من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الخامس والأربعون يتضمّن ذكر حذف ضروب من الحروف التى من ذوات الكلم
فمن المحذوفات التى استمرّ حذفها، وكثر فى ضروب من الكلام: التنوين، حذفوه للإضافة فى نحو: غلامك، وغلام عمرو، وجدّة زينب، وحذفوه لمعاقبة لام التعريف له، وحذفوه فى الوقف بعوض، فى نحو: رأيت زيدا، وبغير عوض فى اللّغة العليا، فى نحو: هذا زيد، ومررت بزيد، وأزد السّراة عوّضوا، فقالوا: زيدو، /وبزيدى، وهى لغة رديّة، لثقل الواو والضمّة، والياء والكسرة، ولوقوع الواو وقبلها ضمّة فى آخر اسم معرب، وهو ممّا رفضوه فى كلامهم، ولالتباس الياء في نحو:
مررت بزيدى وبغلامى، بياء المتكلّم.
وحذفوه من الاسم العلم فى النداء كقولك: يا زيد، و ﴿يا نُوحُ اِهْبِطْ﴾ ومن النكرة المقصود قصدها فى نحو: يا غلام هلمّ، و ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾.
وحذفوه فكان حذفه علما لثقل الاسم، فى نحو رأيت أحمد، ومررت بأحمد ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ كما جعلوا إثباته علامة لخفّة الاسم، في نحو: ربّ أحمد غيرك أكرمته.
وحذفوه لالتقاء الساكنين، وذلك على ضربين: لازم وغير لازم، فاللازم أن تحذفه لسكونه وسكون الباء من ابن، باجتماع شرائط: منها أن يكون في اسم علم، ومنها أن يكون ابن مضافا إلى علم، ومنها أن يكون ابن صفة للاسم، لا خبرا عنه، ولا تكون الواسطة بين الاسمين إلاّ هذه اللفظة التي هى ابن، وتحذف ألفه من الخط، فإن عدمت إحدى هذه الشرائط وجب إثبات التنوين، فمثال اجتماع شرائط حذفه، قولك: هذا زيد بن جعفر، ورأيت زيد بن جعفر، ومررت بزيد بن جعفر، فإن قلت: زيد ابن جعفر، نوّنت وأثبتّ ألف ابن، لأنّ قولك: «زيد» مبتدأ و «ابن جعفر» خبره، وكذلك إن قلت: مررت بزيد ابن أخيك، نوّنت، لأنك أضفت الاسم إلى غير علم، وكذلك إن قلت: مررت بزيد عمّ جعفر نوّنت، لأنك وصفته بغير ابن.
وإنما حذفوا التنوين فى هذا النحو لكثرة الاستعمال، لأن الإنسان لا يخلو من اسم علم، وهو مع ذلك ابن صاحب اسم علم، ولا بدّ له من الأبوّة، والأبوّة دالّة على البنوّة، وقد يجوز أن يخلو من الأخوّة والعمومة والخؤولة.
ولا يجوز إثبات التنوين مع ما ذكرته من اجتماع هذه الشرائط إلاّ اضطرارا/ كقول الحطيئة:
إلاّ يكن مال يثاب فإنّهسيأتى ثنائى زيدا ابن مهلهل
وأنشد سيبويه:
جارية من قيس ابن ثعلبهتزوّجت شيخا غليظ الرّقبه
ومن نوّن «عزيرا» فى قوله تعالى: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ﴾ فلأنه جعل ابنا خبرا لا صفة، والتنوين فى «عزير» للصّرف، لأن مصغّر الثلاثيّ ينصرف وإن كان عجميّا، كما ينصرف مكبّره، وينصرف فى هذه العدّة، وإن كان متحرّك الأوسط، كما ينصرف إذا سكن أوسطه، ولا اختلاف فيه كما اختلف فى نحو: هند ودعد، وكما أجمعوا على منع الصرف، لاجتماع التأنيث والتعريف مع تحرّك الأوسط، فى نحو: لظى وسقر وقدم، إذا سمّيت بها امرأة، فالساكن الأوسط نحو: نوح ولوط، والمتحرّك الأوسط نحو سبك وغزر، اسم تركيّ.
ومن قرأ ﴿عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ﴾ بحذف التنوين احتمل وجهين، أحدهما: أن يكون «عزير» خبر مبتدأ محذوف، و «ابن» صفة، فيجب بذلك حذف التنوين،
ويكون المبتدأ فيما قدّره أبو على: صاحبنا أو نسيبنا أو نبيّنا عزير بن الله، والوجه الآخر: أن لا يقدّر مبتدأ بل يكون «عزير» هو المبتدأ، و «ابن» خبره، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، فتتّفق القراءتان على هذا التقدير.
ومن حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ما روى عن أبى عمرو، فى بعض طرقه: ﴿أَحَدٌ. اللهُ الصَّمَدُ﴾ وحذفه على هذا الوجه متّسع فى الشّعر، كقوله:
حميد الذى أمج دارهأخو الخمر ذو الشّيبة الأصلع
وكقول الآخر:
لتجدنّى بالأمير برّاوبالقناة مدعسا مكرّا
/إذا غطيف السّلميّ فرّا
ومثله:
حيدة خالى ولقيط وعلىوحاتم الطائىّ حمّال المئى
وقال عبيد الله بن قيس الرّقيّات:
كيف نومى على الفراش ولمّاتشمل الشّام غارة شعواء
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدىعن خدام العقيلة العذراء
أراد: وتبدى العقيلة العذراء عن خدام، والخدام: الخلخال، أى ترفع المرأة الكريمة ثوبها للهرب فيبدو خلخالها، والجملة التى هى «تبدى العقيلة» موضعها رفع بالعطف على الجملة التى هى «تذهل الشيخ عن بنيه» وموضع الجملة التى هى «تذهل الشيخ عن بنيه» رفع على النعت لقوله «غارة» والعائد إلى الموصوف من الجملة المعطوفة [محذوف] تقديره: وتبدى العقيلة العذراء لها عن خدام، أى لأجلها. والشّعواء: المتفرّقة.
وممّا حذف منه التنوين لالتقاء الساكنين، قول الآخر:
فألفيته غير مستعتبولا ذاكر الله إلاّ قليلا
والذى حسّن لقائل هذا البيت حذف التنوين، لالتقاء الساكنين، ونصب اسم الله تعالى، واختيار ذلك على حذف التنوين للإضافة، وجرّ اسم الله: أنه لو أضافه لتعرّف بإضافته إلى المعرفة، ولو فعل ذلك لم يوافق المعطوف المعطوف عليه فى التنكير، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وأعمل اسم الفاعل، فعطف نكرة على نكرة مجرورة، بإضافة «غير» إليها، وانتصاب «غير» على الحال، كانتصاب ﴿ضالِّينَ﴾ فى قوله تعالى: ﴿أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ﴾ فصار فى التقدير: غير مستعتب ولا ذاكر.
/وحكى عن القاضى أبى سعيد السّيرافىّ، أنه قال: حضرت فى مجلس أبى بكر بن دريد، ولم أكن قبل ذلك رأيته، فجلست فى ذيل المجلس، فأنشد أحد الحاضرين بيتين يعزيان إلى آدم ﵇، قالهما لما قتل ابنه قابيل أخاه هابيل، وهما:
تغيّرت البلاد ومن عليهافوجه الأرض مغبّر قبيح
تغيّر كلّ ذى حسن وطيبوقلّ بشاشة الوجه المليح
فقال أبو بكر: هذا شعر قد قيل فى صدر الدنيا، وجاء فيه الإقواء،
فقلت: إنّ له وجها يخرجه من الإقواء، فقال: ما هو؟ قلت: نصب «بشاشة» وحذف التنوين منها لالتقاء الساكنين، لا للإضافة، فتكون بهذا التقدير نكرة منتصبة على التمييز، ثم رفع «الوجه» وصفته بإسناد «قلّ» إليه، فيصير اللفظ:
«وقلّ بشاشة الوجه المليح»، والأصل: بشاشتن الوجه المليح، فقال: ارتفع، فرفعنى حتى أقعدنى إلى جنبه.
هذا حكم التنوين.
فأما النّون فقد حذفوها ساكنة ومتحرّكة، فمن حذف الساكنة، حذف نون التوكيد الخفيفة، بعوض وبغير عوض، فحذفها بعوض يكون إذا وقفت عليها فى نحو: يا رجل قوما، ويا زيد اخرجا، أبدلت منها الألف، كما أبدلته من التنوين، فى نحو: رأيت زيدا، وكذلك: ﴿لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ﴾ تقف عند انقطاع نفسك على الألف، ومنه قول الأعشى:
وصلّ على حين العشيّات والضّحىولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا
وقول آخر، فى وصف وطب مملوء لبنا، ملفوف فى غشاء:
يحسبه الجاهل ما لم يعلماشيخا على كرسيّه معمّما
أراد يحسبه الجاهل به.
وحذفها بغير عوض، يكون لالتقاء الساكنين، /كقولك: اضرب الغلام، حذفتها لسكونها وسكون اللام، وبقيت الفتحة قبلها دالّة عليها، ولم تحرّكها لالتقاء الساكنين، كما تحرّك التنوين فى اللغة العليا فى نحو: «أحدن الله الصّمد» و «فتيلن انظر» جعلوا لزيادة الاسم مزيّة على زيادة الفعل، فحذفوا زيادة الفرع، وحرّكوا زيادة الأصل، ومثل قولك: اضرب الغلام، فى حذف النون، لدلالة الفتحة عليها، قول الشاعر:
ولا تهين الفقير علّك أنتركع يوما والدّهر قد رفعه
أراد: تهينن، فحذف النون، وبقيت ياء «تهين» لثبات الفتحة بعدها.
وممّا حذفوا نونه، وعوّضوا منها فى موضعها ألفا، قولهم: «جرنفش» وهو العظيم الجنبين، «وشرنبث» وهو الغليظ الكفّين، قالوا فيهما: جرافش وشرابث.
وكذلك حذفوا النون من قولهم: «شنذارة»، وهو السيّئ الخلق، وعوّضوا منها الهمزة، فقالوا: شئذارة، وحذفوا النون من «قنفخر» وهو الضّخم من الرجال، وعوّضوا منها ألفا، فى غير موضعها، فقالوا: قفاخرىّ.
ومن حذفها اضطرارا حذفها فى قول النّجاشى:
فلست بآتيه ولا أستطيعهولاك اسقنى إن كان ماؤك ذا فضل
كان حقّها أن يحرّكها، لولا الضرورة.
وممّا حذفوها منه استحسانا، وتشبيها لها بحروف المدّ واللّين لفظة «يكون»]، وذلك إذا سكنت للجزم فى نحو: لم يكن، ولا تكن، كقولك: لم يك جالسا، وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً﴾ وكذلك قولك: لا تك فى شكّ، وقوله تعالى:
﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ وإنما حذفوها فى هذا الحرف، لكثرة استعماله، كما يحذفون حروف العلّة، فى قولهم: لم يخش ولم يدع ولا ترم، ولم يحذفوها من نظائر هذا الفعل، أعنى ما وازنه ولامه نون، نحو يصون ويهون، فيقولوا: /لم يص نفسه، وذلك لقلة استعماله.
وممّا حذفوها منه قولهم، لضرب من الشّجر: «عرنتن» قالوا فيه: عرتن حذفوها منه ثالثة ساكنة، كما حذفوا الألف من «علابط» وهو القطيع الضّخم من الغنم، فقالوا: علبط، قال:
ما راعنى إلاّ رياح هابطاعلى البيوت قوطه العلابطا
القوط: القطيع من الغنم، يكون ضخما وغير ضخم، فلذلك وصفه بالعلابط، ونصب العلابط بهابط، لأنّ هبط لازم ومتعدّ، تقول: هبط زيد وهبطته.
وممّا حذفت منه النون لالتقاء الساكنين، قوله:
أبلغ أبا دختنوس مألكةغير الذى قد يقال ملكذب
أراد: من الكذب، ومثله قول الآخر:
كأنّهما ملآن لم يتغيّراوقد مرّ للدارين من بعدنا عصر
أراد: من الآن.
وأما حذفها متحرّكة، فكحذف نون التثنية والجمع فى الإضافة، كقولك:
ضاربا زيد، ومكرمو أخيك، وكحذفها من بني العنبر وبنى الهجيم وبنى الحارث، قالوا: بلعنبر وبلهجيم وبلحارث، وإنّما حذفوها هاهنا لمقاربتها للاّم فى المخرج، لأنهم يستثقلون اجتماع المتقاربين، كما يستثقلون اجتماع المثلين.
وإنما استمرّ هذا الحذف والإبدال فى النون، لما بينها وبين حروف العلة من المشابهة، لأنها إذا سكنت تضمّنت غنّة، كما تتضمّن حروف اللّين مدّا، وهذا تعرفه بأنك إذا أمسكت جانبى طرف أنفك بسبّابتك وإبهامك وتلفّظت بقولك:
من قام، تعذّر عليك إخراج النون، لأنّ مخرجها إذا سكنت من الخياشيم، ولذلك أدغموها فى الواو والياء، من قولك: من وّعدك، ومن يقول ذاك.
وأبدلوها من الواو فى النّسب إلى صنعاء وبهراء، قبيلة يمانية، وإلى سوراء، فقالوا: صنعانيّ وبهرانيّ وسورانيّ.
وجعلوها إعرابا، علما للرفع/فى خمسة أمثلة: تفعلان ويفعلان وتفعلون ويفعلون وتفعلين، كما جعلوا الألف والواو والياء إعرابا في تثنية الأسماء وجمعها.
وجعلوها ضميرا، فى فعلن ويفعلن وافعلن، كما جعلوهنّ ضمائر، فى افعلا وافعلوا وافعلى، وفى تفعلان وتفعلون وتفعلين.
ومن المحذوفات من ذوات الكلم: الياء من المضاعف، فمن ذلك حذفها من المضاعف، الذى جاء على مثال فيعل، نحو سيّد وميّت وهيّن وليّن، وليس فى
الكلام فيعل إلاّ معتلّ العين، اختصّ بذلك المعتلّ دون الصحيح، كما اختصّ بمثال فيعلولة، نحو كيّنونة وقيّدودة وصيّرورة، إلا أنهم لم يستعملوا هذا المثال إلا مخفّفا، حذفوا عينه، فقالوا: كان كينونة، وقاد قيدودة، وصار صيرورة، فوزنه الآن:
فيلولة، وكذلك قالوا فى سيّد ونظائره: سيد وميت وهين ولين، كما جاء فى الحديث: «المؤمن هين لين» حذفوا عينه، كما حذفوا عين فيعلولة، فوزن ميت:
فيل، فإذا جمعوه ردّوا عينه فى قولهم: أموات.
وكما اختصّ المعتلّ بفيعل، اختصّ الصحيح بفيعل، نحو صيرف، للمتصرّف فى الأمور، وجيدر للرجل القصير، وغيلم، بالغين المعجمة، للسّلحفاة، والجارية أيضا، وعيلم، للبئر الكثيرة الماء، وللبحر أيضا.
فأما قولهم للملك الذى دون الملك الأعظم: «قيل» فقال فيه ابن السّكّيت: القيل: الملك من ملوك حمير، وجمعه: أقيال وأقوال، فمن قال:
أقيال، بناه على لفظ قيل، ومن قال: أقوال، جمعه على الأصل، وأصله من ذوات الواو، وكان أصله: قيّل، فخفّف، مثل سيّد، من ساد يسود.
وأبى قوم من النحويّين هذا القول، وجعلوا للقيل اشتقاقين، بحسب اختلاف جمعه، فذهبوا إلى أنه فعل، من اليائىّ، فيمن قال: أقيال، كقيد وأقياد، واشتقاقه من قولهم: تقيّل فلان أباه: إذا رجع إليه فى الشّبه، وقولهم فى الملك: قيل، معناه أنه أشبه الملك الذى كان قبله، كما أن «تبّعا» معناه: تبع فى الملك/من كان
قبله، كما قيل للظّل: تبّع، لأنه يتبع ضوء الشمس، قالوا: ولو كان «قيل» من الواوىّ، كميت، لم يأت فى جمعه إلاّ أقوال، كما لم يأت فى جمع ميت إلا أموات.
وأمّا من جمعه على أقوال، فأصله قيّل، فيعل من القول، والمعنى أنه يقبل قوله ولا يردّ، فهو مثل ميّت وأموات، فوزنه على هذا: فيّل، ردّت عينه فى التكسير.
وأقول: إنّ قول ابن السّكّيت غير بعيد، فيجوز أن يكون أصله فيعل، من القول، فلما خفّفوه، حمله من قال فى جمعه: أقيال، على لفظه، وحمله من قال:
أقوال، على أصله، كما قالوا من الشّوب: مشوب ومشيب، فمن قال: مشيب، حمله على لفظ شيب، ومثله المجفوّ والمجفيّ، وهو من جفوت، قال:
ما أنا بالجافى ولا المجفىّ
حمل المجفيّ على [لفظ] جفى، ولم يطّرد ذلك، فيقولوا من الصّوغ:
مصيغ، كما قالوا من الشّوب: مشيب، ولا قالوا من الغزو: مغزىّ، كما قالوا من الجفوة: مجفىّ، فكذلك قالوا: أقيال، على لفظ قيل، وإن لم يقولوا: أميات، فى جمع ميت.
فأمّا مضاعف الفعل، فمنه ما حذفوا منه أحد المثلين، بغير عوض، ومنه ما وقع الحذف منه بعوض، فالمحذوف بغير عوض: اللام من ظللت، والسين من مسست وأحسست، فقالوا: ظلت ومست وأحست، نقلوا فتحة السين إلى الحاء، ثم حذفوها، قال:
سوى أنّ العتاق من المطاياأحسن به فهنّ إليه شوس
وفى التنزيل: ﴿وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً﴾ ومنهم من يلقى كسرة اللام على الظاء، ثم يحذفها، فيقول: ظلت، وقد قرأ به بعض أصحاب الشواذ.
ومما حذف منه أحد المثلين، قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ﴾ حذفت التاء الثانية، من ﴿تَتَنَزَّلُ﴾ وخصّت بالحذف، لأنّ الأولى حرف المضارعة، فهو لمعنى، /والذى لمعنى يحافظ عليه.
و «شوس» [فى البيت] جمع أشوس، وهو الذى ينظر بأحد شقّي عينه تغيّظا.
وأمّا ما حذفوا منه وعوّضوا، فنحو: تظنّنت، قالوا: تظنّيت، فعوّضوا من النون الياء، وقد حكى الفرّاء: قصّيت أظفارى، يريدون: قصصت، وحكى ابن الأعرابىّ: خرجنا نتلعّى، أى نأخذ اللّعاعة، وهى بقلة ناعمة، فى أوّل ما تبدو، وقال الأصمعىّ، فى قولهم: «تسرّيت» أى اتخذت سرّيّة: أصله تسرّرت، من السّرّ الذى هو النكاح، قال امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنّنىكبرت وأن لا يحسن السّرّ أمثالى
وقيل فى تفسير قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ إنه أراد نكاحا، ومن هذا الضّرب قول العجّاج، يمدح عمر بن معمر التّيمىّ:
إذا الكرام ابتدروا الباع بدرتقضّى البازى إذا البازى كسر
أراد: تقضّض، فأبدل من الضاد ياء، وكسر ما قبلها لتصحّ، يقول: إذا الكرام ابتدروا فعل المكارم، بدرهم وأسرع كانقضاض البازى فى طيرانه، وذلك أسرع ما يكون الطيران، ومعنى كسر: ضمّ جناحيه، ومنه قول الشاعر:
فآليت لا أشريه حتّى يملّنىبشىء ولا أملاه حتّى يفارقا
أراد: لا أملّه، فردّه إلى أصله، الذى هو أملله، وأبدل من اللام الأخيرة ياء، فصار فى التقدير: أمليه، فانقلبت الياء ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ومعنى لا أشريه: لا أبيعه، وقوله: «بشىء» متعلّق بأشريه.
وقال أبو إسحاق الزجّاج فى قول الله سبحانه: ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ معناه: خابت نفس دسّاها الله، أى جعلها قليلة خسيسة، والأصل: دسّسها، ولكنّ الحروف إذا اجتمعت من لفظ واحد، أبدل من آخرها ياء.
[قال] وقيل: إن المعنى: قد أفلح من زكّى نفسه/بالعمل الصالح، وخاب من دسّى نفسه بالعمل الطالح.
وقيل فى قوله ﷿: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ معناه: يتبختر، يقال: جاء يمشى المطيطا، مقصورة، وهى مشية فيها تبختر، وهو أن يلقى يديه ويتكفّأ، وكان الأصل: يتمطّط، فقلبت الطاء الثالثة ياء، كما قالوا فى يتظنّن:
يتظنّى.
وقال أبو إسحاق الزجاج: يتمطّى: يلوّى مطاه فى مشيته، والمطا: الظّهر.
وممّا حذفوا منه أحد المثلين قولهم: بخ، ساكن الخاء، وهى كلمة يقولونها للشيء إذا أرادوا مدحه وتفخيمه، ويكرّرونها فى أكثر الاستعمال، قال أعشى همدان:
بين الأشجّ وبين قيس باذخبخ بخ لوالده وللمولود
وربّما نوّنوه، فقالوا: بخ، كما قالوا: صه، ويدلّ على أن أصله التشديد، قولهم: حسب بخّ. قال العجاج:
فى حسب بخّ وعزّ أقعسا
وقد صرّفوا منه فعلا، فقالوا: بخبخ يبخبخ، إذا لفظ به، كما قالوا: هلّل يهلّل، إذا قال: لا إله إلا الله، وسبّح يسبّح، إذا قال: سبحان الله، وحولق [يحولق] إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ومثله فى حذف أحد مثليه، قولهم فى التضجّر: أفّ، خفّفها بعض العرب، وأسكنوا فاءها، قال أبو الفتح عثمان: فيها ثمانى لغات: أفّ وأفّ وأفّ وأفا وأفّ وأفّ وأف، خفيفة، وأفّى ممال، مثل حبلى، ولا يقال: أفّى بالياء، كما تقول العامّة.
وأقول: إن الذى تقوله العامّة جائز فى بعض اللغات، وذلك فى لغة من يقول فى الوقف: أفعى وأعمى وحبلى، يقلبون الألف ياء خالصة، فإذا وصلوا عادوا إلى الألف، ومنهم من يحمل الوصل على الوقف، وهم قليل.
وأفّ: اسم من أسماء الفعل، مسمّاه: أتضجّر، جاء اسما للفعل فى الخبر، كما جاء هيهات اسما لبعد، وشتّان اسما لافترق، فى قولهم: شتّان زيد وعمرو.
ومن قال: أفّ، فكسر، /حرّكه بأصل حركة التقاء الساكنين.
ومن قال: أفّ، ففتح، اختار الفتحة لثقل التضعيف، كما قالوا: ربّ وثمّ.
ومن قال: أفّ، أتبع الضّمّ الضّمّ على لغة من قال: شدّ ومدّ.
ومن نوّنه أراد به التنكير، لأنّ تنوين هذا الضّرب علم للتنكير، كقولهم فى
الاستزادة من الحديث: إيه، إذا أرادوا: حدّثنى حديثا ما، وإيه [فى الاستزادة] من حديث يعرفه المحدّث والمحدّث، ومثله: صه وصه، ومه ومه، فمن نوّن، فكأنه قال: افعل سكوتا وكفّا، ومن لم ينوّن، فكأنه قال: افعل السكوت والكفّ، وكذلك من قال: أفّ، فنوّن، أراد: أتضجّر تضجّرا، ومن لم ينوّن فهو بمنزلة:
أتضجّر التضجّر المعروف، وقد قرئ بالوجهين، فالتنوين قرأ به مع الكسر نافع وحفص، وقرأه الباقون بغير تنوين، إلاّ أن ابن كثير اختصّ بالفتح، والباقون بالكسر.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع