من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الثامن والأربعون يتضمّن ذكر حذف الهمزة لاما، وما يتّصل به
قد انقضى ذكر حذف الهمزة عينا، وأمّا حذفها لاما، فقد حذفوها من مصدر سؤته، فقالوا: سواية، بوزن فعاية، وأصله سوائية، فعالية.
وحذفوها من «أشياء» فى قول أبى الحسن الأخفش وقول الفراء، اتّفقا على أن أصلها أشيئاء، بوزن أفعلاء، فحذفت الهمزة التى هى لام، فوزنها الآن: أفعاء، فعورضا بأنّ الواحد مثاله فعل، وليس قياس فعل أن يجمع على أفعلاء، فاحتجّا بقولهم فى جمع سمح: سمحاء، وروى عن الفرّاء أنه قال: أصل شيء شيّئ، كهيّن، وخفّف كما خفّف هيّن، /إلا أنّ شيئا ألزم التخفيف، ولمّا كان أصله
فيعل، جمعوه على أفعلاء، كهيّن وأهوناء. وقوله فى شيء: إنّ أصله التثقيل، دعوى لا دليل عليها.
وذكر أبو على فى التكملة مذهب الخليل وسيبويه، في أشياء، ثم قال [وقد قيل] فيه قول آخر، وهو أن يكون أفعلاء، ونظيره سمح وسمحاء، وحذفت الهمزة التى هى لام حذفا، كما حذفت من قولهم: سوائية، حيث قالوا: سواية، ولزم حذفها فى أفعلاء لأمرين، أحدهما تقارب الهمزتين، وإذا كانوا قد حذفوا الهمزة مفردة، فجدير إذا تكرّرت أن يلزم الحذف.
والآخر: أن الكلمة جمع، وقد يستثقل فى الجموع مالا يستثقل فى الآحاد، بدلالة إلزامهم خطايا: القلب، وإبدالهم من الأولى فى ذوائب: الواو، وهذا قول أبى الحسن، فقيل له: فكيف تحقّرها؟ قال: أقول فى تحقيرها: أشيّاء، فقيل له: هلاّ رددت إلى الواحد، فقلت: شييئات، لأن أفعلاء لا يصغّر، فلم يأت بمقنع.
وأقول: إنّ الذى ناظره فى ذلك أبو عثمان المازنىّ، فأراد أن أفعلاء من أمثلة الكثرة، وجموع الكثرة لا تحقّر على ألفاظها، ولكن تحقّر آحادها، ثم يجمع الواحد بالألف والتاء، كقولك فى تحقير دراهم: دريهمات.
ثم قال أبو علىّ بعد قوله، فلم يأت بمقنع: والجواب عن ذلك، أن أفعلاء فى هذا الموضع جاز تصغيرها، وإن لم يجز التصغير فيها فى غير هذا الموضع، لأنها قد صارت بدلا من أفعال، بدلالة استجازتهم إضافة العدد [القليل] إليها، كما
أضيف إلى أفعال، ويدلّ على كونها بدلا من أفعال، تذكيرهم العدد المضاف إليها، فى قولهم: ثلاثة أشياء، فكما صارت بمنزلة أفعال فى هذا الموضع، بالدلالة التى ذكرت، كذلك يجوز تصغيرها، من حيث جاز تصغير أفعال، ولم يمتنع تصغيرها على اللفظ، من حيث امتنع تصغير هذا الوزن فى غير هذا الموضع، لارتفاع المعنى المانع/من ذلك عن أشياء، وهو أنها صارت بمنزلة أفعال، وإذا كان كذلك لم يجتمع فى الكلمة ما يتدافع من إرادة التقليل والتكثير فى شيء واحد. انتهى كلامه.
وأقول فى تفسير قوله «إنّ أفعلاء فى هذا الموضع صارت بدلا من أفعال»:
يعنى أنه كان القياس فى جمع شيء: أشياء، مصروف، كقولك فى جمع فيء:
أفياء، على أن تكون همزة الجمع هى همزة الواحد، ولكنهم أقاموا أشياء، التى همزتها للتأنيث، مقام أشياء التى وزنها أفعال، واستدلاله فى تجويز تصغير أشياء على لفظها بأنها صارت بدلا من أفعال، بدلالة أنهم أضافوا العدد إليها، وألحقوه الهاء، فقالوا:
ثلاثة أشياء، مما لا تقوم به دلالة، لأنّ أمثلة القلّة وأمثلة الكثرة يشتركن فى ذلك، ألا ترى أنهم يضيفون العدد إلى أبنية الكثرة، إذا عدم بناء القلّة، فيقولون: ثلاثة شسوع، وخمسة دراهم.
وأما إلحاق الهاء فى قولنا: ثلاثة أشياء، وإن كان أشياء مؤنثا، فلأنّ الواحد مذكّر، ألا ترى أنك تقول: ثلاثة أنبياء، وخمسة أصدقاء، وسبعة شعراء، فتلحق الهاء وإن كان لفظ الجمع مؤنّثا، وذلك لأنّ الواحد نبىّ وصديق وشاعر، كما أنّ واحد أشياء: شيء، فأىّ دلالة فى قوله: ويدلّ على كونها بدلا من أفعال، تذكيرهم العدد المضاف إليها فى قولهم: ثلاثة أشياء؟
وأقول: إن الذى يجوز أن يستدلّ به لمذهب الأخفش، أن يقال: إنما جاز
تصغير أفعلاء على لفظه، وإن كان من أبنية الكثرة، لأنّ وزنه نقص بحذف لامه، فصار أفعاء، فشبّهوه بأفعال، فصغّروه.
وقول أبى علىّ فى أشياء: «إن أصلها أفعلاء، وحذفت الهمزة التى هى لام حذفا، كما حذفت من قولهم: سوائية، ولزم حذفها من أفعلاء لأمرين، أحدهما:
تقارب الهمزتين، وإذا كانوا قد حذفوا الهمزة مفردة، فجدير إذا تكررت أن يلزم الحذف» يعنى أن الهمزتين/فى أشيئاء تقاربتا، حتى لم يكن بينهما فاصل إلا الألف مع خفائها، فهى كلا فاصل، وإذا كانوا قد حذفوا الهمزة المفردة في سوائية، فحذف الهمزة التى وليتها همزة أولى.
وقوله: «ولزم حذفها فى أفعلاء لأمرين» أراد أن يعرّفك بذلك أن حذفها فى سواية، لم يلتزموه، فأحد الأمرين الداعيين إلى حذفها تقارب الهمزتين، ثم قال:
«والآخر أن الكلمة جمع، وقد يستثقل في الجموع مالا يستثقل فى الآحاد، بدلالة إلزامهم خطايا: القلب، وإبدالهم من الأولى فى ذوائب: الواو» يعنى أن الهمزة حذفت فى سوائية، وهو اسم غير جمع، فكان حذفها من أشياء، أجدر، لكونه جمعا، والجمع ثقيل، لأن الجموع فروع على الآحاد، فلذلك التزموا في خطايا قلب همزة خطيئة ياء، وكان أصلها: خطائىء، بهمزتين، مثل خطاعع، الأولى منهما منقلبة عن ياء خطيئة، كما انقلبت ياء صحيفة همزة فى صحائف، والثانية همزة خطيئة، فاستثقلوا اجتماع الهمزتين فى خطائىء، فأبدلوا المتطرّفة ياء، فصار:
خطائى، فاستثقلوا الكسرة فى همزة بعدها ياء، فأبدلوا الكسرة فتحة، إذ كانوا قد قالوا فى المدارى: مدارا، فأبدلوا من كسرته فتحة، وهى في حرف صحيح، فكان إبدالها فى حرف علّة واجبا، فصار حينئذ إلى خطاء، فوقعت الهمزة بين ألفين، والهمزة أخت الألف، فتوالت ثلاثة أمثال، فأبدلوا الهمزة ياء.
وأما ذوائب، فأصله: ذأائب، الهمزة الأولى همزة ذؤابة، والثانية بدل من ألف ذؤابة، كما أبدلت ألف رسالة همزة، فى رسائل، فاستثقلوا الجمع بين ثلاثة أمثال فى جمع، فأبدلوا من الأولى الواو.
فأما مذهب الخليل وسيبويه فى [أشياء، فإن أبا على ذكر أشياء بعد ذكر قصباء وطرفاء وحلفاء، فقال: وأما الاسم الذى يراد به الجمع عند سيبويه، فقولهم: القصباء والطّرفاء والحلفاء. ثم قال: ومن هذا الباب على قول الخليل وسيبويه] قولهم: أشياء فى جمع شيء، وكان القياس فيه: شيئاء، ليكون فعلاء، كطرفاء، فاستثقلوا تقارب الهمزتين، فأخّروا الأولى التى هى اللام، إلى أوّل الحرف، فصار: أشياء، ووزنه من الفعل: لفعاء، ثم قال: والدلالة/على أنها اسم مفرد، ما روى من تكسيرها على أشاوى، كسّروها كما كسّروا صحراء على صحارى، حيث كانت مثلها فى الإفراد، انتهى كلامه.
وأقول: إن أشياء يتجاذبها أمران: الإفراد والجمع، فالإفراد فى اللفظ، والجمع فى المعنى، كطرفاء وقصباء وحلفاء، هنّ فى اللفظ كصحراء، وفى المعنى جمع طرفة وقصبة وحلفة، بكسر لامها وفتحه على الخلاف، وكذلك أشياء، لفظها لفظ الاسم المفرد، من نحو صحراء، وهي فى المعنى جمع شيء، ودليل [ذلك] ما ذكره أبو علىّ من قولهم فى جمع أشاوى كصحارى، وأصله أشايا، كما تقول العامّة، فأبدلوا الياء واوا، على غير قياس، كإبدالها واوا، فى قولهم: جبيت الخراج جباوة، ودليل آخر، وهو قولهم فى تحقيرها: أشيّاء، كصحيراء، ولو كانت جمعا لفظا ومعنى، وجب أن يقال فى تحقيرها: شييئات، ويدل على أنها فى المعنى جمع،
إضافة العدد إليها، فى قولهم: ثلاثة أشياء، ولو كانت اسما مفردا لفظا ومعنى، لم تجز إضافة العدد إليها، ألا ترى أنه لا يجوز: ثلاث صحراء، ولم يأت إضافة العدد إلى مفرد إلاّ إلى مائة، فى قولهم: ثلاث مائة، كما جاء: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ وكان القياس: ثلاث مئين، أو مئات، كما جاء فى قول الفرزدق:
ثلاث مئين للملوك وفى بهاردائى وجلّت عن وجوه الأهاتم
ومن حذف الهمزة لاما، حذفها فى برءاء، جمع بريء، خالف الفرّاء الرّواة، فى قول الحارث بن حلّزة:
أم جنايا بنى عتيق ومن يغدر فإنّا من حربهم برءاء
فروى: لبراء.
فقولهم فى جمع بريء: برءاء، جاء على التّمام، كظريف وظرفاء، والذى
رواه الفرّاء مختلف فيه، قيل: أصل براء: برءاء، حذفت لامه استثقالا، لتقارب الهمزتين فى جمع، فبقى: فعاء، وقيل: هو جمع بريء على غير القياس، جاء على فعال، كما قالوا فى جمع رخل وظئر وتوأم وفرير، وهو ولد البقرة: رخال وظؤار وتؤام وفرار، وقد قيل: إن الفرار واحد كالفرير.
وقال آخرون فى براء: إنه واحد مثل بريء، كخفيف وخفاف، وكبير وكبار وطويل وطوال، وعجيب وعجاب، ووضعه فى موضع الجمع كقول الآخر:
كلوا فى نصف بطنكم تعفّوافإنّ زمانكم زمن خميص
ومثله فى التنزيل: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ أوقع ظهير فى موضع ظهراء، كما أوقع رفيق فى موضع رفقاء، فى قوله تبارك اسمه وجلّت عظمته:
﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ وقد اتّسع هذا فى فعيل، كظهير ورفيق فى الآيتين، وكنجىّ فى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أوقع نجيّا فى موقع أنجية، فى قول الراجز:
إنّى إذا ما القوم كانوا أنجيه
وكإيقاع كثير فى موضع كثيرين، وقليل فى موضع قليلين، فكثير فى قوله تعالى: ﴿رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ وقليل فى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ فالشكور اسم جنس صيغ على مثال فعول للمبالغة، كالعفوّ والغفور، فالمعنى:
وقليلون من عبادى الشاكرون، وكون اسم الجنس مشتقّا قليل، وإنما يغلب على أسماء الأجناس الجمود، كالدّينار والدّرهم، والقفيز والإردبّ، فى قولهم: «عزّ الدّينار والدرهم، وكثر القفيز والإردب» يريدون: عزّت الدنانير والدّراهم، وكثرت القفزان والأرادب.
ومن ذلك الملك والإنسان، فى قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾ وفى قوله تعالى: ﴿وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ أراد: والملائكة على جوانبها، وإنا إذا أذقنا الناس، فلذلك قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾.
وممّا جاء من المشتقّ يراد به/الجنس: المفسد والمصلح، فى قوله تعالى:
﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أى المفسدين من المصلحين، ومنه قول الآخر:
إن تبخلى يا جمل أو تعتلّىأو تصبحى فى الظاعن المولّى
أراد: فى الظاعنين المولّين.
وأمّا ما حذف من الهمزات المزيدة، فهمزة أفعل، نحو أكرم وأحسن، إذا اجتمعت فى المضارع مع همزة المتكلّم، كقولك: أنا أكرم وأحسن، وقد قدمت ذكر ذلك فى غير موضع.
وقد حذفت الهمزة حذفا مطّردا، زائدة وأصليّة، وذلك إذا وقعت بعد حرف ساكن، فأهل التخفيف يلقون حركتها على الساكن، فالزائدة كهمزة أفعل، نحو أحسن وأكرم، تقول: قد حسنت إليك، وقد كرمتك، كقراءة من قرأ: «قد فلح المؤمنون»، ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾.
فأما الأصليّة فيقع بها الحذف فاء وعينا ولاما، فالفاء كهمزة أب وأرض، تقول:
من بوك؟ وكم رضك جريبا؟ ومثله فى التنزيل: «يريد أن يخرجكم من رضكم» - «وبالآخرة هم يوقنون» ومنه قراءة من قرأ: «عادلّو لى»
الأصل: عادن الأولى، فألقى ضمة أولى، وهى فعلى كحبلى، على لام التعريف، ثم حذفت، فاجتمع متقاربان، النون المسمّاة تنوينا، واللام، فأدغم التنوين فى اللام.
والهمزة التى هى عين، كهمزة يسأل، تقول فى تخفيفها: يسل، ألقيت فتحتها على السين، ثم حذفتها، وتقول إذا أمرت منه: سل، وأصله: اسأل، فلما ألقيت فتحة الهمزة على السين وحذفتها، حذفت همزة الوصل، استغناء عنها، لأن الساكن الذى اجتلبت لأجله قد عدم سكونه، فوزن سل: فل.
وممّا همزته عين: جيأل، وهو اسم علم للضّبع، والحوأب، وهو اسم ماء، /قال الشاعر:
هل هى إلا شربة بالحوأبفصعّدى من بعدها أو صوّبى
فجيأل: فيعل، وجوأب: فوعل، تقول فيهما إذا خفّفت: جيل، والحوب.
والهمزة التى هى لام، كهمزة المرأة والكمأة، تقول فيهما: المرة والكمة، فوزن مرة وكمة: فعه.
واعلم أنّ هذا النقل ربّما امتنع فى بعض السّواكن، فلم يجز حذف الهمزة، وذلك فى الألف، والواو والياء إذا كانتا بمنزلة الألف فى المدّ والزيادة.
أمّا امتناع الألف، فلأن الألف لا تحتمل الحركة، وذلك فى نحو هباءة، وأما امتناعه فى الواو والياء، إذا كانتا مدّتين زائدتين، فلأنّهما باجتماع هذين الشرطين بمنزلة
الألف، وذلك فى مثل: مقروءة وخطيئة، فلا يحتملان الحركة، كما لا تحتملها الألف، وكذلك ياء التصغير، كقولك فى تحقير أفؤس: أفيئس، لا يصحّ إلقاء حركة الهمزة عليها، لأنها بمنزلة ألف التكسير، فى أفاعل، لا تتحرّك أبدا، كما لا تتحرّك ألف أجادل وأرامل.
فإن كانت الواو والياء أصليّين، كواو يغزو، وياء يرمى، أو للإلحاق، كواو حوأب، وياء جيأل، أو ضميرين، كواو فعلوا، وياء افعلى، كانتا كالحروف الصحيحة، فى جواز إلقاء حركة الهمزة عليهما، تقول فى يغزو أخاه، ويرمى أباه:
يغزو خاه، ويرمى باه، وفى قولك: فلان ذو أمرهم، وعجبت من ذي أمرهم:
ذو مرهم، وذى مرهم، لأن الواو فى قولك «ذو» عين، وتقول فى الحوأب:
الحوب، وفى جيأل: جيل، كما مضى، لأن الواو والياء فيهما للإلحاق، وتقول فى الأمر من الامتثال: امتثلوا مرهم، وامتثلي مرهم.
انتهى المجلس الثامن والأربعون، بعون الله وحسن توفيقه.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع