من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل [في معنى قولهم: إنّ باب لويت أكثر من باب قوة:]
سألنى بعض المستفيدين أن أبيّن له معنى قولهم: إنّ باب لويت أكثر من باب قوّة، تبيينا شافيا.
فأجبت بأنّ ما جاءت الواو فيه عينا والياء لاما أكثر ممّا جاءت فيه الواو عينا ولاما، فقولك: لويت مثاله فعلت، وقولك: قوّة مثاله فعلة، فمن باب «قوّة»:
الجوّ: جوّ السماء، وهو الهواء، وجوّ: اسم اليمامة.
والبوّ: جلد حوار يحشى فتعطف عليه الناقة إذا مات ولدها لتدرّ عليه فتحلب.
والكوّة: فى الحائط.
/والحوّة: السّواد.
والصّوّة: واحدة الصّوى، وهى الأعلام من الحجارة، تنصب فى الفلاة ليستدلّ بها.
والصّوّان: حجارة فيها صلابة، مثاله فعلان، ويجوز أن تكون النون فيه أصلا فيكون مثاله فعّال، مأخوذ من الصّون؛ لأن الحجارة تصان الأقدام عن ملابستها، كقولهم فى الاسم العلم: حسّان، يكون فعّالا إذا أخذته من الحسن، فإن غلّبت زيادة الألف والنون فأخذته من الحسّ، وهو القتل فى قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ كان فعلان.
والهوّة: الوهدة العميقة.
والقوّة: الواحدة من قوى الحبل. والقوّة: ضد الضّعف، ومنه رجل مقو:
إذا كان كثير المال، والمقوى أيضا: المسافر الذى لا زاد معه ولا شيء له، فهو من الأضداد، وقيل: إنما قالوا له: مقو لنزوله فى القواء من الأرض، وهو القفر، ومنه قول الله تعالى فى ذكر النار: ﴿جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ﴾ فمعنى ﴿تَذْكِرَةً﴾ أنها يذكر بها نار الآخرة، ومعنى ﴿وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ﴾ أنّ الذين ينزلون بالقواء يتمتّعون بها، يختبزون ويطبخون ويشتوون ويصطلون ويستضيئون.
والدّوّ: المفازة، وهى الدّوّيّة أيضا.
وأمّا باب «لويت» فمنه: أويت إلى الشيء، وآويت فلانا إليّ.
وثويت فى المكان وأثويت: إذا أقمت فيه، لغتان فاشيتان، فمن أثويت قول الأعشى.
أثوى وقصّر ليله ليزوّدا
ومن ثويت فى التنزيل قوله تعالى: ﴿وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ والثّويّة: اسم مكان، والثّويّ: الضيف، وأمّ المثوى: صاحبة المنزل.
وحويت الشىء أحويه، والحويّة: واحدة الحوايا، وهى الأمعاء، والحويّة أيضا: كساء يحوّى حول سنام البعير. والحواء: بيت من وبر، والحوّاء: نبت،
كان أصله حوّاى، فقلبت ياؤه همزة لتطرّفها بعد ألف زائدة.
والجوى: داء القلب، لامه ياء، لأنه متى كانت الواو عينا واللام معتلّة حكمت بأن اللام ياء، حتى/يقوم دليل على أن أصل الألف واو، فلو سمّيت بالجوى وثنّيته قلت: جويان.
ومثله فى أن عينه واو، فلا تكون لامه إلاّ ياء، قولهم: خوى المنزل: إذا خلا، وخوى النجم وأخوى: إذا سقط ولم يكن عن سقوطه مطر، وخوّى البعير:
إذا تجافى فى بروكه، وغير ذلك من تركيب (خ وى).
ومثله من باب «لويت»: رويت الحديث أرويه رواية، ورويت على أهلى:
إذا أتيتهم بالماء، والرّويّ: حرف قافية الشّعر اللازم، والرّويّة: الحاجة، والراوية:
الجمل يحمل عليه الماء، ومنه قيل للمزادة: راوية، والأصل أنّ الرّاوية هو البعير، قال:
مشي الرّوايا بالمزاد الأثقل
ورجل راوية للشّعر: أنّثوه للمبالغة فى وصفه، كما قالوا: رجل علاّمة ونسّابة، وكما قالوا فى ضدّه طلبا للمبالغة: رجل لحانّة، ورجل هلباجة جخابة فقاقة، مخفّفان، ولهذه الأسماء ونظائرها فصل تذكر فيه بعد هذا الفصل.
ومن تركيب (زوى) قولهم: زويت الشىء: إذا جمعته، ومنه قوله ﵌ «زويت لى الأرض» أى جمعت، ومنه سمّيت زاوية البيت؛ لاجتماعها، ومنه زوى المال عن وارثه.
ومن تركيب (ذوى): ذوى العود يذوى: إذا يبس وبقيت فيه ندوّة.
ومن تركيب (س وى) استوى الشىء: اعتدل، وهذا لا يساوى درهما:
أى لا يعادله، وهما على سويّة من هذا الأمر: أى على استواء، ومكان سوى: يعلم الدّخول فيه والخروج منه، وقيل: هو النّصف بين مكانين، وسواء الدار: وسطها، ومنه ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ وجاء القوم سوى زيد، وسواء زيد، استثناء، واستعملا بمعنى غير، قال:
تجانف عن جلّاليمامة ناقتى
وما قصدت من أهلها لسوائكا
/أى لغيرك.
والخلّ: الطريق فى الرّمل. ويروى: عن جلّ اليمامة: أى عن جلّ أهل اليمامة.
ومن تركيب (ك وى) كويت الجرح، وكويت الرجل بعينى: إذا أحددت النظر إليه.
ومن تركيب (ل وى) لوى يده يلويها ليّا، ولواه بدينه ليّانا: إذا مطله، ولوى الرّمل: منقطعه، مقصور، ولواء الجيش، ممدود، واللّوى: وجع الجوف، إلى غير ذلك.
ومن تركيب (ن وى) نويت الأمر أنويه، والنّوى: التحوّل من دار إلى دار، ونوى التّمر وغيره.
ومن تركيب (هـ وى) الهوى: هوى النّفس، مقصور، والهواء: الفراغ
بين السماء والأرض، ممدود، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ أى فارغة غير واعية للذّكر، وهوى يهوى: إذا سقط من علو، والهاوية: كلّ مهواة، والهاوية:
اسم من أسماء جهنّم، إلى غير ذلك.
وما جاء من تركيب (ش وى) شويت اللّحم، والشّوى: رذال المال، والشّواة: جلدة الرأس، وجمعها شوى، ومنه قوله تعالى: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ والشّوى: القوائم، ومنه: رماه فأشواه: إذا لم يصب له مقتلا، والأصل أنه أصاب بعض قوائمه، والشّوى: الأمر الهيّن، وهذا التركيب واسع.
ومن تركيب (ط وى) طويت الثّوب، وطوى: مكان، وأطواء الناقة:
طرائق شحم جنبيها، والطّويّ: البئر المطويّة، والطّاوى: الخالى البطن من الطّعام، والمصدر: الطّوى، وأنشد النبىّ ﵌ قول عنترة:
ولقد أبيت على الطّوى وأظلّهحتّى أنال به كريم المأكل
/فقال: «كنت أشتهى أن أراه».
قوله: وأظلّه، أراد: وأظلّ عليه.
ومن تركيب (ض وى) الضّوى: الهزال، وغلام ضاويّ: مهزول، ووزنه فاعول، وكانت العرب تقول: إذا تقارب نسب الأبوين جاء الولد ضاويا. ومنه قولهم: «استغربوا لا تضووا»، وهذا التركيب متّسع.
ومن تركيب (دوى) الدّواء، والدّواة: التى يكتب بها، أصلها دوية.
والدّوي: الرجل الأحمق، وهو كثير.
ومن تركيب (ع وى) عوى الكلب يعوى عواء، وعوّيت عن الرجل تعوية: إذا كذّبت عنه، ورددت على مغتابه، واستعوى الرجل لفيفا من القوم: إذا نعق بهم.
والعواء مقصور وممدود: اسم نجم، وهو مأخوذ من قولهم: عويت يده: إذا لويتها؛ لأنه فى الصّورة نجم ملتو على نجم.
والمعاوية: كلبة تجعل، أى تطلب الذّكر فتعاوى الكلاب، وهى كلبة مجعل.
وروى أنّ شريك بن الأعور الحارثىّ-وكان من أصحاب أمير المؤمنين علىّ
عليه السلام-دخل على معاوية، فقال له متعرّضا به: إنّك لشريك، وما لله من شريك، وإنّك لابن الأعور، والصّحيح خير من الأعور، وإنك لدميم سيّئ الخلق، فكيف سدت قومك؟
فقال له: وأنت معاوية، وما معاوية إلاّ كلبة عوت فاستعوت، فسمّيت معاوية، وإنك لابن صخر، والسّهل خير من الصّخر، وإنك لابن حرب، والسّلم خير من الحرب، وإنّك لابن أميّة، وما أميّة إلاّ أمة صغّر بها، فكيف سمّيت أمير المؤمنين؟
فقال معاوية: واحدة بواحدة والبادى أظلم، فأنشأ يقول:
أيشتمنى معاوية بن حربوسيفى صارم ومعى لسانى
وحولى من ذوى يمن ليوثضراغمة تهشّ إلى الطّعان
فلا تبسط لسانك يا ابن حربفإنّك قد بلغت مدى الأمانى
/فإن تك من أميّة فى ذراهافإنى فى ذرى عبد المدان
وإن تك للشّقاء لنا أميرافإنّا لا نقيم على الهوان
فترضّاه معاوية.
قوله: وما أميّة إلاّ أمة صغّر بها: أى حقّرت، وعدّى صغّر بالباء، كما قالوا: ندّدت به: إذا أشعت شتمه، وشتّرت به: إذا تنقّصته وعبته، وكذلك:
صغّرت به: إذا أعلنت تحقيره.
وقوله: استعوت: أى طلبت بعوائها أن تعاويها الكلاب، كما تقول:
استقتل: أى طلب القتل.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع