تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الثالث والخمسون يتضمّن ذكر ما لم نذكره من حذف اللامات

، التى عوّضوا منها، وما حذف على طريق الشذوذ من الياءات، التى هى لامات.

فمن الضّرب الأول: الاسم، فالمحذوف منه عند البصريّين لامه، وهى واو واشتقاقه عندهم من السّموّ، لأن المسمّى يرتفع ذكره باسمه فيعرف به، وإذا جهل اسمه كان خاملا، ومن هذا المعنى يقال: فلان له اسم، إذا كان شهيرا، وفيه لغات، أعلاها: اسم؛ لأن التنزيل جاء به، والثانية: سم، مكسور السين، والثالثة: سم، بضمّها، والرابعة: سما، مضموم الأول، مقصور كهدى، ومنهم من يقول: اسم، فيضمّ همزته، وهى قليلة، قال الراجز.

باسم الذى فى كلّ سورة سمه

وقال آخر، فضمّ السين وأثبت اللام:

لأحسنها وجها وأكرمها أباوأسمحها كفّا وأعلنها سما

ومثله:

الله أسماك سما مباركا

وقال آخر، فضمّ السين وحذف اللام:

وعامنا أعجبنا مقدّمهيدعى أبا السّمح وقرضاب سمه

القرضاب: الفقير، وهو القرضوب أيضا

ومثال اسم، فى أصل وضعه: سمو، فعل، مكسور الأول ساكن الثاني، مثل جذع، أو سمو، فعل، مثل قفل، فى لغة من قال: سم، فضمّ السين ولم يفتح الميم، أو سمو، فعل، مثل رطب، فى قول من/فتح ميمه، فصارت واوه ألفا، وجمعوه على أفعال.

فمن كسر أوله، كان كأجذاع وأعدال، ومن ضمّ أوله وحذف واوه فلم يقلبها، كان كأبراد وأقفال، ومن ضمّ أوله وقلب واوه، كان كأرطاب وأرباع، جمع الرّبع، وهو ولد الناقة التى تلده فى الرّبيع.

ومن قال: اسم، فإنه حذف لامه، وأسكن فاءه، واجتلب له همزة الوصل عوضا من المحذوف، كما فعلوا ذلك فى ابن واست ونحوهما.

ومن قال: سم وسم، لم يعوّض، كما لم يعوّضوا فى أب وأخ ونحوهما.

وخالف الكوفيّون البصريّين فى اشتقاقه، فزعموا أن المحذوف فاؤه، وأخذوه من السّمة، فوزن سم وسم على قولهم: عل وعل، وكذلك اسم: إعل، وأصله وسم أو وسم، قالوا: لأنّ السّمة العلامة، والاسم علامة تدلّ على المسمّى.

وهذا القول صحيح فى المعنى، فاسد من جهة التصريف، وذلك أنك إذا صغّرته أو كسّرته أو صرّفت منه فعلا، رددت المحذوف منه إلى موضع اللام، ولو كان من السّمة كما زعموا رددت المحذوف إلى موضع الفاء، ألا ترى أنك تقول فى تصغيره: سميّ، وفى تكسيره: أسماء، وفى الفعل منه: سمّيت، ولو كان من السّمة ردّوا المحذوف منه أوّلا، فقالوا: وسيم، وأوسام، ووسمت.

ودليل آخر يسقط ما قالوه، وهو أنك لا تجد فى العربية اسما حذفت فاؤه وعوّض همزة الوصل، وإنما عوّضوا من حذف الفاء تاء التأنيث، فى عدة وزنة وثقة، ونظائرهنّ.

وممّا احتجّوا به على مذهب البصريّين، فى اشتقاقهم الاسم من السّموّ، أنهم قالوا: قد وجدنا من الأسماء أسماء تضع من مسمّياتها كقرد وكلب وجرو، وعوسج وشوك.

وليس هذا الذى تعلّقوا به بشىء؛ لأن هذه الأسماء علّقت على أجناس وضيعة، فالوضاعة لاحقة بها من الجنسيّة، لا من جهة الاسميّة، /ألا ترى أنهم قد سمّوا بكلب وكلاب، وعوسجة، وكنّوا بأبى الشّوك، فلم يضع ذلك من المسمّين والمكنّين، وجرى مجرى تسميتهم ببدر وهلال ومطر وأسد.

قيل لعلىّ بن عيسى الرّمّانىّ: لم عوّضوا فى اسم وابن، ولم يعوّضوا فى أب وأخ؟

فقال: كراهة إدخال ألف الوصل على ألف الأصل.

أراد أنهم لو أسكنوا أوّلهما واجتلبوا لهما الهمزة الوصليّة صارت همزتاهما ياءين، لانكسار الهمزة قبلهما فقيل: إيب وإيخ.

وأمّا «است» فأصلها: سته، مفتوحة العين، بزنة قدح، بدلالة جمعها على أفعال كأقداح.

فإن عورض هذا القول بأنها يجوز أن يكون أصلها: سته كعدل، أو سته كبرد، وكلاهما قياسه فى الجمع أفعال.

قيل: لا يجوز ذلك؛ لقولهم فى اللغة الأخرى: سه، ففتح السين فى هذه اللغة مقطوع به على أن أصلها سته، فعل.

ووزن سه: فل، ودلّ على أنّ المحذوف منها هاء، ظهور الهاء فى سه، وفى

جمعها وتصغيرها وما صرّف منها، كقولهم: رجل استه، وستهم، بمعنى استه، وامرأة ستهاء، والميم فى ستهم زائدة، كما زيدت فى زرقم.

ولمّا حذفوا لامها صارت إلى ست، بوزن فع، فأسكنوا فاءها، واجتلبوا لها همزة الوصل تعويضا من محذوفها.

وأما «ابن» فأصله: بنو، فعل، مفتوح العين، بدلالة جمعه على أفعال، كأجبال، فلا يجوز أن يقال: إنّ أصله بنو، بكسر أوّله وسكون ثانيه، بدلالة كسر بائه في بنت، فيكون كقنو، وجمع على أبناء، كأقناء، لأن هذا يبطل بفتح الباء فى بنين وبنات وبنويّ.

/وأكثر النحويّين حكموا بأن المحذوف منه واو، واستدلّوا بظهور الواو فى البنوّة.

وقال آخرون: ليس ظهور الواو فى البنوّة بدليل على أنّ لامه واو؛ لقولهم فى مصدر الفتى: الفتوّة، ولامه ياء، بدلالة ظهور الياء فى فتيان وفتيان وفتيات، قالوا:

وإذا لم يكن فى البنوّة دلالة على الواو، فأصله بنى، فعل من بنيت، لأن الابن مبنىّ على الأب، وهذا قول، وإن كان معظم النحويّين على القول الأول.

وأشكل ما فى هذا الاسم قولهم فى جمع مصغّره: أبينون، قال سلمىّ بن ربيعة السّيدىّ:

زعمت تماضر أنّنى إمّا أمتيسدد أبينوها الأصاغر خلّتى
للشاعر عِلباء بن أرقم، اقرأ القصيدة

لا يجوز [أن يكون] أبينون جمعا لمصغّر ابن؛ لأنه لو كان كذلك لقيل:

بنيّون، ولا يجوز أن يكون جمعا لمصغّر أبناء، لأنه لو كان كذلك لقيل: أبيناءون، ولو أرادوا هذا لاستغنوا بقولهم: أبيناء عن جمعه بالواو والنون.

وإذا بطل الأول والثانى، فإنّ قولهم «أبينون» جمع لتصغير اسم للجمع، وليس بجمع، ولكنه كنفر ورهط، وهو مما قدّروه ولم ينطقوا به، ومثاله: أبنى مقصور، بوزن أعشى، ثم حقّر فصار إلى أبين، مثل أعيش، ثم جمع فقيل:

أبينون، وأصله: أبينيون، ففعل فيه ما فعل فى القاضون.

وابنة: حكمها حكمه، فى أنّ أصلها بنوة، أو بنية، فى قول من حكم بأن لامه ياء، ولمّا حذفوا لاميهما أسكنوا فائيهما، واجتلبوا لهما همزة الوصل تعويضا لما دخلهما من الحذف.

وأما بنت، فسنذكرها مع نظائرها، إن شاء الله.

والمحذوف من قولهم: «اثنان» ياء، فالواحد أصله ثنى، فعل، من ثنيت، بوزن قلم، لأن الاثنين قد ثني أحدهما على صاحبه.

وحكى سيبويه أنهم قد قالوا فى جمعه: أثناء، فهذا دليل على فتح عينه.

ويجوز أن يكون أصله ثني، كجذع، فأفعال محتمل للمثالين، ولا يجوز أن يقطع على/أن أصله فعل، كجذع، دون فعل، كجبل، استدلالا بكسر الثاء من ثنتان، كما لم يجز أن يحكم بأن أصل ابن: بني، اعتبارا بكسر الباء من بنت.

وأصل مؤنّثه ثنية، كرقبة، أو ثنية، كسدرة، ولمّا حذفت لاماهما أسكنت فاءاهما، وعوّضا منهما همزة الوصل.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.