من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الخامس والخمسون يتضمّن ذكر فصول من الحذف للترخيم، وتفسير أبيات من الباب
فصل
إذا كان قبل آخر الاسم واو أو ياء أو ألف حذفته مع الطّرف
، باجتماع أربع شرائط، الأولى: سكون حرف العلّة، الواو والياء.
والثانية: بقاء الاسم بعد الحذف على ثلاثة أحرف، فما زاد.
والثالثة: أن يكون الحرف المعتلّ زائدا، لا أصلا.
والرابعة: أن يكون ما قبل الواو مضموما، وما قبل الياء مكسورا.
فهذه الشرائط مجتمعة فى منصور ومسعود ومحمود وموهوب، وفى عمّار وسلاّم وحمّاد وعبّاد، وفى مسكين ومعطير ومحضير وزحليل، إذا نقلن إلى العلميّة-كما قالوا: مسكين الدارميّ -رخّمن، قالوا: امرأة معطير، أى كثيرة التعطّر، وفرس محضير، أى شديد الحضر، وهو العدو، وزحليل: زلاّقة الصّبيان.
تقول: يا منص ويا مسع ويا محم ويا موه، ويا عمّ ويا سلّ ويا حمّ ويا عبّ، ويا مسك ويا معط/ويا محض ويا زحل، بحذف حرف العلّة، إتباعا للطّرف، وتبقى الفتحة فى عمّار ونظائره، والكسرة فى مسكين ونظائره، على لغة من قال: يا حار، وتضمّها فى اللغة الأخرى.
وأما ضمّة الصاد فى قولك: يا منص، فتختلف تقديرا، فتكون فى لغة من قال: يا حار، هى الضمّة الأصلية، وفى لغة من قال: يا حار، هى ضمّة حادثة كالضمّة فى قولك: يا زيد، كما أن كسرة الهاء فى قولك: ناقة هجان ككسرة الكاف من كتاب، والكسرة فيها إذا قلت: نوق هجان -وهى البيض الكرام-ككسرة الكاف من كلاب، وكما أن ضمّة الفاء من الفلك فى قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ غير ضمّة الفاء منه، فى قوله: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ لأن ضمّة الفاء من ﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ضمّة الواحد، فى نحو قفل وبرد، وضمّة فائه فى الآية الأخرى ضمّة الجمع من نحو حمر وخضر.
فإن رخّمت مختارا ومنقادا وما أشبههما، مما ألفه أصليّة منقلبة عن ياء عين، أو واو عين، نحو مغتاظ ومعتاد، لم تحذف ألفه كما حذفت ألف حمّاد وعمّار، ألا ترى أن مختارا أصله: مختير مفتعل، أو مختير مفتعل من الاختيار، ومنقادا أصله: منقود، منفعل من القود، فلما لم تكن زائدة أقرّت فقيل: يا مختا، ويا منقا.
وكذلك تبقى حرف العلّة إذا كان يبقى بعد حذفه حرفان، وذلك فى نحو سعيد وجميل وعقيل، وهلال وبلال، وثمود وعجوز، إذا سمّيت به، تقول: يا سعى ويا جمى ويا عقى، ويا هلا ويا بلا ويا ثمو ويا عجو، فى لغة من قال: يا حار، وفى اللغة الأخرى: يا ثمى ويا عجى، لأن المنادى فى هذه اللغة بمنزلة اسم تامّ، على ما عرّفتك، وذلك من حيث لم يكن المحذوف مرادا، وليس فى العربية اسم ظاهر معرب آخره واو قبلها ضمّة، فمتى أدّى إلى ذلك قياس رفضوه، فأبدلوا من ضمّته
كسرة، فصارت واوه ياء، كما فعلوا فى جمع دلو وحقو، [فقالوا: أدل وأحق] وأصلهما: أدلو، وأحقو، كأكلب، وإنما كرهوا/وقوع الواو طرفا بعد ضمّة، فى اسم يضاف تارة وينوّن تارة، وينسب إليه تارة.
فيعتوره التنوين إذا قيل: أدلو، والإضافة إلى ياء المتكلم إذا قيل: أدلوى، والاتصال بياء النّسب إذا قيل: أدلوىّ، فتتوالى فيه أشياء مستثقلة، الضمّة على اللام وبعدها ضمة الواو أو كسرتها مع التنوين، أو ياء المتكلم أو ياء النسب، ولم يستثقلوا ذلك فى الفعل، نحو يغزو، وسرو الرجل يسرو، من السّرو-وهو سخاء فى مروءة-وذلك لأن الفعل لا يلحقه شيء ممّا ذكرناه، وكذلك وقوع الواو المضموم ما قبلها فى آخر المضمر، نحو هو وهمو، وأنتمو، فى لغة من ألحق الميم الواو فى الوصل؛ لأن المضمرات لا يلحقها التنوين، ولا تضاف ولا ينسب إليها، ولا اعتراض بقولهم: أبوك وأخوك ونحوهما، لأن الواو فى هذا الضّرب إنما تثبت غير متطرّفة، ولا يلحقها مع ذلك حركة.
وأما ترخيم الذى قبل آخره واو أو ياء مفتوح ما قبلها، فالتغيير أيضا يلحقه فى لغة من قال: يا حار، بالضم، فمثال ذوات الواو: برذون، وخنّوص، وهو ولد الخنزير، وعجّول، وهو العجل.
ومثال ذوات الياء: غرنيق، وهو طائر، وجمّيز، وهو شيء يشبه التّين، وعلّيق، وهو شجر من الأراك، تقول فى لغة من قال: يا حار: يا برذو، ويا خنّو، ويا عجّو، ويا غرنى ويا جمّي ويا علّي، تدع الواو والياء بحالهما؛ لأن المحذوف مراد وتقول فى اللغة الأخرى: يا برذا، ويا خنّا، ويا عجّا، ويا غرنا، ويا علاّ، تقلب الياء والواو ألفا، لإرادة الحركة فيهما مع انفتاح ما قبلهما.
وأما ما قبل آخره حرف علّة متحرّك، فمثاله: حولايا، وبردرايا، وجرجرايا. وتقول فى ترخيم هذا الضّرب فى قول من قال: يا حار: يا حولاي، ويا بردراي، ويا جرجراي، فلا تحذف الياء لقوّتها بالحركة، ومن قال: يا حار، أبدل الياء همزة لتطرّفها بعد ألف زائدة، فقال: يا حولاء، ويا بردراء، ويا جرجراء.
/فإن كان فى آخر الاسم زائدان، زيدا معا حذفتهما معا، وذلك ينقسم إلى ضروب، أحدها: ما فى آخره الألف والنون الزائدان، كعثمان وعمران وسلمان وحمدان ومروان.
والثانى: ما فى آخره الألف والهمزة المبدلة من ألف التأنيث، كظمياء ولمياء وعفراء وأسماء، التى أصلها وسماء، مأخوذة من الوسامة، وهو الحسن والجمال وليست بأسماء، جمع اسم، لأن هذه زنتها أفعال.
والثالث: ما فى آخره الياءان المزيدتان للنّسب، كزيديّ ومكّيّ، علمين.
والرابع: ما فى آخره الواو والنون المزيدتان للجمع، كزيدون وحمدون.
والخامس: ما فى آخره الألف والتاء المزيدتان لجمع المؤنث، كهندات وصالحات، قال الفرزدق يخاطب مروان بن الحكم:
يا مرو إنّ مطيّتى محبوسةترجو الحباء وربّها لم ييأس
وقال آخر:
أفق عثم من بعض تعذالكا
وتقول فى حمراء علما وأسماء: يا حمر ويا أسم، قال:
يا أسم صبرا على ما كان من حدثإنّ الحوادث ملقى ومنتظر
وقال عمر بن أبى ربيعة:
قفى فانظرى يا أسم هل تعرفينهأهذا المغيرىّ الذى كان يذكر
وتقول فى مكّىّ: يا مكّ ويا مكّ، وفى حمراوىّ اسم رجل أو امرأة:
يا حمراو، فى لغة من قال: يا حار، فلا تحذف إلاّ ياء النّسب، كما لم تحذف من مرجانة ومكّيّة إلا تاء التأنيث، وتقول فى لغة من ضمّ: يا حمراء، تقلب الواو همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة.
وأهل التحقيق من البصريّين يقولون: لو سمّيت بحمراء هذه المرخّمة لصرفتها/فى التنكير، لأنّ همزتها ليست منقلبة عن ألف التأنيث، وإنما هى منقلبة عن واو منقلبة عن همزة منقلبة عن ألف.
ومما استجيز ترخيمه من النّكرات المقصود قصدها كلّ مؤنّث بالتاء، كقولك فى جارية وجالسة: يا جارى هلمّى، ويا جالس قومى، وجاء عليه قوله:
جارى لا تستنكرى عذيرىسيرى وإشفاقى على بعيرى
العذير: الأمر الذى يحاوله الإنسان فيعذر فيه، أى لا تستنكرى ما أحاوله معذورا فيه، وقد فسّره بالبيت الثانى، ويقولون: من عذيرى من فلان؟ أى من ينتحى باللائمة عليه، ويعذرنى فى أمره.
ولم يأت ترخيم منكّر قصد قصده إلا ترخيم «صاحب» وذلك لكثرة استعماله، وتشبيهه بالعلم؛ من حيث وهّنه النداء بالبناء، فاستجازوا فيه:
يا صاح، ولا يجوز: يا صاح، لأنّ من يضمّ المنادى يجعله بعد الحذف كاسم قائم بنفسه، لا دلالة فيه على المحذوف، فلم تحتمل النكرة أن يفعل بها هذا، قال امرؤ القيس:
أصاح ترى برقا أريك وميضهكلمع اليدين فى حبىّ مكلّل
الحبيّ: السحاب المشرف.
والمكلّل: الذى بعضه على بعض.
وأما النكرات التى لم يقصد قصدها، فلم يجز ترخيمها لشياعها، وأنها معربة، وكذلك المضاف كقولك: يا جعفر تميم، لم يجز ترخيمه؛ لأنه معرب فى النداء، ولأن المضاف والمضاف إليه كاسم واحد، فآخر المضاف بمنزلة وسط الاسم، ووسط الاسم لا يرخّم، ولا يجوز أنّ يرخّم المضاف إليه؛ لأنه ليس بمنادى.
وأجاز الكوفيون ترخيم المضاف إليه، وأنشدوا شاهدا عليه:
خذوا حذركم يا آل عكرم واذكرواأواصرنا والرّحم بالغيب تذكر
/رخّم عكرمة، فأجازوا على هذا فى سعة الكلام: يا أبا عرو أقبل، وهذا لا يجيزه البصريّون إلاّ فى الشّعر، ومثله مما أنشده البصريّون:
ألا ما لهذا الدّهر من متعلّلعن الناس مهما شاء بالناس يفعل
وهذا ردائى عنده يستعيرهليسلبنى عزّى أمال بن حنظل
أراد: يا مالك بن حنظلة، فرخّم حنظلة، على لغة من قال: يا حار، فجعله اسما قائما بنفسه متصرّفا، فخفضه بعد الترخيم، لخروجه عن النداء.
الآصرة: القرابة، أو إسداء منّة، يقال: ما يعطفنى على فلان آصرة، أى ما يعطفنى عليه قرابة ولا منّة أسداها إليّ، والعرب تقول: فلان يستعير رداء فلان، إذا أراد أن يبقى بعده، وفلان قد استعار رداء أخيه، إذا بقى بعده.
وممّا رخّمته العرب فى غير النداء، فضالة وكلدة، فى قول أوس بن حجر:
وفدت أمّى وما قد ولدتغير مفقود فضال بن كلد
ومنه قول آخر:
أرقّ لأرحام أراها قريبةلحار بن كعب لا لجرم وراسب
وأنشد أبو العباس المبرّد:
علىّ دماء البدن إن لم تفارقىأبا حردب ليلا وأصحاب حردب
قال: والاسم حردبة، فرخّمه على لغة من قال: يا حار، ومنع المبرّد من الترخيم فى غير النداء على لغة من قال: يا حار، بالكسر، وأنشد بيتا أنشده سيبويه مرخّما فيه «أمامة»، على هذا المذهب، وهو:
ألا أضحت حبالكم رماماوأضحت منك شاسعة أماما
قال: هكذا وضعه سيبويه، ولا وجه له، وإنما الشعر:
وما عهد كعهدك يا أماما
وأنشد المبرّد قول عنترة:
يدعون عنتر والرّماح كأنهاأشطان بئر فى لبان الأدهم
بضم الراء وفتحها، ثم قال: وذهب أحد من يقول: «عنتر والرّماح» إلى أن اسمه عنتر فى أصل وضعه، ولم تكن فيه هاء التأنيث، قال: وكذلك يقولون فى قول ذى الرّمّة:
ديار ميّة إذ ميّ تساعفناولا يرى مثلها عجم ولا عرب
إنه كان مرّة يسمّيها ميّا، ومرّة يسمّيها ميّة.
قال: ويجوز أن يكون أجراه فى غير النّداء على: يا حار، ثم صرفه لمّا احتاج إلى صرفه، قال: وهذا الوجه عندى، لأنّ الرواة كلّهم ينشدون:
فيا ميّ ما يدريك أين مناخنامعرّقة الألحى يمانية سجرا
انتهى كلامه.
وأقول: إنّ من زعم فى روايته «يدعون عنتر والرّماح» أن الأصل: عنتر، فزعمه محال، لقوله:
أنا الهجين عنترهكلّ امرئ يحمى حره
أسوده وأحمرهوالشّعرات الواردات مشفره
والوجه عندى: يدعون عنتر، مفتوح الراء، وذلك يحتمل وجهين.
أحدهما: أن يكون منادى مرخّما على لغة من يقول: يا حار، بالكسر، لأنّ الدعاء قول، فكأنه قال: يقولون يا عنتر، وحذف حرف النداء، كما جاء فى التنزيل: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي﴾.
والوجه الثانى: أن لا يكون منادى، بل يكون مفعولا، والناصب له يدعون، فى غير النداء، على: يا حار، كما قال أوس بن حجر: «فضال بن كلد» وكما قال الآخر: «لحار بن كعب»
وأمّا من قال: يدعون عنتر، بالضم، فرخّم على لغة من قال: يا حار، كما تقول: /يا طلح أقبل.
وأمّا قول ذى الرّمّة: «إذ ميّ تساعفنا» فيحتمل الوجهين اللذين ذكرهما المبرّد.
أحدهما: أنه كان يسمّيها مرّة ميّة، ومرّة ميّا، فيصرف «ميّا» كما يصرفون دعدا، لأنه ثلاثيّ ساكن الأوسط، ويجوز أن يكون مرخّما فى غير النداء، على لغة من قال: يا حار، وصرفه كما صرف الآخر حنظلة، فى قوله: «أمال بن حنظل» وكما قال الآخر:
أبا حردب ليلا وأصحاب حردب
واعلم أن الشاعر إذا اضطرّ إلى الترخيم فى غير النداء، فإنه من الضرورات المستقبحة؛ لأن الترخيم إنما يستحقّه المنادى، وليس كلّ منادى يرخّم، وإذا لم يكن كلّ منادى يرخّم، فغير المنادى بعيد من الترخيم، فمن اضطرّ إليه فجعل الاسم قائما بنفسه، فهو أسهل؛ لأنه كأنه غير مرخّم إذا لم يبق فيه للترخيم دلالة، كقوله:
أبا حردب ليلا وأصحاب حردب
ومن ترك فيه دلالة على الترخيم، فقد أساء؛ لمخالفته للأصول، وإنما يجوز فى الضرورات مراجعة الأصول، كصرف مالا ينصرف، وكقصر الممدود؛ لأن القصر هو الأصل، كما أن الصرف فى الاسم هو الأصل، فإذا رخّمت فى غير النداء على قول من قال: يا حار، بالضم، فهو الأوجه؛ لأن من يقول هذا يجعل الاسم بمنزلة ما لم يحذف منه شيء، فهو لا يريد المحذوف، فهذا أشبه بالخبر، فإذا وقع الحذف
منه على لغة من يقول: يا حار، فالمحذوف مراد، فالخبر والنداء يتجاذبانه، فالنداء يجذبه من قبل اللفظ، والخبر يجذبه من جهة المعنى، وسيبويه أجاز ذلك فى الشّعر، على بعده، وأنشد عليه:
وأضحت منك شاسعة أماما
على ما سمعه من العرب، وإن كان بعيدا فى القياس، وفيما أنشده سيبويه أيضا من هذا قوله:
أتانى عن أميّ نثا حديثوما هو في المغيب بذى حفاظ
وأنشد:
إنّ ابن حارث إن أشتق لرؤيتهأو أمتدحه فإن الناس قد علموا
وأنشد لابن أحمر:
أبو حنش يؤرّقنى وطلقوعمّار وآونة أثالا
قال: أراد: أثالة
وقال بعض اللغويّين: ليس فى العرب أثالة علما، وإنما هو أثال، سمّى بجبل يقال له: أثال.
وقال المبرّد: ذهب سيبويه إلى أنّ أثالا مرخّم، وليس القول عندى كما قال، ولكنه نصبه لأنه مفعول معطوف على ما قبله من الضمير المنصوب.
فهذا القول من المبرّد وفاق لقول من زعم أنه ليس فى العرب أثالة علما، فإن صح هذا فقد بطل كونه مرخّما، وبطل أيضا قول أبى العباس إنه مفعول معطوف على المضمر المنصوب فى قوله: «يؤرقنى» لأن أثالا من الجماعة المؤرّقين لابن أحمر، فلم يرد يؤرّقنى ويؤرّق أثالا، فإنما ذكر عظيم ما يلاقيه لفراق هؤلاء المذكورين من الشوق والسّهر، إن كانوا فارقوه أحياء، أو ما يلاقيه من الهمّ والحزن، إن كانوا فارقوه بالموت، كما قال بعض رواة شعره، ولم يخبر ابن أحمر بما فى قلب أثال، وما يقاسيه من الأرق أوانا بعد أوان، لفراق أبى حنش وطلق وعمّار.
وإذا بطل قول سيبويه، وقول أبى العباس أن أثالا من المؤرّقين، وثبت أنه من المؤرّقين، فانتصابه بفعل مضمر دلّ عليه الكلام، تقديره: وأتذكّر آونة أثالا، وقد مرّ بى أن الأثالة من الشىء بقيّته، إلاّ أنهم نصّوا على أن العرب لم يسمّوا به.
وزعم بعض رواة الشعر وأخبار العرب، أن هؤلاء الأربعة أصيب بهم ابن أحمر.
وقال راوية آخر: ليس الأمر على ما قال؛ لأن فى الشعر الذى فيه هذا البيت ما يدلّ على أنهم فارقوه أحياء، /وذلك قوله:
وأيام المدينة ودّعونافلم يدعوا لقائلة مقالا
فأيّة ليلة تأتيك سهوافتصبح لا ترى منهم خيالا
ليلة سهو: أى ليّنة ساكنة، وقوله: «أية ليلة» استفهام مراد به النفى، أى ما من ليلة تأتيك ساكنة ليس فيها مانع من الرّقاد إلاّ وأنت ترى فيها خيالاتهم، ثم قال:
أبو حنش يؤرّقنى وطلقوعمّار وآونة أثالا
أراهم رفقتى حتى إذا ماتجافى اللّيل وانخزل انخزالا
تجافى الليل: تقضّى، وانخزل: انقطع.
إذا أنا كالذى يسعى لوردإلى آل فلم يدرك بلالا
أراد: أراهم فى المنام كأنهم رفقة لى، فإذا تقضّى الليل كنت كساع إلى سراب ظنّه ماء، فلم يدرك ما يبلّ شفته.
ثم مدحهم فقال:
غطارف لا يصدّ الضيف عنهمإذا ما طلّق البرم العيالا
غطارف: جمع غطريف، وهو السيّد المفتخر، يقال: تغطرف، إذا افتخر، وكان حقّ جمعه غطاريف، فحذف الياء، كما حذفها الآخر من الخلاخيل، فى قوله:
لم يبق إلاّ الغبط والخلاخل
الغبط: جمع غبيط، وهو المحمل، قال:
تقول وقد مال الغبيط بنا معاعقرت بعيرى يا امرأ القيس فانزل
أى لم تدع شدّة السّير إلاّ المحامل والخلاخل، وبالعكس من حذف الياء من لغطاريف والخلاخيل، إثباتها فى الصياريف من قوله:
تنفى يداها الحصى فى كلّ هاجرةنفى الدّراهم تنقاد الصّياريف
وقد روى بعضهم: نفي الدّراهيم، وهذا يقوله من يأبى طبعه الزّحاف.
وقوله: «لا يصدّ الضيف عنهم» أى ينزل بهم الضيف إذا طلّق البرم عياله، وذلك فى سنة الجدب؛ لأن البرم هو الذى لا يدخل مع القوم فى الميسر، فيقامر فى نحر الجزر لشحّه.
أرى ذا شيبة حمّال ثقلوأبيض مثل صدر السّيف نالا
رجل نال: إذا كان ذا نائل، كقولهم: رجل مال: إذا كان كثير المال، وما جاء من هذا الضّرب فأصله: فعل، نول ومول، ومثله: يوم طان، ويوم راح، أى ذو طين وذو ريح.
وبيض لم يخالطهنّ فحشنسين وصالنا إلاّ سؤالا
أى تركن وصالنا إلاّ السّؤال عنّا، ومثل نسين بمعنى تركن، قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ أى ترك، ومثله: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ أى تركوا طاعة الله فتركهم من رحمته.
وجرد يعله الدّاعى إليهاإذا ركب الفوارس أو متالا
يعله إليها: أى يذهب قلبه إليها، يقال: رجل علهان، وامرأة علهى.
وقوله: أو متى لا، أراد: أو متى لم يركبوا، فوضع «لا» فى موضع «لم» وحذف الجملة، ومثل وضعه «لا» فى موضع «لم» قول الآخر:
لاهمّ إنّ الحارث بن جبلهزنى على أبيه ثمّ قتله
وكان فى جاراته لا عهد لهفأيّ أمر سيّئ لا فعله
أى لم يفعله، ومثله فى التنزيل: ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أى فلم يقتحم، وأجود ما يجيء ذلك مكرّرا، كقوله: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى﴾ أى: فلم يصدّق ولم يصلّ، ومنه قول الراجز:
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّاوأيّ عبد لك لا ألمّا
/أى لم يلمّ بالذّنوب.
وقوله: «زنى على أبيه» أى زنا بامرأته.
فهذا ما أدّى إليه بيت عمرو بن أحمر الباهلي، من الفوائد، وإن كان قد تقدّم ذكر هذا البيت فيما أمليته قبل.
وأمّا قول عنترة: «أنا الهجين» فالهجين: الذى أبوه عربيّ وأمّه غير عربيّة.
وقوله:
كلّ امرئ يحمى حره
أراد يحمى نساءه، فكنى عن النساء بما لا يكون إلا لهنّ.
وقوله:
أسوده وأحمره
أراد سودهنّ وبيضهنّ، لأنهم إذا قالوا: الأسود والأحمر، أرادوا بالأحمر الأبيض، وقال النبيّ ﵇: «بعثت إلى الأسود والأحمر».
وأما قول ذى الرّمّة:
أيا ميّ ما يدريك أين مناخنامعرّقة الألحى يمانية سجرا
فقوله: «مناخنا» معناه: إناختنا، كقولهم: المقام بمعنى الإقامة، والمدخل والمخرج، بمعنى الإدخال والإخراج، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾.
ونصب «معرّقة» بالمصدر الذى هو المناخ.
والألحى: جمع اللّحى.
ومعرّقة: من قولهم: عرقت العظم: إذا أخذت ما عليه من اللّحم.
والسّجر: جمع سجور، وهى الحنون من النّوق، يقال: سجرت الناقة:
إذا حنّت إلى ولدها وإلى عطنها الذى ألفته، ويجوز أن تكون السّجر جمع سجراء،
وهى البيضاء التى تخالط بياضها حمرة، ويقال أيضا: عين سجراء، إذا كانت بهذا الوصف.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع