تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

فصل فى الحذف المسمّى ترخيما

هذا الاسم مأخوذ من قولهم: امرأة رخيم الكلام، ويحتمل هذا الوصف معنيين، أحدهما: أن يكون كلامها مرتّلا محذوف الفضول، فيكون موافقا لهذا الحذف المسمّى ترخيما.

والثانى: أن تكون ليّنة الكلام، خفيضة الصوت. ناعمة النّغمة، ومن هذا قولهم للحجر الأملس: رخامة، ولضرب ليّن من النّبت: رخامى، ومنه قولهم:

ألقى فلان على فلان رخمته، أى محبّته وتعطّفه ولين منطقه، فسمّى هذا الحذف ترخيما، لأنه تخفيف اللفظ وتسهيله، قال ذو الرّمّة:

لها بشر مثل الحرير ومنطقرخيم الحواشى لا هراء ولا نزر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا دار مي على البلي»

الحواشى: الأطراف، فيحتمل أن يريد أن أطراف منطقها محذوفة الفضول، ويحتمل أن يريد أن منطقها ناعم المقاطع، فيوافق هذا قوله: «لها بشر مثل/ الحرير» فتكون بشرتها ومنطقها متّفقين فى اللّين والنّعومة.

والبشرة: ظاهر الجلد.

والهراء: المنطق الفاسد، يقال منه: أهرأ فى منطقه.

وللترخيم شرائط، فالشّريطة الأولى: اختصاصه بالنداء، إلاّ ما شذّ ففارق القياس.

والثانية: كون الاسم علما في الأغلب الأشهر.

والثالثة: كونه مفردا.

والرابعة: كونه رباعيّا فما زاد، إلاّ أن تكون ثالثة تاء التأنيث.

والخامسة: بناؤه على الضمّ بالنداء؛ لأن التغيير يؤنس بالتغيير، فلا يجوز إذن ترخيم المضاف، ولا المضارع للمضاف، وهو العامل فيما بعده الرفع أو النصب، ولا ترخيم النكرة المنصوبة بالنداء، ولا ترخيم المستغاث به؛ لأنه معرب، ولا المندوب؛ لزوال معنى النّدبة، ولا ترخيم مبهم نحو: يا هذا ويا هذه ويا هؤلاء، ولا مضمر، نحو: يا أنتما ويا أنتم؛ لما ذكرناه من اختصاصهم بالترخيم الأعلام فى الأغلب، ولأن المبهم والمضمر ليسا ممّا يغيّره النّداء، قال الشاعر فى نداء الضمير:

يا أقرع بن حابس يا أنتاأنت الذى طلّقت عام جعتا

وإنما خصّوا النداء بالترخيم، لأنّ النداء معنى كثر استعماله، فاعتمدوا فيه هذا التخفيف، ألا ترى أن المتكلّم يقدّمه إذا أخبر أو استخبر، أو نهى أو أمر، فيقول: يا فلان، عرفت كذا، ويا فلان، هل عرفت كذا؟ ويا فلان، افعل كذا، ويا فلان، لا تفعل كذا، فلما كثر استعماله هذه الكثرة خصّوا ضربا من الأسماء كثير الاستعمال بتخفيف لفظه فيه.

وللعرب فيه مذهبان: منهم من حذف آخر الاسم، وترك ما قبله على حركته أو سكونه، إلاّ أن يؤدّى السكون إلى الجمع بين ساكنين فيلزم التحريك، وسترى بيان ذلك إن شاء الله تعالى.

ومنهم من يحذف ما يحذفه ويضمّ ما قبل المحذوف، إن صحّ فيه الضّمّ، فيجعله اسما قائما بنفسه، كأنه لم يحذف منه شيء.

/والمذهب الأول هو اللغة العليا، ومعظم العرب عليه، وذلك قولك فى حارث: يا حار، ويا حار، وفى جعفر: يا جعف ويا جعف، وفى هرقل: يا هرق، ويا هرق أقبل، ويتّفق المذهبان فى ما قبل آخره ضمّة لفظا، ويختلفان تقديرا، وذلك قولك فى بلبل: يا بلب، فالضمة فى قول من قال: يا حار، ضمّة الأصل، وفيمن قال: يا حار، ضمّة حادثة، كالضمّة فى قولك: يا زيد، وعلى المذهبين ينشدون قول زهير:

يا حار لا أرمين منكم بداهيةلم يلقها سوقة قبلى ولا ملك
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا»

وقول امرئ القيس:

أحار بن عمرو كأنّى خمر

أى كأنّى قد خامرنى شرّ من ذا، وقول حسان:

حار بن كعب ألا أحلام تزجركمعنّا وأنتم من الجوف الجماخير

الجوف: جمع أجوف، وهو الذى لا رأى له ولا حزم، وواحد الجماخير:

جمخور، وهو الضعيف العقل، وجاء المذهب الأوجه وحده فى قول الأعشى:

كن كالسّموءل إذ طاف الهمام بهفى جحفل كسواد اللّيل جرّار
إذ سامه خطّتى خسف فقال لهمهما تقله فإنى سامع حار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
فقال ثكل وغدر أنت بينهمافاختر وما فيهما حظّ لمختار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
ومثله لعمرك ما خشيت على عديّسيوف بنى مقيّدة الحمار
ولكنّى خشيت على عديّرماح الجنّ أو إيّاك حار

رماح الجنّ: كناية عن الطاعون، ومثله قول النابغة:

قالت بنو عامر خالوا بنى أسديا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «قالت بنو عامر خالوا بني أسد»
فصالحونا جميعا إن بدا لكمولا تقولوا لنا أمثالها عام
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «قالت بنو عامر خالوا بني أسد»

معنى خالوا: فارقوا.

وروى عن بعض من لا بصيرة له أنه قال، وقد سمع عليّا ﵇، وابن مسعود، ويحيى بن وثّاب والأعمش قرءوا: «ونادوا يا مال ليقض علينا ربّك» فقال: إنّ عند أهل النار لشغلا عن الترخيم! فقال له من سمعه: ويحك! إنّ فى هذا الاختصار من أهل النار لمعنى لا يعرفه إلاّ ذو فطانة، وذلك أنهم لما ذلّت نفوسهم، وتقطّعت أنفاسهم، وخفيت أصواتهم، وضعفت قواهم، ولم تنفع شكواهم، قصرت ألسنتهم عن إتمام الاسم، وعجزوا عمّا يستعمله المالك لقوله، والقادر على التصرّف فى منطقه.

ومن أبيات الكتاب قول أوس بن حجر:

تنكّرت منّا بعد معرفة لمىوبعد التّصابى والشّباب المكرّم
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «تنكرت منا بعد معرفة لمي»

وقول آخر:

فقلتم تعال يا يزى بن مخرّمفقلت لكم إنّى حليف صداء

حذفا السّين والدال من لميس ويزيد، على المذهبين.

واختلف النحويّون فى الثلاثيّ المتحرّك الأوسط، نحو عمر وحسن، فأجاز الكوفيّون والأخفش ترخيمه، لأنّ حركة أوسطه قامت مقام الحرف الرابع، كما قامت حركة القاف من سقر، والظاء من لظى، والدال من قدم، اسم امرأة،

مقام الحرف الرابع من زينب، فلم ينصرف فى التعريف، ففارق بذلك الثلاثيّ الساكن الأوسط، كهند ودعد.

ولم يجز الخليل وسيبويه، ومن أخذ أخذهما ترخيم هذا النحو؛ لخروجه عن حيّز الأصول، إذ أكثرها خمسة، وأقلّها ثلاثة.

واتفق الجميع على أن الثلاثيّ الساكن الأوسط، كبشر وبكر، لا يجوز ترخيمه لأجل الإجحاف به، لسكون أوسطه، وقلّة عدده.

وأجمعوا على ترخيم العلم الثلاثيّ، كهبة، وثبة/وعزة، لأنّ تاء التأنيث بمنزلة اسم ضمّ إلى اسم، فجرت مجرى الثانى من الاسمين المركّبين، نحو بعلبك ودرابجرد، تقول: ياهب، وياثب، كما لو ناديت بعلبك أو درابجرد، كما نادى النابغة الدار فى قوله:

يا دارميّة بالعلياء فالسّند

فرخّمته، لقلت: يا بعل، ويا دراب، فحذفت العجز، وأبقيت الصّدر.

وإنما نزّلوا تاء التأنيث منزلة الثانى من المركّبين، حتى إنهم استجازوا حذفها وإبقاء الاسم على حرفين؛ لأنّ ما قبلها يلزمه الفتح، كما يلزم الفتح آخر الصّدر، ولأنك إذا نسبت إلى هذا الضّرب حذفت العجز، فقلت: درابىّ، وبعلىّ، كما تحذف تاء التأنيث فى قولك: مكّىّ، وكوفىّ، وإذا حقّرت حقّرت الصّدر، وأبقيت فتحته، فقلت: بعيلبك، كما تبقى الفتحة قبل تاء التأنيث، فى قولك: طليحة، فلا تكسر الحاء كما تكسر فاء جعفر، فى قولك: جعيفر.

وإذا عرفت هذا فلك أن تقول: ياثب، كقولك: يا حار، ولك أن تضمّ آخره، كما تقول: يا حار، فإن ناديت شاة علما أو نكرة مقصودا قصدها، قلت على لغة من قال: يا حار، فكسر: يا شا، وعلى اللّغة الأخرى: يا شاه ما أفرهك! تردّ لامها، وقد عرفت أنها هاء بظهورها فى التحقير والتكسير، وإنما وجب ردّ اللام فى لغة من قال: يا حار، لأن أهل هذه اللغة يجعلون المرخّم بمنزلة اسم قائم بنفسه، وليس فى العربية اسم معرب على حرفين، الثانى منهما حرف مدّ ولين.

واعلم أن ترخيم ما فيه تاء التأنيث أكثر من ترخيم غيره، لكثرة ما يلحق تاء التأنيث من التغيير والحذف، والتغيير إبدال الهاء منها فى الوقف، والحذف حذفهم إيّاها فى التكسير، كقولك فى جمع مقدحة: مقادح، وفى جمع فاطمة: فواطم، وكذلك تحذفها فى جمع التأنيث، كقولك: فاطمات ومسلمات، فلها أحكام تخالف فيها غيرها من الحروف، ألا ترى أنك إذا سمّيت بمرجان/ومكّىّ، فرخّمتهما حذفت الألف والنون، وحذفت ياءي النّسب، فقلت: يا مرج، ويا مكّ، لأنهما زائدان، زيدا معا، فإن ألحقتهما تاء التأنيث لم تحذف غيرها؛ لأنها كالاسم المضموم إلى اسم، فقلت: يا مرجان، ويا مكىّ.

ولك فى نداء طلحة وأشباهه، بعد قولك: يا طلحة، ثلاثة أوجه:

الأول: يا طلح، بالترخيم وفتح الحاء، على اللغة المشهورة.

والثانى: يا طلح، بالضم.

والثالث: يا طلحة أقبل، بفتح التاء وإقحامها، وعليه أنشدوا للنابغة:

كلينى لهمّ يا أميمة ناصبوليل أقاسيه بطىء الكواكب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

فإن قيل: إن المعروف من الإقحام إقحام حرف بين حرفين، كإقحام تيم، بين تيم وعدىّ، فى قوله:

يا تيم تيم عدىّ لا أبا لكملا يلقينّكم فى سوأة عمر
للشاعر جرير، من قصيدة «هاج الهوى وضمير الحاجة الذكر»

فى قول من نصب تيما الأول، وكإقحام اللام بين بؤس والجهل، فى قول النابغة:

يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام

أراد: يا بؤس الجهل، بدلالة إسقاط تنوين بؤس، وكذلك حكم اللام فى قول سعد بن مالك:

يا بؤس للحرب التىوضعت أراهط فاستراحوا

وقال أبو العباس محمد بن يزيد: إنما قالوا: يا ويح لزيد، ويا بؤس للحرب، فأقحموا اللام توكيدا، لأنها لام الإضافة، ألا ترى أن قولك: المال لزيد، كقولك: مال زيد، فى المعنى، لأن المراد مال لزيد، وكذلك قوله: «يا تيم تيم عدىّ»، أقحم الثانى توكيدا، وكذلك يا طلحة، أراد: يا طلح، فأقحم التاء توكيدا، وأقرّ الفتحة. انتهى كلامه.

وأقول: إن الإقحام إذا كان على ما قرّروه، فما الذى أقحمت تاء طلحة بينه وبين الحاء؟

والجواب أن التاء زيدت ساكنة بين حركتها والحاء، ألا ترى أنه يمكنك/أن تقول فى الوقف: يا طلحت، بسكون التاء، كما روى عن العباس ﵇، أنه قال فى ندائه المسلمين، لمّا انهزموا يوم حنين: يا أصحاب بيعة الشّجرت، يا أصحاب سورة البقرت، فقال المجيب له منهم: والله ما أحفظ منها آيت.

فلما سمع منهم طلحت، صارت التاء بين فتحتها والحاء، وكذلك:

يا أميمت، زيدت التاء بين فتحتها والميم. وهذا من الدّقائق التى نبّه عليها أبو علىّ.

ومن ترخيم هذا الضّرب قول امرئ القيس:

أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل

وقول هدبة بن خشرم:

عوجى علينا واربعى يا فاطما

[أراد يا فاطمة فرخّم] وقول الشّماخ:

أعائش ما لأهلك لا أراهميضيعون السّوام مع المضيع

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.