تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الرابع والخمسون يتضمّن القول فى حذف ياء المتكلم من أمّ وعمّ

، إذا أضيف إليهما ابن فى النداء. وفى حذف ألفات من كلم شتّى. وفصلا فى الحذف للترخيم.

اختلفت العرب فى قولهم: يا ابن أمّ، ويا ابن عمّ، فمنهم من أثبت الياء، وهو القياس، كقول أبي زبيد الطائىّ:

يا ابن أمّى ويا شقيّق نفسيأنت خلّيتنى لدهر كئود

وكقول الآخر:

يا ابن أمّى ولو شهدتك إذ تدعو تميما وأنت غير مجاب

ومنهم من أبدل من الكسرة فتحة، فقلب الياء ألفا، فقال: يا ابن أمّا، ويا ابن عمّا، وأنشدوا لأبى النّجم العجلىّ.

يا ابنة عمّا لا تلومى واهجعى

ومنهم من يحذف الألف ويبقى الفتحة فيقول: يا ابن أمّ، ويا ابن عمّ.

وإنما كان القياس إثبات الياء، دون حذفها؛ لأن حذفها إنما يقوى إذا كان المنادى مضافا إليها كقولك: يا غلام، فيحذفونها كما يحذفون التنوين فى قولهم:

يا غلام، إذا أرادوا غلاما بعينه، فإذا قالوا: يا غلام غلامى، ضعف حذفها؛ لأن الغلام الثاني غير منادى.

وإنما جاز حذفها فى قولهم: يا ابن أمّ ويا ابن عمّ، ولم يكره/كما كره فى قولك: يا غلام غلامى، لأن إضافة ابن إلى هذين الاسمين مما كثر استعماله، فتغيّرا عن أحوال نظائرهما، ألا ترى أن العربيّ يلقى العربيّ الأجنبيّ وهو لا يعرفه، فيقول له يا ابن عمّ، وكذلك يقول من لا نسب بينه وبينه: يا ابن أمّ، كما يقول له: يا أخي.

فأما اختلاف القرّاء فى قوله تعالى، حاكيا عن هارون فى خطابه لموسى ﵉: ﴿يَا بْنَ أُمَّ﴾ فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم:

يا ابن أمّ، بنصب الميم، وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر، وابن عامر وحمزة والكسائىّ:

يا ابن أمّ، بكسر الميم.

فمن فتح الميم احتمل قوله أمرين: أحدهما أنه أراد: يا ابن أمّا، فحذف الألف كما يحذف الياء، إذا قال: يا غلام، وإن كان الغلام منادى والأمّ غير مناداة، ولكن جاز ذلك ولم يكره لما ذكرته من كثرة استعمالهم: يا ابن أمّ، والفتحة فى «ابن» على هذا القول نصبة، كالفتحة فى قولك: يا عبد الله.

والآخر: أن يكون ركّب ابنا مع أمّ، فجعلهما بمنزلة اسم واحد، كخمسة عشر، ففتحة «ابن» فى هذا القول ليست بنصبة كما كانت فى القول الأول، وإذا كان قوله: «يا ابن أمّ» بمنزلة خمسة عشر، كان فى موضع ضمّ، لأنه جرى مجرى المفرد فى قولك: يا زيد.

ومن قال: يا ابن أمّ، فكسر، احتمل أمرين، أحدهما: أن يكون أضاف ابنا إلى أمّ، وأمّا إلى ياء الضمير، ثم حذف الياء، وكان الوجه إثباتها كإثباتها فى قولك: يا غلام غلامى.

والآخر: أن يكون جعل ابنا مع أمّ اسما واحدا، وأضافه إلى نفسه، كما يقول: يا خمسة عشر أقبلوا، أردت: يا خمسة عشرى، فحذفت الياء كما تحذفها من آخر المفرد فتقول: يا غلام.

وقال أبو عثمان المازنىّ فى قراءة من قرأ: ﴿يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ إنه أراد: /يا أبتا، قال: والدليل على ذلك أن الشاعر قد أظهرها فى قوله:

يا أبتا علّك أو عساكا

وممّا حذفوه فوالوا بين إعلالين فى كلمة، الألف من ترى، فى قولهم:

«أصاب الناس جهد ولو تر ما أهل مكة» حذفوا الألف وهى منقلبة عن الياء التى هى لام فى رأيت، بعد حذف الهمزة التى هى العين، وقالوا: أم والله لأفعلنّ، وهذه «ما» المزيدة للتوكيد، ركّبوها مع همزة الاستفهام، واستعملوا مجموعهما على وجهين:

أحدهما: أن يراد به معنى حقّا، فى قولهم: أما والله لأفعلنّ.

والآخر: أن تكون افتتاحا للكلام، بمنزلة ألا، كقولك: أما إنّ زيدا منطلق، وأكثر ما يحذف ألفها إذا وقع بعدها القسم؛ ليدلّوا على شدّة اتصال الثانى بالأول؛ لأنّ الكلمة إذا بقيت على حرف واحد لم تقم بنفسها، فعلم بحذف ألف «ما» افتقارها إلى الاتصال بالهمزة.

ومن الحروف المركّبة «لولا» فلو معناها امتناع الشىء لامتناع غيره، و «لا» معناها النفى، فلما ركّبوهما بطل معنياهما، ودلّت «لولا» على امتناع الشىء لوجود غيره، واختصّت بالاسم، وعلى التحضيض، واختصت بالفعل.

ومثل ذلك تركيبهم للهمزة مع «لا» فبطل الاستفهام والنفى، ودلّ مجموعهما على ثلاثة معان، الأول: استفتاح الكلام به، كقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ﴾.

والثانى: التمنّى، كقولهم: ألا ماء أشربه.

والثالث: العرض، كقولك: ألا تنزل عندنا تصب من طعامنا؟ جزمت الفعلين على الجواب؛ جواب التمنى وجواب العرض.

ومن الألفات التى حذفوها ألف «تبالى» فى قولهم «لا تبل» حذفوا ياءه أولا

للجزم، فقالوا: لا تبال، كقولك: لا ترام، ثم اختصروه لكثرة استعماله، فجزموه جزما ثانيا بإسكان لامه، فسقطت ألفه لالتقاء الساكنين، وقالوا فيه أيضا: لم أبله، كان/قياسه أوّلا: لم أبال، كقولك: لم أرام، فحذفوا كسرة اللام، كما حذفوا ضمّة الإعراب فى نحو أجاب وأعان، فانحذفت الألف لما سكنت اللام، فصار: لم أبل، كقولك: لم أجب، ولم أعن، ثم ألحقوه فى الوقف عليه هاء السّكت، فوجب تحريك لامه؛ لسكونها وسكون الهاء، فحرّكوها بالكسر، لأنه الأصل فى حركة التقاء الساكنين، ولم يردّوا ألف «أبالى» فيقولوا: لم أبا له؛ لأن حركة التقاء الساكنين لا اعتداد بها، من حيث كانت عارضة تزول إذا زال التقاء الساكنين، والحركة العارضة لا يردّ لها المحذوف، ألا ترى أنهم لم يردّوا ألف رمى فى قولهم: رمت المرأة، مع تحرك التاء التى أوجب سكونها حذف الألف، وذلك لما ذكرناه من كون هذه الحركة لا اعتداد بها، لأنك تقول: رمت مرأة، فتزول الكسرة.

وقد اعترض فى دخول هاء السكت فى لم أبله، على اللام وهى ساكنة، وهاء السكت لا تدخل إلاّ على متحرّك لتبيّن حركته، كقولهم فى عمّ ولم: عمّه ولمه وفى كتابى وحسابى: كتابيه وحسابيه، وفى قولهم: اسع وادن: اسعه وادنه، وتدخل على الألف، لأن الألف لخفائها تشبه الحركة، وذلك فى النّدبة.

والجواب عن هذا الاعتراض: أن لام «أبالى» مكسورة كسرا أصليّا، كما ترى، والجازم أوجب حذف الياء منه وحدها، كحذفها فى لم أرام، فحذف الكسرة بعد حذف الياء حذف بغير استحقاق؛ لأنّ علم الجزم فى «أبالى» إنما هو حذف يائه، ولمّا حذفوا الياء ثم أتبعوها الكسرة، كان ذلك جزما بغير جزم، فالجزم

الثانى غير مستحقّ، وإذا كان إسكان اللام بغير استحقاق، وكانت الكسرة المحذوفة مقدّرة فى اللام، فكأنها موجودة لفظا، وإذا كانت فى تقدير الوجود صارت هاء السكت كأنها دخلت على متحرّك.

وشبيه هذا، وإن كان بعكسه، /تقدير السكون والعمل بمقتضى وجوده، وذلك أن «هلمّ» مركّب من حرف وهو «ها» وفعل وهو «المم» فهمزة الوصل سقطت فى الدّرج، والميم الأولى ألقيت ضمّتها على اللام، ثم أدغمت فى الثانية بعد تحريك الثانية بالفتح، فصار إلى هالمّ، فلم يعتدّوا بضمّة اللام؛ لأنها منقولة إليها من الميم، فنزّلت اللام منزلة الساكن، حيث لم تكن ضمّتها أصليّة، فكأنه التقى ساكنان، فحذفوا ألف حرف التنبيه، الذى هو «ها» لمّا كانت اللام ساكنة تقديرا.

فكما حذفوا هذه الألف لسكون مقدّر، كذلك أدخلوا هاء السكت على «أبل» لحركة مقدّرة، أسقطت بغير حقّ، لأنهم أسقطوها لجزم ثان، فكأنها لذلك موجودة لفظا.

وهذا الجواب عن هذا الاعتراض مما استخرجته.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.