من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل تردفه فصول فى حذف اللام
اللام أمكن فى الحذف من العين، والكلم المحذوف لاماتها على ضربين، ضرب عوّضوه من محذوفه، وضرب لم يعوّضوه، فالذى لم يعوّضوه على ضربين، مذكر ومؤنّث بالهاء، فالمذكّر سوى اليد: دم وغد ويد ودد وأب وأخ وحم وهن وحر وفوك وذو مال.
والمؤنث: شاة وشفة وسنة وأمة وضعة وبرة ولغة وقلة وثبة وظبة وكرة وحمة ومائة وسية وفئة ورئة وعزة وعضة ولثة.
والضّرب الذى عوّضوه على ضربين، ضرب عوّضوه حرفا فى أوّله، وضرب عوّضوه حرفا فى آخره أو أوسطه.
فالذى عوّضوه فى الأوائل، عوّضوه همزة الوصل، وهو: اسم واست وابن وابنة/واثنان واثنتان.
والضرب الآخر عوّضوه التاء، وهو: بنت وأخت وهنت وثنتان وكلتا وكيت وذيت.
فأصل دم عند بعض التصريفيين: دمى، ساكن العين، قالوا: لأنّ الأصل فى
هذه المنقوصات أن تكون أعينها سواكن، حتى يقوم دليل على الحركة، من حيث كان السّكون هو الأصل، والحركة طارئة، قالوا: وليس ظهور الحركة فى قولنا:
«دميان» دليلا على أن العين متحرّكة فى الأصل، لأنّ الاسم إذا حذفت لامه واستمرّت حركات الإعراب على عينه، ثم أعيدت اللام فى بعض تصاريف الكلمة، ألزموا العين الحركة، لإلفهم الحركة فيها، إذا قالوا: دم ودما وبدم.
وقال من خالف أصحاب هذا القول: أصل دم: دمى، فعل مفتوح العين، لأنّ بعض العرب قلبوا لامه ألفا، فألحقوه بباب رحا، فقالوا: هذا دما وبدما، وأنشدوا:
كأطوم فقدت برغزهاأعقبتها الغبس منه عدما
غفلت ثم أتت تطلبهفإذا هى بعظام ودما
وعلى هذه اللغة أنشدوا: «يقطر الدّما» بالياء، فى قوله:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومناولكن على أقدامنا يقطر الدّما
وقال بعض العرب فى تثنيته: دمان، فلم يردّوا اللام، كما قالوا فى تثنية يد:
يدان، والوجه أن يكون العمل على الأكثر، ولذلك حكى قوم: دموان، والأعرف فيه الياء، وعليه أنشدوا:
فلو أنّا على حجر ذبحناجرى الدّميان بالخبر اليقين
قال بعض أهل اللغة: من العرب من يقول: الدم، بالتشديد، كما تلفظ به العامّة، وهى لغة رديئة، وأنشدوا لتأبّط شرّا:
حيث التقت بكر وفهم كلّهاوالدّمّ يجرى بينهم كالجدول
/والعامّة تفعل مثل هذا فى الفم، ومن العرب من يشدّد الفم أيضا، وإنما يكون ذلك فى الشّعر، كما قال:
يا ليتها قد خرجت من فمّه
الأطوم: البقرة الوحشيّة، والبرغز: ولدها، والغبس: الذّئاب.
وغد، أصله: غدو، وقد نطقوا به، قال:
وما الناس إلاّ كالديار وأهلهابها يوم حلّوها وغدوا بلاقع
وقال آخر:
لا تقلواها وادلواها دلواإنّ مع اليوم أخاه غدوا
قوله: «لا تقلواها» أى لا تعجلا بها فى السّير، ويقال: قلت الناقة براكبها: إذا تقدّمت به، وقلا العير أتنه [قلوا] إذا طردها.
والدّلو: ضرب من السّير السّهل، قال:
لا تعجلا فى السّير وادلواها
ويد، أصلها: يدى لظهور الياء فى تثنيتها، ولقولهم: يديت إليه يدا، أى أسديت إليه نعمة، قال:
يديت على ابن حسحاس بن بدربأسفل ذى الجذاة يد الكريم
فيجوز أن تكون اليد التى هى النعمة مأخوذة من التى هى الجارحة، لأن النعمة تسدى باليد، ويجوز أن تكون الجارحة مأخوذة من النّعمة، لأن اليد نعمة من نعم الله على العبد.
ويدلّ على سكون عينها جمعها على أيد، لأنّ قياس فعل فى جمع القلّة أفعل، كقولهم: أكلب وأكعب وأبحر وأنسر. [فى جمع نسر] وفتح الدال فى التثنية كقوله:
يديان بيضاوان عند محلّمقد يمنعانك أن تذلّ وتقهرا
لا يدلّ على فتحها فى الواحد، لما ذكرته لك من إجراء هذه المنقوصات على الحركة، إذا أعيدت لاماتها، وذلك لاستمرار حركات الإعراب عليها فى حال نقصها، وكذلك إذا نسبت إليها أعدت المحذوف، وفتحت الدال، /وأبدلت من الياء واوا، كما أبدلت من ياء قاض، فقلت: يدوىّ، هذا قول الخليل وسيبويه فى النّسب إلى هذا الضّرب، وأبو الحسن الأخفش ينسب إليه على زنته الأصلية، فيقول: يدييّ، وفى غد: غدوىّ، وفى حر: حرحىّ، والخليل وسيبويه يقولان:
غدوىّ وحرحىّ.
وجمع اليد التى هى الجارحة فى الأكثر على أيد، وقد جاء جمعها على أياد، فى قوله:
قطن سخام بأيادى غزّل
سخام: ناعم.
واليد التى هى النّعمة جمعها فى الأكثر الأشهر على الأيادى، وقد جمعوها على الأيدى، وإنما الأيادى جمع الجمع، كقولهم فى جمع أكلب: أكالب.
وقولهم فى تثنيتها: يدان، أكثر من قولهم: يديان، فهذا مضادّ لقولهم:
دمان ودميان.
وقولهم: «دد» أصله: ددن، وهو اللهو واللّعب، وجاء فى الحديث عنه
صلى الله عليه وآله وسلم: «ما أنا من دد ولا الدّد منّى» وقال عدىّ بن زيد العبادىّ:
أيّها القلب تعلّل بددنإنّ همّى فى سماع وأذن
الأذن: الاستماع، يقال: أذن للحديث يأذن أذنا: إذا استمع، وفى المأثور عنه ﵇: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبىّ يتغنّى بالقرآن» وقال قعنب بن أمّ صاحب:
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت بهوإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
أى استمعوا، وليس الجمع بين السّماع والاستماع فى بيت عدىّ، كالجمع بين النأى والبعد فى قول الحطيئة.
وهند أتى من دونها النّأى والبعد
لأن السماع هو القول المسموع، والاستماع فى أصل وضعه هو الإصغاء إلى المسموع.
وأصل أب وأخ وحم وهن: أبو وأخو وحمو وهنو، فعل كقلم، بدلالة جمعهنّ على أفعال: آباء وآخاء وأحماء وأهناء، كأقلام، والدليل على أن المحذوف منهنّ/واو، قولهم: أبوان وأخوان [وحموان] وهنوان وهنوات، فى جمع مؤنّثه، وقد ألحقوا فى بعض اللغات أبا وأخا وحما، بباب عصا، وذلك قليل، كقلّة قولهم:
بدما
وإذا أضافوا هذه الأسماء الأربعة، أعادوا إليهنّ لاماتهنّ، فقالوا: أبوك وأبو زيد، وأخوك وأخو بكر، وحموك وحموهند، وهنوك وهنو خالد. والحم أبو الزوج، وأبو امرأة الرجل، وبعضهم يقصره على أبى الزوج خاصّة، وأنشد:
هى ما كنّتى وتزعم أنّى لها حم
وفيه لغة ثالثة، رواها الأصمعيّ، وهو: الحمء، مهموز، مثل الكمء.
وقد جاء ترك إعادة اللام من «هنوك» فى بيت الفرزدق، وقد مرّ بامرأة وهو سكران يتواقع، فسخرت منه، فقال:
وأنتلو باكرت مشمولة
حمراء مثل الفرس الأشقر
رحت وفى رجليك عقّالةوقد بدا هنك من المئزر
أراد: هنك، فحذف الضمة من المنفصل، تشبيها بالمتصل، فنزّل «هنك» منزلة عضد.
فإن أضفتهنّ إلى ياء المتكلم لم تردّ، وقلت: أبى وأخى وحمى، وأجاز
أبو العباس المبرّد: أبىّ وأخىّ وحمىّ، واحتجّ بقول الشاعر:
قدر أحلّك ذا المجاز وقد أرىوأبيّ مالك ذو المجاز بدار
ومنع أبو علىّ من هذا، وقال: إن «أبىّ» فى البيت جمع أب، على لغة من قال فى جمعه: أبون وأبين، وعليه قول الشاعر:
فلمّا تبيّنّ أصواتنابكين وفدّيننا بالأبينا
وقول الآخر:
يدفّنّ البعولة والأبينا
وأما قول الآخر، وهو من أبيات الكتاب:
/فقلنا أسلموا إنّا أخوكمفقد برئت من الإحن الصّدور
فقيل فيه: إنه وضع الواحد موضع الجمع، كقول آخر:
كلوا فى نصف بطنكم تعفّوافإنّ زمانكم زمن خميص
وكقول آخر:
قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس
وقيل: إنه جمع أخ، كجمع أب على الأبين، وحذف النون من «أخون» للإضافة، ومن قال: الأبون والأخون، قال فى التثنية: الأبان والأخان، فلم يردّ اللام فى التثنية، كما لم يردّها فى الجمع، فالياء التى قبل ياء المتكلم فى قوله: أبىّ، ياء الجمع التى فى أبين، لا لام أب، فوزن أبىّ: فعىّ، لا فعلى، وعلى هذا الجمع حملت قراءة من قرأ: «نعبد إلهك وإله أبيك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق» ليكون بإزاء ﴿آبائِكَ﴾ فى القراءة الأخرى، وقد ذكرت هذا الفصل فيما قدّمته من الأمالى.
والهن: عبارة عن السّوءة، كما قال الفرزدق:
وقد بدا هنك من المئزر
ويقال: هنا المرأة: إذا غشيها، وقد استعملوه مؤنّثا وجمعوه، فردّوا المحذوف، ولم يردّوا، فقالوا: فى فلان هنات وهنوات، أى خصلات سوء، ولا يقال ذلك فى الخير، قال فى الردّ:
أرى ابن نزار قد جفانى وملّنىعلى هنوات شأنها متتايع
التّتايع: التهافت فى الشرّ، وقيل: هو اللّجاج، ولا يكون إلاّ فى الشر، وقال فى ترك الردّ:
ونعم الحيّ كلب غير أنالقينا فى جوارهم هنات
وحر: أصله حرح، لقولهم فى تحقيره: حريح، وفى جمعه: أحراح، قال:
وقد أقود جملا ممراحاذا قبّة مملوءة أحراحا
/انتهى المجلس التاسع والأربعون، بعون الله وحسن توفيقه.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع