تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الحادى والخمسون يتضمّن ذكر ما دخلته الهاء للتكثير والمبالغة فى الوصف، ثم ما يلى ذلك من ذكر حذف اللاّمات

زادوا الهاء للتكثير والمبالغة فى الوصف، فى قولهم: رجل علاّمة ونسّابة وسأّالة، وراوية للشّعر، وكذلك قولهم: رجل فروقة وملولة وحمولة، دلّت الهاء فيه على كثرة الفرق والملل والاحتمال، وكذلك امرأة فروقة وملولة وحمولة، دخلتهنّ الهاء لما ذكرناه من التكثير والمبالغة، لا للتأنيث، ألا ترى أنهم لم يدخلوا الهاء فى فعول وصفا للمرأة، نحو امرأة صبور وشكور وغدور ولعوب، كما جاء فى التنزيل: ﴿تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ وامرأة نصوح.

ومثل إدخالهم الهاء للمعنى الذى ذكرته فى قولهم: علاّمة ونسّابة، إدخالهم إيّاها فى قولهم: رجل لحّانة، ورجل هلباجة جخابة فقاقة، مخفّفان، بوزن سحابة.

ومن النحويّين من نصب «كافّة» من قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ على الحال من الناس، وجعل اللام بمعنى إلى، كما جاءت بمعناها فى قوله:

﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ إليها، كما قال: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ وقالوا:

هديته إلى الطريق وللطريق، كما قال: ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ فالمعنى على هذا/القول: وما أرسلناك إلاّ إلى الناس كافّة، فالتأنيث فى قوله «كافّة» للجمع، كما تقول: جاء القوم كافّة، ومثله: ﴿اُدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ وقال الزجّاج: إن «كافّة» حال من الكاف فى «أرسلناك» ولحقت الهاء «كافّة» للمبالغة فى الوصف بالكفّ، أى أرسلناك كافّا للناس، فاللام فى هذا القول على معناها، وإنما لم يجعل «كافّة» حالا من الناس، لأن حال المجرور لا يتقدّم عليه.

وذهب ثعلب، وهو مذهب الفرّاء، إلى أن الهاء فى قولهم: علاّمة ونسّابة وراوية، للتأنيث لا للمبالغة فى الوصف، وكذلك رجل مجذامة ومطرابة ومعزابة، قال: وذلك إذا مدحوه، كأنهم أرادوا به داهية، وكذلك إذا ذمّوه فقالوا: رجل لحّانة، ورجل هلباجة جخابة فقاقة، كأنهم أرادوا به بهيمة.

والذى ذهب إليه البصريون من أن المراد بتأنيث هذه الأوصاف المبالغة فى الوصف، هو الوجه؛ لأنه قد جاء من هذا القبيل ما هو خارج عن معنى الداهية والبهيمة، وذلك نحو قولهم: رجل ملولة ورجل صرورة: للذى لم يحجج قطّ.

ومن منكرى قول الفراء وأحمد بن يحيى أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه فى تصحيحه للكتاب، الذي سماه ثعلب: الفصيح، قال: إنّ الداهية نفسها لم توضع للمدح خاصّة، ولكنها تطلق على الخير والشر إذا جاوز الحدّ فى

الدّهي، كما قال الله ﷿: ﴿وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ قال الشاعر:

وكلّ أناس سوف تدخل بيتهمدويهية تصفرّ منها الأنامل

يعنى الموت، وتصغيره إيّاها، والمراد بها الموت، تصغير التعظيم، والموت مكروه إلى كلّ نفس، وهو عندها مذموم، وإنما الداهية كقولهم للرجل: راوية، فهى اسم من أسماء الفاعلين الجارية على أفعالها، دخلته تاء التأنيث للمبالغة، وكذاك إذا ذمّوا الرجل بقولهم: لحّانة وهلباجة ونحوهما، على تشبيهه بالبهيمة، فغير صحيح؛ /لأنه ليس فى قولهم: رجل لحّانة شيء من شبه البهيمة؛ لأنّ اللحن مما يتعلّق باللفظ، فهو عن البهيمة بمعزل، وإنما يشبّه الأحمق والجاهل بالبهيمة؛ لأن الجهل والحمق من نقص العقل

وقد وجدنا فى الوزراء الوافرى العقول، المدبّري الممالك من يشوب كلامه لحن مفرط، فهذا ونحوه دليل على أن ما ذهب إليه الفرّاء فى هذا القول ليس بشىء.

وأقول مع هذا: إنه لا يجوز فى وصف القديم سبحانه علاّمة، لا يقال:

علاّمة الغيوب، وإن كانت الهاء فيه لتكثير العلم والمبالغة فى الوصف به؛ لأن هذه الهاء فى الأصل علم للتأنيث، وقد زرى عليهم بقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً﴾ فدلّ على أنه لا يجوز أن يجرى عليه نحو ذلك، ولو أنّك سمّيت بعلاّمة أو فروقة، لم تصرفه للتأنيث والتعريف.

المجذامة من الأدلاّء: الشّديد السّير، القطّاع للأرض، والجذم: القطع.

والمطرابة: الذى يكثر الطّرب.

والمعزابة: الذى يطيل العزوب عن أهله، أى يغيب عنهم في الرّعى وغيره.

والهلباجة: الكسلان النّوّام.

والفقاقة: الأحمق المخلّط فى كلامه، وهو الفقفاق أيضا، والعامّة تغلط فتقول: بقباق.

والجخابة: قريب منه فى الحمق، دون التخليط فى الكلام، وكلاهما فعالة بوزن سحابة.

ونعود الآن إلى ذكر ما كنّا فيه من حذف اللامات، فنقول: أصل شاة:

شوهة، ساكنة الواو، لما عرّفتك من أن السكون هو الأصل، فلا يسوغ العدول عنه، والدليل على أن لامها هاء قولهم فى تحقيرها: شويهة، وفى تكسيرها: شياه، وحكى أبو زيد أنهم يقولون: تشوّهت شاة: إذا صاد شاة، وأما قولهم: شاء، فإنه اسم للجمع، ليس بجمع، وقال قوم: أصله شاه، فأبدلوا من الهاء همزة، وهذا /قول مرغوب عنه؛ لأنك إذا حكمت به حكمت بالجمع بين إعلالين متواليين:

قلب واوها ألفا، وإبدال هائها همزة، وهذا لا يسلك به إلاّ طريق الشذوذ.

وجاء ذلك فى قولهم: ماء، أصله: موه، لقولهم فى تحقيره وتكسيره: مويه وأمواه، وصارت واوه ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ثم أبدلت هاؤه همزة، فحمل شاء على أنه اسم للجمع وليس بمشتقّ من شاة، أولى.

وكذلك قولهم: شاوىّ اسم للجمع، غير مأخوذ من لفظ شاة، وإن كان فيه بعض حروفها.

ولمّا حذفوا اللام من شاة، وهى الهاء من شوهة، وجاورت الواو تاء التأنيث، وجب فتحها، وآلت إلى شوة، فانقلبت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.

ومن زعم أن أصلها شوهة، فعلة مفتوحة العين، فليس قوله بشىء؛ لما ذكرته لك، من كون السكون أصلا، فلا يسوغ العدول عن الأصل ما وجد عنه مندوحة.

يدلّ أيضا على أن أصل واوها السكون انقلابها إلى الياء فى شياه، ولو كانت الواو فى الواحد متحرّكة صحّت فى الجمع، كما صحّت واو طويل وقويم، فى طوال وقوام، وانقلابها إلى الياء فى شياه، كانقلاب واو حوض، وواو ثوب، فى حياض وثياب، وذلك أنّ انقلاب الواو ياء فى فعال، إذا لم يكن مصدرا كجوار وحوار، يحتاج إلى خمس شرائط، إحداهنّ: أن يكون هذا المثال جمعا، فإن كان واحدا صحّت الواو فيه، وذلك نحو سوار وخوان.

والثانية: أن تكون الواو فى واحده ساكنة، كواو ثوب وحوض، فإن تحرّكت فى الواحد صحّت فى الجمع، كواو طويل وقويم.

والثالثة: أن تقع بعدها ألف فى الجمع، فإن لم يكن بعدها ألف صحّت، وذلك قولهم فى جمع زوج وجمل عود: زوجة وعودة.

والرابعة: أن تكون لامه صحيحة، كلام ثوب وحوض، فإن كانت معتلّة فى الواحد صحّت فى الجمع، كقولهم/فى جمع ريّان وطيّان: رواء وطواء، فعال

من الرّىّ والطّوى، وهو خلوّ البطن من الطعام، وقد تقدّم ذكره.

والخامسة: وجود الكسرة قبلها فى الجمع، فإن عدمت الكسرة صحّت كواو أثواب وأحواض.

وإنما اعتلّت الواو في الجمع وصحّت فى الواحد؛ لأن الجمع ثقيل، فقلبوا فيه الحرف الأثقل إلى الأخفّ، وأعلّوها فى الجمع؛ لسكونها فى واحده، لأنّ سكون الحرف يضعفه، ألا ترى أن منهم من يصحّح الواو الزائدة إذا كانت متحرّكة فيقول فى تحقير جدول وقسور: جديول وقسيور، وأجمعوا على قلب واو عجوز فى التحقير، لضعفها بالسكون.

وأما علّة قلبها إلى الياء مع وجود الألف بعدها فى ثياب ونحوه، ولم تقلب فى عودة ونحوه؛ فإنّ الألف أقرب إلى الياء منها إلى الواو، فهى أشبه بها؛ لأن الياء من وسط اللسان، والواو من الشفتين، والألف من الحلق، واعتلّت لوجود الكسرة قبلها؛ لأن الكسرة مجانسة للياء، فاجتذبت الواو إلى الحرف الذى هو مجانسها.

ووجه اعتلال الواو فى ثياب وصحّتها فى رواء، أنّهم قد أعلّوا لام رواء، بقلبها إلى الهمزة، فلو أعلّوا واوه فقالوا: رياء، جمعوا بين إعلالين متواليين، وذلك إنما يكون نادرا.

فإن قيل: فلم أعلّت اللام فى رواء وطواء، دون العين؟

قيل: لضعف اللام بالتطرّف، ألا ترى أنّ من يصحّح عين أسود فى التحقير فيقول: أسيود، لا يقول فى تحقير عروة إلاّ عريّة، فيعلّها لكونها لاما.

هذا الفصل اقتضى ذكره الدّلالة على أنّ شاة أصلها شوهة، ساكنة الواو، وكذلك شفة، أصلها شفهة، مثل جفنة، على ما قرّرناه من الأخذ بالسكون حتى يقوم دليل على الحركة.

وأما الدّلالة على كون لامها هاء، فظهور الهاء فى/التحقير

والتكسير والتصريف، وذلك قولهم: شفيهة وشفاه، وشافهته مشافهة وشفاها.

وسنة أصلها سنوة، فى أشيع اللّغتين، لقولهم فى جمعها: سنوات، وفى تحقيرها: سنيّة، وفى الفعل منها: سانيت مساناة.

والياء فى سانيت أصلها الواو، ولكنها لمّا وقعت رابعة صارت إلى الياء، وكذلك سنيّة أصلها سنيوة، فلما اجتمعت مع الياء، والياء ساكنة قلبت ياء، فوجب الإدغام.

وأصلها فى لغة بعض العرب: سنهة، فظهرت الهاء فى تصريف الفعل منها، قالوا: سانهت مسانهة.

وحكى بعض النحويّين فى جمعها: سنهات، وفى تحقيرها: سنيهة.

ويقوّى كون لامها واوا أنها من الأسماء المؤنّثة، التى جمعوها بالواو والنون، عوضا من المحذوف منها، وإنما عوّضوها الجمع بالواو وبالياء، فقالوا: سنون وسنين وثبون وثبين؛ لأن المحذوف من هذه المنقوصات إنما هو فى الأغلب واو أو ياء.

ومنهم من جعل النون فى جمع سنة حرف الإعراب، وألزمها الياء، وأثبت النون فى الإضافة، ورفعها ونصبها وخفضها ونوّنها، تشبيها لها بنون غسلين، فقالوا:

أقمت عنده سنينا، وعجبت من سنين زيد، وأعجبتنى سنينك، قال:

دعانى من نجد فإنّ سنينهلعبن بنا شيبا وشيّبننا مردا
للشاعر الصَمَّة القُشَيري، اقرأ القصيدة

وأما «أمة» فالمحذوف منها واو، فأصلها: أموة، بدلالة ظهور الواو فى

جمعها الذى جاء على فعلان، قالوا: إموان وإماء، وفى جمع القلّة: آم، قال الشاعر:

أمّا الإماء فلا يدعوننى ولداإذا ترامى بنو الإموان بالعار

وقال السّليك:

يا صاحبيّ ألا لا حيّ بالوادىإلاّ عبيد وآم بين أذواد
للشاعر السليك بن السلكة، من قصيدة «وأذعر كلاباً يقود كلابه»

ولم يعوّضوها الجمع بالواو والنون، حملا على نظائرها من هذه المنقوصات المؤنّثة، وعلّل أبو علىّ ذلك بأن قال: «لم يقولوا: إمون، حيث كسّر على ما ردّ الأصل؛ لأن الجمع بالواو والنون إنما كان يلحق عوضا ممّا حذف منها، وأفعل يجرى مجرى المفرد، فكأنّ مفرده لم يلحقه حذف».

وأقول فى تفسير كلامه هذا: إنه أراد أنه العرب لم يقولوا فى جمع أمة: إمون، كما قالوا فى جمع سنة: سنون، وإن كان الحذف قد لحق لام أمة، كما لحق لام سنة، لأنّ لام أمة قد أعيدت فى جمع القلّة الذى هو أفعل، فقالوا: رأيت آميا، وقد جاءت الآمى، وأفعل بمنزلة الواحد فى لحاق التصغير له، كقولهم فى أكلب:

أكيلب، فلم يعوّضوا أمة الجمع بالواو والنون، كما عوّضوا سنة ونظائرها؛ لأن رجوع ما حذف من المفرد إلى جمع بناء القلّة، كرجوعه إلى المفرد.

وأقول: إن هذا التعليل ينفسخ بأن الواو المحذوف من سنة، قد أعيد فى

قولهم: سنوات، وهو جمع قلّة يشبه مفرده، فى أن التصغير يلحقه كما يلحقه.

والوجه عندى في تعليل ذلك أنهم إنما استجازوا أن يقولوا فى جمع سنة:

سنون، ولم يستجيزوا أن يقولوا فى جمع أمة: إمون؛ لأن تأنيث سنة وثبة ونظائرهما غير حقيقى، وتأنيث أمة حقيقيّ، لا فرق بينه وبين تأنيث امرأة، وإذا كانت هند، وتأنيثها غير تأنيث أمة، لخلوّها من علامة تأنيث، أبوا أن يقولوا فى جمعها:

هندون، فكيف يجوز أن يقال فى جمع أمة: إمون، وإذا كان طلحة، وهو اسم رجل، لم يقولوا فى جمعه: طلحتون ولا طلحون، فكيف يجوز فى أمة، وهو اسم واقع على امرأة، فهو مؤنّث لفظا ومعنى، أن يجمعوه بالواو والنون، فيجامع التأنيث الحقيقيّ علامة التذكير؟ ألا ترى أنه يجوز أن يقال: خرج السّنة، ولا يقال: خرج الأمة، إلا فى حال اضطرار مع الفصل، كما قال:

/*لقد ولد الأخيطل أمّ سوء ...

فكلّ ما جمعوه بالواو والنون من المنقوصات المؤنّثة، وغير المنقوصات، كأرض وحرّة، والحرّة: الأرض التى بها حجارة سود، وإنما استجازوا فيه ذلك؛ لأن تأنيثه غير حقيقىّ، ثم إنهم غيّروا فى الجمع لفظ شيء من هذا القبيل، بتغيير حركة أو زيادة حركة، أو زيادة حرف، ليقرب بذلك من جمع التكسير، فالذى غيّروا حركته سنة وقلة وثبة، كسروا أوائلهنّ فى الجمع.

وأما قولهم في جمع أرض: أرضون؛ فلأنهم نزّلوا تاء التأنيث منزلة الحرف الأصلي، ففتحوا عينها فى الجمع، وكان التغيير بفتح أوسطها أحسن من تغيير حركة

أولها؛ لأنهم لو جمعوها جمع الأسماء المؤنّثة لقالوا: أرضات، ففتحوا الراء، كما قالوا: جفنات.

وأما قولهم فى جمع حرّة: إحرّون؛ فلأنّ المضاعف يعتلّ، ألا ترى أنهم يفرّون من التضعيف إلى إبدال أحد حرفيه ياء، كقولهم فى تظنّنت وتسرّرت:

تظنّيت وتسرّيت، ويخفّفونه فى القوافى كقول طرفة:

ففداء لبنى قيس علىما أصاب الناس من سرّ وضرّ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أصحوت اليوم أم شاقتك هر»
ما أقلّت قدمي إنّهمنعم الساعون في الأمر المبرّ

وشبيه بذلك قولهم: امرؤ وامرأة، ألحقوهما همزة الوصل، وإنما تلحق همزة الوصل عوضا من محذوف، وجاز ذلك فيهما من غير أن يلحقهما حذف؛ لأن الهمزة يلحقها التخفيف، بجعلها بين بين، وبالإبدال منها ساكنة ومتحرّكة، فالساكنة كهمزة كأس وبئر ولؤم، والمتحركة كهمزة جؤن وذئب، جمع جؤنة وذئبة، ويلحقها الحذف لازما وجائزا، فاللازم حذفها من نرى وترى وأخواتهما، إذا قلت: نرى، وترى، والجائز حذفها للتخفيف، فى نحو كم بلك؟ ومن خوك؟ تريد: كم إبلك؟ ومن أخوك؟

فلمّا تعاورها التّليين والإبدال والحذف/تنزّل الاسم الذى هي فيه منزلة الاسم الذى دخله الحذف، فعوّض همزة الوصل.

ومن قال من العرب: إحرّون، فقوله أقيس من قول من قال: حرّون؛ لأنه

زاد فى أول الكلمة حرفا، حرصا على التغيير، فوافق الحرف المزيد فى أول الجمع الحركة فى أول سنين، كما اتّفق الحرف والحركة فى غير هذا وذلك، كاتّفاق حركة وافقت فتحة العين من قدم، علما لامرأة، والباء من زينب، فى منع الصرف، وكما وافقت فتحة العين من جمزى الألف الخامسة من جمادى فى الحذف، إذا نسبت إليهما فقلت: جمزىّ، كما قلت: جمادىّ، وكما وافق الحرف الحركة فى الحذف للجزم، إذا قلت لم يدع ولم يرم ولم يخش، كما قلت: لم ينطلق.

قال أبو بكر بن دريد: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: لمّا فرغ عليّ صلى الله عليه من حرب الجمل، فرّق على رجال أبلوا، فأصاب الرجل منهم خمس مائة درهم، وكان ممّن أخذ رجل من بنى تميم، فلما خرج إلى صفّين خرج ذلك الرجل معه، فعضّته الحرب، فلمّا رجع إلى الكوفة قالت له ابنته: أين خمس المائة التى أعطيتها؟ فأنشأ يقول:

إنّ أباك فرّ يوم صفّينلمّا رأى عكّا والأشعريّين
وحاتما يستنّ فى الطائيّينوذا الكلاع سيّد اليمانين
وقيس عيلان الهوازنيّينقال لنفس السّوء هل تفرّين
لا خمس إلاّ جندل الإحرّينوالخمس قد جشّمنك الأمرّين

جمزا إلى الكوفة من قنّسرين

والضّعة من ذوات الواو، لقولهم فى جمعها: ضعوات، وهى ضرب من الشجر، قال:

/متّخذا من ضعوات تولجا

التّولج: السّرب، شبّه ما يجعله الوحشىّ عليه من الشجر ظلّة بالسّرب، وأصله: وولج، فوعل من الولوج، أبدلوا واوه تاء كما أبدلوها تاء فى تراث وتقاة وتجاه وتخمة وتهمة، وفى تالله.

وقيل فى «التّوراة» إن أصلها: ووارة، وكانت وورية، فوعلة، من قولهم:

ورى الزّند: إذا أظهر النار؛ لأن التّوراة نور، فأبدلوا واوها تاء وياءها ألفا.

وتراث أصله وراث، وتجاه: وجاه، فعال من ورث وواجه، وتقاة أصلها وقية، فعلة من وقيت، وكذلك تخمة أصلها وخمة، فعلة من الوخامة، وتهمة من توهّمت، وتكأة من توكّأت، وقالوا: ضربه حتى أتكأه، أصله أوكأه، وقالوا:

تكلان، أصله وكلان، فعلان من توكّلت.

وقال بعض العرب فى تولج: دولج، أبدلوا الدال من التاء، لتقاربهما فى المخرج، كما أبدلوا الدال تاء فى قولهم للناقة الذّلول: تربوت، وأصلها دربوت، فعلوت من الدّربة، وهى العادة، لأنّ الدّلول مدرّب، وقيل: هي فعلوت، من التّراب، للينها وذلّها.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.