من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل] [في مناداة الاسم المنقوص:
يقتضيه هذا الفصل، وهو أنك إذا ناديت اسما منقوصا، فللنحويّين فى يائه اختلاف، فمذهب سيبويه إثباتها، لأنها احتمت بالنداء من التنوين، كما احتمت بالألف واللام [وبالإضافة] ومذهب يونس بن حبيب حذفها، فعنده أنّ قولك:
يا قاض، أوجه من قولك: يا قاضى، قال: لأنّ باب النداء باب حذف وتغيير، فهو مما كثر فيه التخفيف، لكثرة استعماله، فلذلك اختصّ به الترخيم، واتّسع فيه حذف ياء الضمير، فى نحو: يا غلام ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي﴾ اكتفاء بدلالة الكسرة على الياء، ولم يخالف يونس سيبويه في إثبات الياء من اسم الفاعل المصوغ من أرى يرى، إذا نودى، فكلاهما يقول: يا مرى، فيثبتها لئلاّ يجتمع على الاسم حذف عينه وحذف لامه، وقد جاء في هذا التركيب لغيّة، ردّوا فيها اللام، وهى لغة التقديم فيه والتأخير، وذلك قولهم: راء، مثل راع، أخّروا همزته، وقدّموا ياءه، فصارت ألفا، لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فوزنه: فلع، قال كثيّر عزة، أو غيره:
وكلّ خليل راءنى فهو قائلمن اجلك هذا هامة اليوم أوغد
فإذا استعملوا مضارعه، ردّوا عينه، فجاءوا به على يفعل، دون يفلع، فقالوا: يرأى، مثل يرعى، وهى من اللّغات القليلة الاستعمال، لقلّة مستعمليها.
وممّا التزموا فيه حذف همزته، وهي عين، كما التزموا حذفها فى يرى/ ونظائره [قولهم] ملك، أصله: ملأك، مفعل من الألوك، وهى الرسالة، فألقوا حركة الهمزة على اللام، ثم حذفوها، واستمرّ ذلك فى استعمالهم إيّاه، ولم يردّوها إلاّ فى الجمع، ولم يأت ردّها فى الأصل الذى هو الواحد إلاّ نادرا فى الشّعر، كقوله:
فلست لإنسىّ ولكن لملأكتنزّل من جوّ السّماء يصوب
كما جاء فى النادر:
أرى عينىّ ما لم ترأياهكلانا عالم بالتّرّهات
التّرّهة: الباطل من كلّ شيء.
ومما حذفوا عينه وهي همزة، حذفا شاذّا، قولهم فى المئين: المين، وهى لغة رديّة، لأنّ فيها جمعا بين إعلالين متلاصقين: حذف العين وحذف اللام، لأن أصل مائة: مئية، ومثله فى الجمع بين إعلالين، قولهم فى بنى العنبر وبنى الحارث: بلعنبر وبلحارث، فحذفوا النون من «بنى» مع حذف اللام من ابن، ويتبيّن هذا فيما تراه بعد، بمشيئة الله وحسن إعانته.
انتهى المجلس السابع والأربعون بعون الله وحسن توفيقه.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع