تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس السابع والأربعون يتضمّن ذكر حذف الهمزة الأصليّة والزائدة

وأقول: ممّا كثر حذفه من الحروف الهمزة، وجاء ذلك فى الاسم والفعل، فحذفوها فاء وعينا ولاما، وزائدة.

فمن حذفها فاء: حذفها من أناس، قالوا فيه: ناس، ووزنه من الفعل عال، وذهب الكسائىّ إلى أن وزنه: فعل مثل باب، وكان أصله فعل: نوس، واستدلّ على هذا بأنّ تحقيره نويس، كبويب، وأنه لو كان أصله فعال، لقيل فى تحقيره: أنيس، كما يقال فى تحقير غراب: غريب.

والصحيح ما ذهب إليه جماعة البصريّين، ووافقهم فيه الفرّاء، لقول العرب:

أناس، وإنما كثر حذف فائه إذا دخل عليه الألف واللام، فلا يكادون يقولون الأناس إلاّ فى ضرورة الشعر كقوله:

إنّ المنايا يطّلعن على الأناس الآمنينا

/وإنما قالوا فى تحقيره: نويس، فلم يردّوا فاءه، لأن ردّ المحذوف إنما يلزم فى التحقير للحاجة إليه، كقولك فى تحقير عدة وزنة: وعيدة ووزينة، وفى سه:

ستيهة، وفى أب وأخ: أبىّ وأخىّ، ألا ترى أنك لو لم تردّ المحذوف من عدة، أوقعت ياء التحقير ثالثة بعد الدال، وحرّكتها بالفتح، لوقوع تاء التأنيث بعدها، فصارت الكلمة إلى عدية، بزنة فعلة، كرطبة، وحقيقة زنتها: عليّة، لأن وزن

عدة: علة، والياء زائدة للتحقير، فخرجت بذلك عن مثال التحقير، ثم انقلبت الياء ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فصارت إلى عداة، وهذا إفساد مستحكم، لأنّ ياء التحقير لا تمسّها الحركة، كما لا تمسّ ألف التكسير التى فى مثال مفاعل، فكيف تحريكها ثم قلبها ألفا؟ وكذلك لو لم تردّ عين سه، فتقل: ستيهة، لزمك أن تقول: سهية، مثل رطبة، فتحرّك ياء التصغير ثم تقلبها ألفا، وهذا فساد تبعه فساد، وهو إبطال لمثال التحقير، ولو لم تردّ اللام من أب وأخ، وقعت ياء التحقير طرفا، ولزم تحريكها بحركات الإعراب، ثم قلبها ألفا، لانفتاح ما قبلها، فصار إلى أبا وأخا، وليس فى تحقير أناس، إذا لم تردّ المحذوف، شيء يخرج باب التحقير عن قياسه، لأنّ قولنا: ناس، وإن كان بوزن عال، فإنه مماثل لباب، وإن كان باب وزنه فعل، وكذلك تحقيره مماثل لتحقيره، وإن كان نويس وزنه عويل، وبويب وزنه فعيل.

ووافق الكسائىّ من الكوفيين، فى أن ناسا كباب، وأصله نوس، فعل من النّوس، وهو التحرّك: سلمة بن عاصم.

ومن ذلك-أعنى حذف الهمزة فاء-حذف همزة «إلاه» حذفوها تخفيفا، كما حذفوا همزة أناس، وهمزة أب، فى قولهم: يا با فلان، فقالوا: لاه أبوك، يريدون:

لله، كما قال:

لاه ابن عمّك لا أفضلت فى حسبعنّى ولا أنت ديّانى فتخزونى
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة

/معنى «تخزونى»: تسوسنى وتقهرنى، ومعنى «عنّى» هاهنا بمعنى عليّ.

والدّيّان: ذو السّياسة.

فلاه فى قوله: «لاه ابن عمّك» أصله: لله، فحذف لام الجر، وأعملها محذوفة، كما أعمل الباء محذوفة فى قولهم: الله لأفعلنّ، وأتبعها فى الحذف لام التعريف، فبقى لاه، بوزن عال، ولا يجوز أن تكون اللام فى قوله: «لاه ابن عمّك» لام الجرّ، وفتحت لمجاورتها للألف، كما زعم بعض النحويين، لأنهم قالوا: لهى أبوك، بمعنى لله أبوك، ففتحوا اللام، ولا مانع لها من الكسر فى «لهى»، لو كانت الجارّة، وإنما يفتحون لام الجرّ مع المضمر، فى نحو: لك ولنا، وفتحوها فى الاستغاثة، إذا دخلت فى اسم المستغاث به، لأنه أشبه الضمير، من حيث كان منادى، والمنادى يحلّ محلّ الكاف من قولك: أدعوك.

فإن قيل: فكيف يتصل الاسم بالاسم، فى قوله: لاه ابن عمّك، بغير واسطة، وإنما يتصل الاسم بالاسم فى نحو: لله زيد، ولأخيك ثوب، بواسطة اللام؟

قيل: إن اللام أوصلت الاسم بالاسم، وهى مقدّرة، كما عملت الجرّ وهى مقدّرة، وكما أوصلت الباء فعل القسم إلى المقسم به، وهى محذوفة، فأصل هذا الاسم الذى هو «الله» تعالى مسمّاه، إله، فى أحد قولى سيبويه، بوزن فعال، ثم

لاه، بوزن عال، ولمّا حذفوا فاءه عوّضوا منها لام التعريف، فصادفت وهي ساكنة، اللام التى هى عين، وهى متحرّكة، فأدغمت فيها، وبعض العرب يقطعون همزة لام التعريف منه فى النداء، فيقولون: يا الله، ليدلّوا بقطعها على أن الألف واللام فيه عوض من همزة قطع، وخصّوه بشىء لم يسمع فى غيره، وهو تفخيم لامه، تعظيما له وتنويها به، وذلك إذا وقعت بعد ضمّة أو فتحة، كقولك:

يقول الله، وقال الله، ويفعلون ذلك أيضا إذا ابتدءوا به، لأنّ همزة لام التعريف مفتوحة، وهذا التفخيم معدوم فى اللاّت، وما قاربها فى اللفظ، /كالّتى واللاّتى، فإن جيء به بعد كسرة، رقّقوا لامه، لموافقة التّرقيق للكسر.

والذى ذهب إليه سيبويه، من أنّ أصل هذا الاسم: إلاه، قول يونس بن حبيب، وأبى الحسن الأخفش، وعلىّ بن حمزة الكسائىّ، ويحيى بن زياد الفرّاء، وقطرب بن المستنير، وقال بعد وفاقه لهذه الجماعة: وجائز أن يكون أصله: لاه، وأصل لاه: ليه، على وزن فعل، ثم أدخل عليه الألف واللام، فقيل: الله، واستدلّ على ذلك بقول بعض العرب: لهي أبوك، يريدون: لاه أبوك، قال: فتقديره على هذا القول: فعل، والوزن وزن باب ودار، وأنشد للأعشى:

كحلفة من أبى رياحيسمعها لاهه الكبار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم تروا إرما وعادا»

ولذى الإصبع العدوانىّ: «لاه ابن عمك» البيت. انتهى كلام سيبويه.

وأقول: إنّ الاسم الذى هو «لاه» على هذا القول، تامّ وأصله: ليه، فعل، مثل جبل، فصارت ياؤه ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ومن قال: لهى أبوك، فهو مقلوب من لاه، قدّمت لامه التى هى الهاء، على عينه التى هى الياء، فوزنه فلع، وكان أصله بعد تقديم لامه على عينه: للهى، فحذفوا لام الجرّ ثم لام التعريف، وضمّنوه معنى لام التعريف، فبنوه، كما ضمّنوا معناها أمس، فوجب بناؤه، وحرّكوا الياء لسكون الهاء قبلها، واختاروا لها الفتحة لخفّتها.

فأمّا اشتقاق هذا الاسم، تعالى المسمّى به، فقد قيل فيه غير قول، فمن ذلك قول من قدّمت ذكره من أهل العلم بالعربيّة، أن أصله إلاه، فعال بمعنى مفعول، كأنه مألوه، أى مستحقّ للعبادة، يعبده الخلق ويألهونه، والمصدر الألوهة، والتألّه: التعبّد، قال رؤبة:

سبّحن واسترجعن من تألّهى

أى تعبّدى، ومعنى العبادة: الخضوع والتذلّل، من قولهم: طريق معبّد، إذا كان موطوءا مذلّلا، لكثرة السّير فيه، ومنه اشتقاق العبد، لخضوعه وذلّته لمولاه.

وقال الخليل بن أحمد: أصل إلاه: ولاه، من الوله، والوله: الحيرة، فأبدلوا

الواو لانكسارها همزة، كما قالوا فى وشاح ووعاء: إشاح وإعاء، ثم أدخلوا عليه الألف واللام للتعريف، فقالوا: الإلاه، ثم حذفوا همزته بعد إلقاء حركتها على لام التعريف، فصار: اللاه، فاجتمع فيه مثلان متحرّكان، فأسكنوا الأول، وأدغموه فى الثاني، وفخّموا لامه، فقالوا: الله، فكأنّ معناه على هذا المذهب أن يكون الوله من العباد إليه جلّت عظمته.

وقال قطرب وغيره من العلماء بالعربية: إنّ هذا الاسم لكثرة دوره فى الكلام، كثرت فيه اللّغات، فمن العرب من يقول: والله لا أفعل، ومنهم من يقول: لاه لا أفعل، ومنهم من يقول: والله بحذف ألفه، وإسكان هائه، وترك تفخيم لامه، وأنشدوا:

أقبل سيل جاء من أمر اللهيحرد حرد الجنّة المغلّة
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أقبل سيل جاء من أمر الله»

يحرد: يقصد.

وأقول: إن حذف ألفه إنما استعمله قائل هذا الرجز للضرورة، وأسكن آخره للوقف عليه، ورقّق لامه، لانكسار ما قبلها، ولو لم يأت فى قافية البيت الثانى «المغلّة» لأمكن أن يقول: جاء من أمر اللاّه، فيثبت ألفه، ويقف على الهاء بالسكون.

ومن الأسماء المحذوف منها الهمزة، فاء «أبو فلان» إذا نادوه، كقول أبى الأسود الدّؤلىّ:

يا با المغيرة ربّ أمر معضلفرّجته بالمكر منّى والدّها

وأمّا الأفعال التى حذفت الهمزة منها فاء، فمنها قولك إذا أمرت من الأخذ والأكل: خذ وكل، أصلهما أأخذ واأكل، فثقل عليهم اجتماع همزتين فيما يكثر استعماله، فأسقطوا الثانية، فوجب بإسقاطها إسقاط الأولى، لأنها همزة/ وصل، وهمزة الوصل إنما تجتلب توصّلا إلى النطق بالساكن، فإذا سقط الساكن الذى لأجله تجتلب، استغنى عنها.

فأما [قولك] افعل من أمر يأمر، فللعرب فيه مذهبان، منهم من نزّله منزلة خذو كل، فقالوا: مر فلانا بكذا، ومنهم من فرّق بينه وبينهما، لأنه لم يكثر استعماله كثرة استعمالهما، فلمّا فارقهما بكونه أقلّ منهما استعمالا، وكرهوا اجتماع الهمزتين، أبدلوا الثانية لانضمام ما قبلها واوا، فقالوا: أومر، كما فعلوا ذلك فيما قلّ استعماله من هذا الضّرب، نحو أجر الدار يأجرها، وأثر الحديث يأثره، فقالوا:

أوجر دارك، أوثر حديث زيد، فإذا دخل حرف العطف عليه، أجمعوا على إعادة همزته إليه، فقالوا: مر زيدا وأمر عمرا، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾.

وقد شبّه بعض العرب «ائت» بخذ وكل، وإن لم يكن مثلهما فى الكثرة، فأسقطوا الهمزة التى هى فاء، فاجتمع عليه إسقاط فائه ولامه، فقالوا: ت زيدا،

فإذا وقفوا عليه قالوا: ته، فألحقوه هاء السّكت، كما تقول إذا أمرته من ولى: ل عملك، ومن وفى يفى: ف بقولك، فإذا وقفت قلت: له، وفه، وكذلك تكتب هذا الضّرب، أعنى أنك تلحقه فى الخطّ الهاء، لأن الخطّ مبنىّ على الوقف، ألا ترى أنهم يصوّرون التنوين، فى نحو رأيت زيدا، ألفا، لأنهم إذا وقفوا عليه وقفوا بالألف، وكذلك يحذفون الياء من الخطّ فى باب قاض فى الرفع والجر، لأنهم يقفون عليه فى اللغة العليا [بغير ياء] قال الشاعر:

ت لى آل زيد فاندهم لى جماعةوسل آل زيد أىّ شيء يضيرها

قوله: «فاندهم»: أى فأتهم فى ناديهم، وقوله: «لى» أى لأجلى.

وأمّا حذف الهمزة عينا، فجاء على ضربين، ملتزم وغير ملتزم، فغير الملتزم حذفها بعد إلقاء حركتها على ساكن قبلها، كقولك فى يسأل: يسل، وفى قولك:

اسأل: سل، ألقيت فتحة الهمزة من قولك: اسأل، على السّين، وحذفتها ثم حذفت/همزة الوصل، استغناء عنها بحركة السّين، فهذا حذف قياسيّ، لأنّ استعماله على سبيل الجواز، وكذلك إن كانت الهمزة فاء من كلمة، والساكن قبلها من كلمة، ألقيت حركتها عليه وحذفتها، فقلت فى كم إبلك: كم بلك، ومن أخوك؟ من خوك، وفى قد أفلح: «قد فلح المؤمنون».

فأمّا الحذف الملتزم فيها إذا كانت عينا، فحذف الهمزة من يرى ونرى

ونظائرهما، وهى ترى ونرى ويرى وأرى ونرى وأرى وترى ويرى، كان الأصل فى يرى: يرأى، مثل يرعى، وفي يرى: يرإى، مثل يرعى، فألقوا حركة الهمزة على الراء، ثم حذفوها والتزموا حذفها، والتزامه شاذّ، وحذفوها [أيضا] من ماضى يرى، فقالوا: أرى، وأصله أرإى، مثل أرعى، ومن اسم فاعله، فقالوا: مرى، وأصله مرئى، مثل مرعى، وحذفوها من مثال الأمر المصوغ من رأى، كقولك:

يا زيد ر جعفرا، تريد أبصر جعفرا، وكان الأصل: ار أ، مثل ارع، فألقيت حركة الهمزة على الراء، وحذفت ثم حذفت همزة الوصل، للاستغناء عنها، وهذا جمع بين إعلالين متواليين، حذف الهمزة التى هى عين، وحذف [الألف] المنقلبة عن الياء، التى هى لام فى رأيت، فلم يبق إلاّ الفاء، فقولك: ر جعفرا، مثاله ف جعفرا، فإن أمرت اثنين، رددت اللام، فقلت: ريا، وأصله: ارأيا، مثل ارعيا، فألقيت حركة الهمزة على الراء وحذفتها، ثم حذفت همزة الوصل، فوزن ريا فلا، وإنما رددت اللام هنا، كما رددتها من كلّ فعل معتلّ اللام، أمرت منه اثنين، كقولك من خشيت: اخشيا، ومن دعوت: ادعوا، فإن أمرت رجالا قلت:

روا، وأصله ارأوا، مثل ارعوا، ففعلت من إلقاء حركة الهمزة على الراء، وحذفها بعد الإلقاء، ثم حذف همزة الوصل، للاستغناء عنها، كما فعلت فيما قدّمت ذكره، فوزن روا: فوا، وإنّما لم تردّ اللام هنا، كما تردّها فى نحو: اخشوا، لأن أصله: اخشيوا، /فحذفت ضمّة الياء استثقالا لها على الياء، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ولم تحذف الياء من اخشيا لخفّة الفتحة.

فإن أمرت نساء قلت: رين، وأصله: ارأين، مثل ارعين، ففعلت ما تقدّم ذكره، من إلقاء الحركة، ثم حذف الهمزتين، الهمزة التى هى عين، وهمزة الوصل، فوزن رين: فلن، وإنما رددت اللام هنا كما رددتها فى نحو اخشين، وإنما ثبتت فى اخشين، لسكونها كما سكنت الميم في اعلمن، والباء فى اشربن.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.