من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل (٩)
/ قد ذكرت فيما مضى الحذف الواقع باسم المفعول المعتلّ العين، المأخوذ من نحو: خاف وحاز وهاب وباع، وذكرت اختلاف النحويين فى الحرف المحذوف منه، ذكرا مستوفى، غير أنّى ألمّ بذكر ذلك هاهنا تكملة لذكر الحذوف.
فأقول: إنّ أصل اسم المفعول من الخوف: مخووف، ومن الهيبة:
مهيوب، ومذهب الخليل وسيبويه أن الواو الزائد فى نحو: مخووف، هو المحذوف، لكونه زائدا، والزائد أحقّ بالحذف من الأصلىّ، وطريق حذفه أنهم ألقوا ضمّة الواو الأوّل على الساكن الذى قبله، ثم حذفوا الثانى، لالتقائهما ساكنين، فوزن مخوف إذن: مفعل.
وكذلك القول فى ذوات الياء [أنّ ضمّة الياء من] مهيوب ومبيوع ونحوهما، ألقيت على الساكن، ثم حذفت الواو لسكونها وسكون الياء وكسر ما قبل الياء، لئلاّ تنقلب لانضمام ما قبلها واوا، فقيل: مهيب ومبيع، فوزنهما: مفعل.
وقال الأخفش: إنّ الياء لمّا سكنت حذفت لسكونها وسكون الواو، وأبدلت من الضمّة قبلها كسرة، لئلاّ يصير إلى مهوب ومبوع، فتلتبس ذوات الياء بذوات الواو، فوزن مخوف على قوله: مفول، ووزن مهيب: مفيل.
والحجّة للخليل وسيبويه: أنّ واو مفعول أولى بالحذف من عينه، لأن حذف الزائد أولى من حذف الأصلىّ.
وقال الأخفش: إنما حذفت العين وأقررت الزائد، لأنّ الزائد لمعنى، وكلّ حرف لمعنى يقتضى المحافظة عليه، ألا ترى أنّ الياء لما سكنت فى باب قاض، ولقيها
التنوين، وجب حذف الياء، وإن كانت لاما، لأن التنوين علم الصّرف، فوجب لذلك إقراره.
/والجواب عن هذا القول: أنّ واو مفعول ليست وحدها هى الدالّة على اسم المفعول، بل هى والميم وضعا لذلك، والميم أقوى منها فى الدّلالة على هذا المعنى، لأنها أول الكلمة، فلما حذفت الواو اجتزئ بدلالة الميم على أنّ الاسم موضوع للمفعول، ويدلّك على أن الميم هى الأصل فى الدلالة على اسم المفعول، انفرادها بهذا المعنى، فى نحو: مكرم ومدحرج ومستخرج.
وقد صحّحوا طرفا من ذوات الياء، فقالوا: ثوب مخيوط، وبرّ مكيول، وفرس معيوب، إلى غير ذلك، ولم يأت [التصحيح] فى شيء من ذوات الواو إلا فى قولهم: مسك مدووف، وثوب مصوون، وحكى قوم حرفين آخرين: فرس مقوود، وقول مقوول، والمعروف فيهنّ الحذف.
انتهى المجلس السادس والأربعون، بعون الله وحسن توفيقه.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع