تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الموفى الخمسين يتضمّن ذكر الحذف من قولهم: فوك وذو مال

، وما يتّصل بذلك

قولهم: «فوك» مما ألزموه الإضافة ما دام على هذه القضية؛ لأنهم لو أفردوه سقطت الواو؛ لسكونها وسكون التنوين، فبقى على حرف واحد، وهذا معدوم فى الأسماء الظاهرة، واللام منه هاء، ووزنه فى الأصل فعل، فوه، مثل فوز، بدلالة قولهم فى تحقيره وتكسيره: فويه وأفواه، وفى تصريف الفعل منه: تفوّهت، وحذفوا لامه؛ لأن الهاء حرف خفيّ مهموس، فلذلك استعملوه فى القوافى وصلا، ساكنا ومتحرّكا، فالساكن فى نحو.

وقفت على ربع لميّة ناقتىفما زلت أبكى عنده وأخاطبه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»

والمحرّك فى نحو:

عفت الدّيار محلّها فمقامهاوبلد عامية أعماؤه

كما استعملوا الألف والواو والياء وصلا فى نحو:

أقلّى اللوم عاذل والعتابا

ونحو:

سقيت الغيث أيّتها الخيامو

ونحو:

قفانبك من ذكرى حبيب ومنزلى

وقد أبدلوها من الياء فقالوا فى دهديت: دهدهت، وأبدلوها من الألف فى قولهم «مهما» أصلها: ماما، فى قول بعض النحويّين، فاستثقلوا تكرير اللفظ بعينه. وقال آخرون: هى مه، زيدت عليها «ما».

وقد أبدلوها من الهمزة فقالوا فى إيّاك: هيّاك، وفى أنرت الثّوب: هنرت.

وعاقبت الواو التى هى لام الكلمة، فى قولهم من السّنة: سانيت مساناة، وسانهت مسانهة.

فلما قويت مشابهتها لحروف الاعتلال حذفوها.

ولمّا بقى الاسم على حرفين، المتطرّف منهما حرف علّة ألزموا/الكلمة الإضافة؛ لأن إفرادها يؤدّى إلى إسقاط حرف العلّة منها.

ولما أرادوا التصرّف فيها بالإفراد، كما تصرّفوا فيها بالإضافة، أبدلوا من الواو الميم لاتّفاقهما فى الخروج من الشّفتين، فقالوا: فم، وفم زيد، وإضافته مع الميم قليلة، وقالوا فى تثنيته: فمان وفموان، فلم يردّوا الهاء كما ردّوها فى فويه وأفواه.

والأوجه فى تثنيته: فمان؛ لأنّ من قال: فموان، جمع بين العوض والمعوّض منه.

وكذلك قالوا فى النّسب إليه: فمىّ وفموىّ.

وهذا الاسم أحد الأسماء التى جعلوا ما قبل حرف إعرابها تابعا لحرف الإعراب، فقالوا: أبوه وأباه وأبيه؛ وعلّة ذلك أنهم إذا أفردوهنّ أعربوهنّ بالحركات، فقالوا: أب وأبا وأب، والأب والأب والأب، وكذلك الأخ والحم والهن، فلمّا ردّوا إليهنّ حرف العلّة فى الإضافة كرهوا أن يمنعوا الحرف الملاصق لحرف العلّة ما ألفوه فيه من الحركة، وإن كانت الحركة مختلفة فى التقدير، فكانت فى الإفراد إعرابا، وفى الإضافة إتباعا.

وزعم الفرّاء أنّ حركة الإتباع إعراب، وسمّى هذا الضّرب معربا من مكانين. وليس ما قاله بصحيح؛ لأنه لا يجوز الجمع بين إعرابين، كما لا يجوز الجمع بين تعريفين ولا تأنيثين.

وعلّة أخرى تحسّن الإتباع فى هذه الأسماء، وذلك أنهم قد استعملوا الإتباع فى الصّحيح، من قولهم: امرؤ وابنم، فقالوا: رأيت امرأ، ومررت بامرئ، وهذا امرؤ، وكذلك ابنم وابنما وابنم، وإذا كانوا قد استحسنوا ذلك فى الحرف الصحيح، فاستحسانهم إيّاه فى المعتلّ أجدر.

ولأبى عليّ كلام فى «فى» أورده فى تكملة الإيضاح، وهو مفتقر إلى كلام يبرزه، وتفسير يوضّحه.

وذلك قوله فى باب إضافة الاسم المنقوص وغير المنقوص/إلى ياء المتكلم:

«تقول: كسرت فاه، ووضعته فى فيه، فإن أضفت الفم إلى الياء قلت: هذا فيّ، وفغرت فيّ، وفى فيّ، فيكون الاسم فى الأحوال الثلاث فى الإضافة إلى الياء

على صورة واحدة، لأنّ حركة الحرف الأول منه تتبع حركة الحرف الثانى، مثل امرؤ وابنم وأخ وأب وحم، فيمن قال: حموها، وذو مال، فلما لزم كسر الآخر أتبعته الأول، فلذلك لم يجز كسرت فاى، كما تقول: كسرت فاه» انتهى كلامه.

وأقول: إنما لم يجز كسرت فاى، كما تقول: كسرت عصاى؛ لأنّ هذا الاسم قد عرفت أنه من الأسماء المعتلّة التى يتبع ما قبل حرف إعرابها حرف الإعراب فى حركته، رفعا ونصبا وجرّا كقولك: هذا أبوه، ورأيت أباه، ومررت بأبيه، ونظيرها من الصحيح امرؤ وابنم.

فإذا أضفت هذا الاسم إلى كاف الضمير أو هائه قلت فى الرفع: هذا فوك، وذاك فوه، وكان حقّه أن تقول: فوك وفوه، بضمّتين، ضمّة الواو إعراب، وضمّة الفاء إتباع، كما قلت: هذا ابنم، فضممت النون إتباعا لضمّة الميم، ولكنهم استثقلوا الضمة على واو قبلها ضمّة، فحذفوها، وكذلك كان حقّه فى الجرّ:

ضعه فى فوك وفى فوه، بكسرتين، كسرة الواو إعراب، وكسرة الفاء إتباع، كما أن كسرة النون من قولك: بابنم، إتباع لكسرة الميم، فاستثقلوا الكسرة على واو قبلها كسرة فحذفوها، فصارت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، كما صارت واو ميزان وميقات وميعاد، ياء لوجود الشرطين فيها، سكونها وانكسار ما قبلها، فقلت: ضعه فى فيك وفى فيه.

وكذلك فى حال النصب كان حقّه فوك وفوه، بفتحتين، فتحة الواو إعراب، وفتحة الفاء إتباع، كما أنّ فتحة النون فى قولك: رأيت ابنما إتباع لفتحة الميم، فصارت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فقلت/فاك وفاه.

هذا حكم «في» فى إضافته إلى كاف الضمير وهائه، فإن أضفته إلى ياء الضمير فقد عرفت أنها تقتضى كسر ما قبلها إذا كان حرفا يحتمل الحركة،

كقولك: هذا غلامى، وضربت غلامى، وإنما قلت: إذا كان حرفا يحتمل الحركة تحرّزا من الألف فى نحو ﴿هِيَ عَصايَ﴾.

وإذا عرفت أنّ ياء الضمير يكسر لها ما قبلها، وأضفت هذا الاسم إليها وقد علمت أن أوله تابع لثانيه فى الحركة، فإنّ حقّه فى الأصل أن تقول فى نصبه:

فغرت فوىّ، بكسرتين، فكسرة الواو هى التى تقتضيها ياء المتكلّم، وكسرة الفاء إتباع، كما أنّ كسرة الميم فى قولك: رأيت ابنمى حدثت لاتصاله بياء المتكلّم، وكسرة النون إتباع، فلما آل فى النصب إلى فوىّ، استثقلوا كسرة فى واو قبلها كسرة، فأسقطوها، أعنى كسرة الواو، فأوجب سكون الواو مع انكسار ما قبلها قلبها ياء، لما ذكرته لك من وجوب قلب الواو ياء باجتماع هذين الشرطين، ولم تكن الواو مدغمة كواو اجلوّاذ، مصدر اجلوّذ السّير: إذا طال، لأنّ إدغامها حماها من القلب، ولمّا صارت الواو ياء ساكنة أدغمت فى ياء الضمير، فقيل: فغرت فيّ، ولم يقولوا: فغرت فاى، كما قالوا: كسرت عصاى، وإن كان أصل عصاى عصوىّ، لأن الصاد فى قولك عصوىّ، غير تابعة حركتها لحركة الواو، كما تتبع حركة الفاء حركة الواو فى هذا الاسم، الذى كان حقّه فى الأصل أن يقال فيه:

فغرت فوىّ. فاعرف الفرق بين فغرت فاك وفغرت فىّ، فقد بالغت فى إظهار إشكاله بتوفيق الله.

فأمّا قول أبى علىّ «وحم فيمن قال: حموها» فإنما قال هذا تحرّزا من قول من قال: هذا حماها، فقصره، ومن قول من قال: حمؤها، فهمزه.

وأمّا «ذو مال» فالمحذوف منه ياء، وأصله ذوى، فعل، بوزن قدم، بدلالة

أنهم/كسّروه على أفعال، فقالوا: أذواء اليمن، لذى نواس، وذى رعين، وذى يزن، وغيرهم من ملوك اليمن.

وإنما حكموا بأنّ المحذوف منه ياء، لأنّ العين إذا كانت واوا فالحكم بأنّ اللام ياء؛ لأنّ باب لويت أكثر من باب قوّة، ولم يردّوا لامه فى التثنية، كما لم يردّوا لام «فم» فى تثنيته، فلم يقولوا: ذويا مال، كما قالوا: أبوا زيد، وأخوا عمرو، وحموا بكر، ولكنهم ردّوا اللام فى تثنية مؤنّثه، فقالوا: ذواتا مال، كما جاء فى التنزيل: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ و ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ الأصل فيهما: ذويتا وذويتى، فعلتا، وفعلتى، فصارت الياء التى هى لام ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فقولك:

ذواتا صيد، كقولك: فتاتا زيد، وكذلك ردّوا لامه فى جمع التكسير، فى قولهم:

أذواء اليمن، كما ردّوا لامات أب وأخ وحم وهن وفم، فى قولهم: آباء وآخاء وأحماء وأهناء وأفواه.

وإنّما لزمت الإضافة هذا الاسم، لأنهم إنما صاغوه توصّلا به إلى الوصف بأسماء الأجناس، كالعلم والمال والحسن، لمّا لم يستحسنوا أن يقولوا: رجل مال، وشيخ علم، وامرأة حسن، قالوا: ذو مال، وذو علم، وذات حسن، أى صاحب علم، وصاحبة حسن، فلزمت إضافته لهذا؛ لأنهم لو أفردوه فاتهم ما حاولوه وأرادوه، ولأن إفراده كان يسقط واوه لسكونها وسكون التنوين.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.