تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الثالث والأربعون يتضمّن ذكر ما حذف من الجمل والأسماء الآحاد، اختصارا

، وهو القسم السادس، ويليه فصول من حذف الحرف. [الحذف] اختصارا من أفصح كلام العرب، لأنّ المحذوف كالمنطوق به، من حيث كان الكلام مقتضيا له، لا يكمل معناه إلا به، فمن ذلك فى التنزيل، الحذف فى قوله: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ أراد: فحلق ففدية، فاختصر، ولم يذكر «فحلق» اكتفاء بدلالة قوله: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ﴾ عليه، وحذف أيضا «عليه» الذى هو خبر ﴿فَفِدْيَةٌ﴾، وقد ذكرت ذلك فيما تقدم، وحذف مفعول «حلق» فحقيقة اللفظ:

فمن كان منكم مريضا أو به أذى من/رأسه فحلق رأسه فعليه فدية.

ومثله فى حذف الجملة والعاطف قوله: ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ أراد: فضربه فانفلق، فلم يذكر فضربه، لأنه حين قال:

﴿أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ﴾ علم أنه ضربه، ومثله: ﴿فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ﴾ ومثله، وهو أبلغ فى الحذف، لأنّ المحذوف منه جملتان وعاطفان،

قوله: ﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى﴾ التقدير: فضربوه فحيى، كذلك يحيى الله الموتى.

وممّا حذف منه ثلاث جمل وثلاثة عواطف، قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ ثم قال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا﴾ وإنما التقدير: فأرسلوه فأتى يوسف فقال له: يوسف أيّها الصّديق.

وممّا حذف منه همزة الاستفهام مع ما دخلت عليه من الكلام، قوله تعالى:

﴿وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً﴾ جاء فى التفسير، أن المعنى: أهذا أفضل أم من هو قانت؟ فحذف ذلك اكتفاء بالمعرفة بالمعنى، وأنشدوا للأخطل:

لمّا رأونا والصّليب طالعاومارسرجيس وموتا ناقعا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ويها بني تغلب ضربا ناقعا»
خلّوا لنا راذان والمزارعاوحنطة طيسا وكرما يانعا

كأنّما كانوا غرابا واقعا

أراد: فطاروا كأنهم كانوا غرابا، فحذف اللفظ الذى فيه المعنى، لأنه قد علم ما أراد بتشبيههم بالغراب، ولا معنى لتشبيههم به، إلا كون انهزامهم كطيرانه، فحذف الفعل والفاعل مع العاطف، وشبيه بذلك قول جرير:

وردتم على قيس بخور مجاشعفبؤتم على ساق بطيء جبورها
للشاعر جرير، من قصيدة «أزرت ديار الحي أم لا تزورها»

أراد: فبؤتم على ساق مكسورة بطىء/جبورها» كأنه لما كان فى قوله: «بطيء جبورها» دليل على الكسر، اقتصر عليه.

ومما حذف منه ثلاث جمل قول الشّنفرى:

لا تقبرونى إنّ قبرى محرّمعليكم ولكن خامرى أمّ عامر
للشاعر عمرو بن مالك، من قصيدة «لا تَقْبُروني إنّ قَبْرِي مُحَرَّمٌ»

أمّ عامر: كنية الضّبع، وكان الرجل إذا أراد أن يصطادها دخل عليها وهى فى مغارها، وهو يقول: خامرى أمّ عامر، ويكرّر هذا القول، ومعنى خامرى:

قاربى، فلا يزال يقول ذلك ويدنو، حتى يضع فى عنقها حبلا، فأراد: لا تدفنونى ولكن دعونى تأكلنى التى يقال لها: خامرى أمّ عامر.

ومن حذف هذا الضّرب فى التنزيل أيضا، حذف الجملة فى قوله تعالى:

﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أى: وقيل لى: ولا تكوننّ من المشركين، ومثله فى قصة سليمان والجنّ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾

أى: وقيل له: اعملوا آل داود شكرا، فالخطاب له فى اللفظ، وله ولأهل بيته فى المعنى، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ وكما قال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ فالخطاب فى هذا ونظائره له ولأمّته.

وهاهنا سؤال، وهو: كيف قال: (اعملوا شكرا) ولم يقل: اشكروا، كما قال: ﴿وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ولم يقل: اعملوا له شكرا، وكما قال:

﴿وَاُشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ ولم يقل: واعملوا لى شكرا، وكلام العرب أن يقولوا:

شكرت لفلان، وشكرت فلانا، ولا يقال: عملت له شكرا، وهذا ممّا سئلت عنه قديما، سألنى عنه بعض أفاضل العجم.

والجواب: أن قوله ﴿شُكْراً﴾ ليس بمفعول [به] وإنما هو مفعول له، ومفعول: ﴿اِعْمَلُوا﴾ /محذوف، والمراد: اعملوا الأعمال الصالحة شكرا على هذه النّعم.

وممّا جاء فيه حذفان، قول أوس بن حجر:

حتّى إذا الكلاّب قال لهاكاليوم مطلوبا ولا طلبا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «حلًت تماضر بعدنا رببا»

أراد: قال للبقر والكلاب: لم أر كاليوم مطلوبا وطالبا، فحذف النافى

والمنفىّ، اللذين هما «لم أر» فلذلك جاء بحرف النفى مع المعطوف فى قوله:

«ولا طلبا» لأنه عطفه على ما عمل فيه فعل منفىّ، ووضع المصدر الذى هو «طلب» موضع اسم الفاعل الذى هو «طالب» ويجوز أن يكون التقدير: ولا ذا طلب، فهذا حذف، والحذف الآخر: أنهم إذا قالوا: لم أر كاليوم رجلا، فإنهم يريدون: لم أر رجلا كرجل أراه اليوم، فكذلك أراد: لم أر مطلوبا كمطلوب أراه اليوم.

ومن الحذف الطويل فى قول أبى دواد الإيادى:

إنّ من شيمتى لبذل تلادىدون عرضى فإن رضيت فكونى
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

أراد: فكونى معى على ما أنت عليه، فإن لم ترضى فبينى، فحذف هذا كلّه.

وقال آخر:

إذا قيل سيروا إنّ ليلى لعلّهاجرى دون ليلى مائل القرن أعضب

أراد: لعلها قريبة، فحذف خبر لعلّ، وقد قدّمنا نظائر هذا، والمعنى: إذا قيل: سيروا لعلّ ليلى قريبة، برح لنا ظبى ذو قرن معوجّ وقرن مكسور، فآذن ببعدها. والبارح من الظّباء: الذى يجيء عن ميسرة السائرين، وهم يتطيّرون به، والسانح: الذى يجيء عن يمينهم، وهم يتيمّنون به.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.