من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس التاسع والأربعون يتضمّن ذكر حذف الهمزة من «أمّ» فى قوله
ويلمّ قوم، وتفسير أبيات، وذكر حذف لامات
/فممّا حذفت فيه همزة «أمّ» قول الشاعر:
ويلمّ قوم غدوا عنكم لطيّتهملا يكتنون غداة العلّ والنّهل
صدء السّرابيل لا توكا مقانبهمعجر البطون ولا تطوى على الفضل
يروى: ويلمّ، بكسر اللام، وو يلمّ، بضمّها، والأصل فيه ما قدّمت حكايته عن أبى علىّ، وهو: ويل لأمّ قوم، فحذف التنوين، فالتقى مثلان، لام «ويل» ولام الخفض، فأسكنت الأولى وأدغمت فى الثانية، فصار: ويلّ امّ قوم، مشدد اللام مكسورها، فخفّف بعد حذف الهمزة بحذف إحدى اللامين، فأبو علىّ ومن أخذ أخذه، نصّوا على أنّ المحذوفة اللام المدغمة، فأقرّوا لام الخفض على كسرتها، وآخرون نصّوا على أن المحذوفة لام الخفض، وحرّكوا اللام الباقية بالضمة التى كانت لها فى الأصل.
وقوله: «لطيّتهم» الطّيّة: السفر، وموضع «لطيّتهم» نصب على الحال، أى غدوا عنكم مسافرين.
والعلّ: الشّرب الأوّل، والنّهل: الشّرب الثانى.
وقوله «لا يكتنون» أى لا يقول أحدهم مفتخرا عند شرب إبله الأوّل وشربها الثانى: أنا أبو فلان، أراد أنهم ليسوا برعاء يسقون الإبل، وإنما يكتنى ويرتجز على الدّلو السّقاة والرّعاء.
وقد قيل فيه قولان آخران، أحدهما [أنهم] يسامحون شريبهم، ويؤثرونه بالسّقى قبل أموالهم، ولا يصولون عليه فيكتنون، وهذا من كرمهم.
والقول الآخر: أنهم ذوو عزّ ومنعة، فإذا وردت إبلهم ماء أفرج الناس لها عنه، لأنها/قد عرفت، فلا حاجة لأربابها إلى الاكتناء لتعرف.
وقال بعض أهل العلم باللغة، فى قوله: «يكتنون» إنه من قولهم: كتنت يده تكتن، إذا خشنت [من العمل] فقال: ليسوا بأهل مهنة فتكتن أيديهم وتخشن من العمل، بل لهم عبيد يكفونهم ذلك، فوزن يكتنون فى هذا القول:
يفعلون، وفى القول الأول: يفتعون، وأصله يكتنيون، يفتعلون من الكنية، فحذفت ضمّة يائه، ثم حذفت الياء لسكونها وسكون الواو، ثم أبدلت الكسرة قبل الواو ضمّة، لئلا تنقلب الواو ياء.
وقوله: «صدء السّرابيل» السّرابيل: اسم يقع على الدّروع وعلى القمص بذلك جاء التنزيل فى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ وفى هذا الكلام حذف عاطف ومعطوف، إذ التقدير: تقيكم الحرّ والبرد.
ووصفهم بأن دروعهم صدء، لكثرة حملهم السلاح ولبسهم له، وصدء:
جمع أصدأ، كأحمر وحمر.
وقوله: «لا توكا مقانبهم» معناه: لا تشدّ أوعيتهم التى يكون فيها الزاد، واحدها مقنب، كنى بذلك عن إطعامهم الزاد، أى إنهم إذا سافروا لا تشدّ أوعية زادهم، بل يبذلونه لمصاحبيهم.
وقوله: «عجر البطون» من صفة المقانب، والعجر: جمع أعجر، وهو الضّخم، وانتصاب قوله: «عجر البطون» على الحال، وهو من باب: حسن الوجه، أى لا تشدّ أوعية زادهم ضخاما بطونها، أى لا تشدّ وهى مملوءة.
وقوله: «توكا» من الوكاء، وهو السّير الذى يشدّ به رأس القربة، والخيط الذى يشدّ به رأس الجراب ونحوه، وشبّه رسول الله ﷺ، العينين فى اليقظة بالوكاء، فى قوله: «العينان وكاء السّه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء» السّه والاست بمعنى، أراد
أن العينين شداد الاست، فإذا كان يقظان/حفظت عينه استه، كما يحفظ الوكاء ما فى الوعاء، فإذا نام انحلّ الشّداد.
وقوله: «لا تطوى على الفضل» أراد أنّ أوعية زادهم لا تطوى على ما فضل فيها منه، وجمع فاضل الطّعام على الفضل، لأنّ مثال فاعل من الصفات قد جمع على الفعل فى قول الأعشى:
إنّا لأمثالكم يا قومنا قتل
وفى قوله:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتناأو تنزلون فإنّا معشر نزل
جمع قاتلا ونازلا، على قتل ونزل، كما ترى، ورفع قوله: «أو تنزلون» على الاستئناف بتقدير: أو أنتم تنزلون.
وذكر أبو عليّ فى قول الله سبحانه: ﴿كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ أن النّزل يجوز أن يكون جمع نازل، فينتصب على الحال من الهاء والميم، من قوله:
﴿لَهُمْ﴾ أى كانت لهم جنات الفردوس نازلين فيها، ويجوز أن يراد بقوله: ﴿نُزُلاً﴾ الطعام الذى يهيّأ للنّزيل، فيكون فى الكلام تقدير حذف مضاف، أى كانت لهم ثمرات جنات الفردوس نزلا، فعلى هذا ينتصب قوله: ﴿نُزُلاً﴾ بأنه خبر كان.
وقد جاءت لفظة «الفضل» بمعنى آخر، اسما غير جمع، وذلك فى بيت للمتنخّل الهذلى، من قصيدة رثى بها ابنه أثيلة [وكان خرج مع ابن عمّ له، يقال له: ربيعة بن الجحدر غازيين، فأغارا على طوائف من فهم بن عمرو بن قيس عيلان، فقتل أثيلة] وأفلت ربيعة، فقال أبوه فى مرثيته له:
فقد عجبت وما بالدّهر من عجبأنّى قتلت وأنت الحازم البطل
السّالك الثّغرة اليقظان كالئهامشى الهلوك عليها الخيعل الفضل
قوله: «أنّى قتلت» أى كيف قتلت؟.
والثّغرة والثّغر بمعنى واحد، وهو موضع المخافة.
وكالئها: حافظها.
والهلوك من النساء: التى تتهالك فى مشيتها، أى تتبختر وتتكسّر، وقيل:
الهلوك: الفاجرة التى تتواقع على الرجال.
والخيعل: القميص الذى لاكمّى له، وقيل: لاكمّي له ولا دخاريص.
ويقال: امرأة فضل: إذا كان عليها قميص ورداء، وليس عليها إزار ولا سراويل، فأراد بما وصفه به: أنت الذى من شأنه سلوك موضع المخافة، يمشى متمكّنا غير فروق ولا هيوب، /مشى المرأة الفاجرة المتبخترة الفضل، وقال الأعشى فى الفضل:
ومستجيب لصوت الصّنج يسمعهإذا ترجّع فيه القينة الفضل
فأمّا إعراب البيت، فإن الوجه فى قوله: «السّالك الثّغرة» نصب الثّغرة، كقولك: الضارب الرجل، ويجوز فيها الخفض، كقولك: الضارب الرجل، على التشبيه بالحسن الوجه [كما قالوا: الحسن الوجه] فنصبوا على التشبيه بالضارب الرجل، وإذا نصبت الثّغرة أو خفضتها، أجريت عليها اليقظان وصفا، فنصبته أو جررته، وارتفع به كالئها، كقولك: مررت بالمرأة الحسن وجهها، وجاز ذلك لعود الضمير إلى الموصوف.
وقوله: «مشى الهلوك» إن شئت نصبته بتقدير: يمشى مشى الهلوك، وإن شئت أعملت فيه السالك، لأن السالك يقطع الأرض بالمشى، فيكون من باب: تبسّمت وميض البرق، لأنّ تبسّمت بمعنى أومضت، ومثله: إنّى لأبغضه كراهة، وإنى لأشنؤه بغضا، ومثله فى التنزيل: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ وقوله:
﴿فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً﴾.
وزعم بعض من لا معرفة له بحقائق الإعراب، بل لا معرفة له بجملة الإعراب، أن ارتفاع «الفضل» على المجاورة للمرفوع، فارتكب خطا فاحشا، وإنما الفضل نعت للهلوك على المعنى، لأنها فاعلة من حيث أسند المصدر الذى هو المشى إليها، كقولك: عجبت من ضرب زيد الطويل عمرا، رفعت «الطويل» لأنه وصف لفاعل الضرب، وإن كان مخفوضا فى اللفظ، ولو قلت: عجبت من ضرب زيد الطويل عمرو، فنصبت «الطويل» بأنه نعت لزيد على معناه، من حيث هو مفعول فى المعنى، كان مستقيما، كما عطف الشاعر عليه المنصوب فى قوله:
قد كنت داينت بها حسّانامخافة الإفلاس واللّيّانا
ومثل ذلك فى العطف قراءة الحسن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ /أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ عطف الملائكة والناس على اسم الله، على المعنى، لأنّ التقدير: عليهم أن لعنهم الله.
ومثل رفع الفضل على النّعت للهلوك، رفع المظلوم على النعت للمعقّب، فى قول لبيد يصف الحمار والأتان:
يوفى ويرتقب النّجاد كأنهذو إربة كلّ المرام يروم
حتّى تهجّر فى الرّواح وهاجهاطلب المعقّب حقّه المظلوم
قوله: يوفى: أى يشرف.
والنّجاد: جمع النّجد، وهو المرتفع من الأرض، أى يشرف على الأماكن المرتفعة كالرّقيب، وهو الرجل الذى يكون ربيئة لقوم، يربض على نشز متجسّسا.
والإربة: الحاجة.
وقوله: «حتّى تهجّر فى الرّواح» أى عجّل رواحه فراح فى الهاجرة.
وهاجها: أى هاج الأتان، طردها وطلبها، مثل طلب الغريم المعقّب حقّه، [فالمعقّب فاعل الطلب، ونصب حقّه لأنه مفعول الطلب، والمظلوم صفة للمعقّب على المعنى، فرفعه لأن التقدير: طلبها مثل أن طلب المعقّب المظلوم حقّه] والمعقّب: الذى يطلب حقّه مرّة بعد مرّة، وهذا تفسير الأصمعىّ، أراد أنه يطلب حقّه طلبا عقيب طلب.
وفى مرثية المتنخّل:
فاذهب فأىّ فتى فى الناس أحرزهمن حتفه ظلم دعج ولا جبل
ذهب بقوله: «أىّ فتى» مذهب النفى، أى ليس فى الناس فتى أحرزه من حتفه ظلم، فلذلك عطف عليه بالنفى، فقال: ولا جبل، وهذا كقولك لمن أكرمته فجحد إكرامك له، أو قابله بقبيح: أىّ إنسان يكرمك بعد هذا؟ تريد:
لا يكرمك إنسان. وفيها:
أقول لمّا أتاني الناعيان بهلا يبعد الرّمح ذو النّصلين والرّجل
قوله: «به» أى بنعيّه، فحذفه لدلالة قوله: «الناعيان» عليه.
وقوله: «ذو النّصلين» شبّهه بالرّمح الذى له نصل وزجّ، فسمّى الزّجّ نصلا، وإنما الزّجّ الذى يكون فى أسفل الرمح، فغلّب النّصل على الزّجّ، لأن العمل للنّصل، وإذا كان/للرمح زجّ، كان أمكن للطّعن به.
وقوله: «والرجل» أراد: والرجل فى الشجاعة والعقل. وبعد هذا البيت:
ربّاء شمّاء لا يدنولقلّتها
إلاّ السّحاب وإلاّ الأوب والسّبل
أراد أنه يكون ربيئة فى قلّة جبل أشمّ شامخ.
والأوب: جماعة النّحل، وقيل: الأوب: الرّيح.
والسّبل: المطر.
ذكر الشريف المرتضى، رضى الله عنه، البيتين اللذين الأول منهما: «ويلمّ قوم» فى كتابه الذى سماه (غرر الفوائد) وبيّن معنييهما، غير أنه لم يستوعب [تفسير] ما فيهما من اللّغة، ولم يتعرّض للإعراب فيهما، ولم يزل قليل الإلمام بهذا الفنّ، وقال فى قوله: «ويلمّ قوم»: هذا من الزّجر المحمود الذى لا يقصد به الشرّ، مثل قولهم: قاتل الله فلانا، ما أشجعه!. وترحه الله، ما أسمحه! ومثله قول آخر:
فويل بها لمن تكون ضجيعهإذا ما الثّريّا ذبذبت كلّ كوكب
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع