر يضرب.
وأمّا حذف الفعل فى العطف على شريطة التفسير، فيقتضى أن تكون الجملة /المبدوء بها فعليّة، كقولك: خرج زيد وعمرا كلّمته، ومررت بجعفر وخالدا أهنته، وضربت بكرا ومحمدا أكرمته، ولا تبالى كان الفعل الأول متعدّيا أو غير متعدّ.
وإنما قوى إضمار الفعل إذا بدئ بجملة الفعل، طلبا للتشاكل بين الجملتين، فأضمرت فعلا، لتكون قد عطفت جملة على جملة تشاكلها، فشاكلت بين الكلامين، ولو رفعت فقلت: أكرمت زيدا وخالد أهنته، خالفت بين الجملتين.
فإن كانت الجملة المبدوء بها اسميّة، قوى الرفع، لمشاكلة الثانية للأولى، كقولك: زيد منطلق وخالد ضربته، ومثله فى التنزيل: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ.﴾
﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ ولو نصب ﴿الشُّعَراءُ﴾ بتقدير: ويتّبع الغاوون الشّعراء،
كان النصب ضعيفا، لتخالف الكلامين، ونقيض ذلك قوّة النصب فى قوله تعالى:
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً﴾ وذلك لتقدّم جمل فعليّة، فى قوله ﷿:
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ فلو رفع قارئ ممّن يؤخذ بقراءته فقال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ﴾ ساغ الرفع فى العربيّة على ضعف.
وفى قوله تعالى: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ قولان: أحدهما أن تنصب ﴿فَرِيقاً﴾ الأول، على أنه مفعول قدّم على ناصبه، لأن ﴿هَدى﴾ لم يشغل عنه بالعمل فى غيره، وتنصب ﴿فَرِيقاً﴾ الثانى بإضمار فعل، فى معنى قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ تقديره: وأضلّ فريقا، فعلى هذا القول يكون الوقف على قوله: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ والقول الثانى: أن تنصب فريقا وفريقا، على الحال من المضمر فى ﴿تَعُودُونَ﴾ أى تعودون فريقا مهديّا وفريقا مضلاّ، فعلى هذا القول لا يجوز الوقف على ﴿تَعُودُونَ﴾ لتعلق الحال بما قبلها، ويقوّى هذا القول قراءة أبىّ بن كعب: «تعودون فريقين فريقا هدى وفريقا حقّ عليهم الضّلالة».
/وقوله جلّ وعلا: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ انتصاب ﴿الظّالِمِينَ﴾ فيه بتقدير حذف «يعذّب» لأن قوله: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ﴾
﴿عَذاباً﴾ يفسّره، من حيث كان إعداد العذاب يؤول إلى التعذيب، ولا يجوز إضمار «أعدّ» لما قدمته لك فى غير موضع، من أن الفعل إذا تعدّى بالخافض، لا يصحّ إضماره.
وفى مصحف ابن مسعود: «وللظّالمين أعدّ لهم» بلام الجر فى ﴿الظّالِمِينَ﴾ على تقدير: وأعدّ للظالمين أعدّ لهم، ويجوز فى العربية رفع ﴿الظّالِمِينَ﴾ بالابتداء، والجملة التى هى ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً﴾ خبره.
وروى عن الأصمعىّ أنه سمع من يقرأ بذلك، وليس بمعمول به فى القرآن، لأنه مخالف لخطّ المصحف، وللقراءة المجمع عليها.
وأجاز الفرّاء أن يكون الرفع فيه بمنزلة الرفع فى قوله: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ وليس بمثل له، لأنّ قبل قوله: ﴿وَالشُّعَراءُ﴾ جملة من مبتدأ وخبر، وقبل ﴿الظّالِمِينَ﴾ جملة فعلية، فالرفع فى ﴿الشُّعَراءُ﴾ هو الوجه، على ما ذكرته لك، والقرّاء مجمعون على الرفع فيه، والنصب فى ﴿الظّالِمِينَ﴾ هو الوجه.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع