من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل (٨)
قال سيبويه بعد أن ذكر «أمّا»: ومثل ذلك قولهم: افعل ذا إمّالا، كأنه قال: افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره، ولكنهم حذفوا «ذا» لكثرة استعمالهم إيّاه.
انتهى كلامه.
وأقول: إنّ قولهم: أما أنت منطلقا انطلقت معك، وأمّا زيد ذاهبا ذهبت معه، حذفوا منه «كان» وحدها، وأبقوا اسمها وخبرها، وقولهم: إمّالا، حذفوا فيه كان واسمها وخبرها، على أنّ خبرها جملة، و «إمّا» هى إن الشرطية، مدغمة نونها فى ميم «ما»، وإنما ألزموها «ما» عوضا من كان واسمها وخبرها، وجعلوا «لا» النافية منتهى الكلام، وأهل الإمالة يميلون ألفها، لقوّتها من حيث سدّت مسدّ الفعل وفاعله ومفعوله، أعنى الجملة التى هى خبر كان، كما استجازوا إمالة «بلى» لأنها سدّت مسدّ جواب التقرير، فى نحو: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وكما استحسنوا إمالة حرف النداء، لنيابته عن أدعو.
ولا يستعملون «إمّا لا» إلاّ بعد كلام دائر بين متكالمين، وسأل أحدهما الآخر أن يفعل شيئا سأله أن يفعله فأبى، فقال له السائل: إن كنت لا تفعل كذا فافعل كذا، وتمثيل ذلك أن يكون سأله الإقامة عنده ثلاثة أيام، فامتنع من ذلك /واعتذر بعذر ما، فقال: إمّا لا فأقم عندى يومين، أى إن كنت لا تقيم ثلاثة أيام فأقم يومين.
فتأمّل هذا الفصل، فما علمت أنّ أحدا كشفه هذا الكشف.
وهذا اللفظ، أعنى «إمّالا» كثيرا ما يدور فى كلام العامّة، فيفتحون همزة «أمّا لا» يميلون ألف لا.
والخامس: حذف الفعل جوابا، فمن ذلك حذفه جوابا للشرط والقسم، ولو ولولا ولمّا وأمّا، وحتى إذا.
فحذفه جوابا للشّرط، كقولك: من كفى شرّ نفسه، فتحذف الجواب، لأنه معلوم، أى كفى شرّا عظيما، وكذلك تقول: أتصير إلىّ؟ فيقول: إن انتظرتنى، يريد: إن انتظرتنى صرت إليك، وحسن حذف الجواب، لأنّ قوله:
أتصير إلىّ؟ دلّ عليه، وفى التنزيل: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أى إن شكرتم وآمنتم لم يعذّبكم، لأن معنى ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ﴾ أىّ شيء يفعل الله بعذابكم؟ فما هاهنا مخرجها مخرج الاستفهام، ومعنى الكلام التقرير بأنّ العذاب لا يكون للشاكر المؤمن، لأن تعذيب الشاكر المؤمن لا غرض لحكيم فيه، فكيف بمن لا تضرّه المضارّ، ولا تنفعه المنافع، ﷾؟
وأمّا حذف جواب القسم، فقد ورد فى قوله جل اسمه: ﴿ص. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ تقدير الجواب: لقد حقّ الأمر، وقيل: الجواب ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ والمراد: لكم أهلكنا، فحذف اللام، لأنّ الكلام بينهما طال،
فصار طوله عوضا منها، كما حذفت من جواب ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ وهو قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ وقيل: إنّ الجواب قوله: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾ وهذا قول ضعيف جدّا، لبعد ما بينه وبين القسم، ولأنّ الإشارة بقوله:
﴿ذلِكَ﴾ متوجّهة إلى ما يكون من التّلاوم والتّخاصم بين أهل النار/يوم القيامة، وذكر تلاومهم متأخّر عن القسم، والذى يقتضيه صواب الكلام أن تعود الإشارة إلى شيء سابق، نحو أن توجب شيئا قد جرى قبل القسم، فتقول: والله لقد فعلت ذلك، فتتوجّه الإشارة إلى ما تقدّم ذكره، أو تنكر شيئا فتقول: والله ما فعلت ذلك.
فالقول الأوّل فى تقدير الجواب هو الوجه.
وقد يجمعون بين القسم والشّرط، فيحذفون جواب أحدهما، لدلالة المذكور على المحذوف، فإن قدّموا القسم حذفوا جواب الشّرط، وإن قدّموا الشّرط حذفوا جواب القسم، فمثال تقديم الشّرط، قولك: إن زرتنى والله أكرمتك، ومثال تقديم القسم، قولك: والله إن زرتنى لأكرمنّك، وقد يدخلون على حرف الشّرط اللام، مزيدة مفتوحة، مؤذنة بالقسم، فيغلّبون بها القسم على الشرط، وإن لم يذكروا القسم، كقولك: لئن زرتنى لأكرمنّك، ومثله فى التنزيل: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ﴾ وأمّا
قوله تعالى: ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ. فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ فإنّ الفاء جواب «أمّا» لأمرين، أحدهما: تقديمها على «إن» والآخر:
أنّ جواب «أمّا» لا يحذف في حال السّعة والاختيار، وجواب «إن» قد يحذف فى الكلام، نحو ما قدّمته، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ أى إن كنتم تؤمنون بالله فردّوه إلى الله والرسول، ونظيره فى الكلام: أنت ظالم إن فعلت، حذفت جواب إن فعلت، لدلالة قولك:
أنت ظالم، عليه.
فإن قيل: قد جاء حذف جواب «أمّا» فى القرآن فى قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾.
قيل: إنما جاز ذلك، لأن تقدير الجواب: فيقال لهم: أكفرتم، والقول إذا أضمر، فهو كالمنطوق به.
وممّا سدّ فيه الجواب مسدّ الجوابين، قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ قوله: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ سدّ مسدّ الجوابين، جواب لولا، وجواب لو، وكثيرا ما يحذفون جواب «لو» وذلك نحو
قولك، إذا كنت مخبرا بعظيم أمر شاهدته: لو رأيت الجيش خارجا قد جمع الطّمّ والرّم، تريد: لرأيت شيئا عظيما.
إذا بالغوا فى تكثير الجمع شبّهوه بالطّمّ والرّمّ، فالطّمّ: البحر، والرّمّ:
الثّرى.
وممّا حذف فيه جواب «لو» قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ ثم قال: ﴿بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ وتقدير الجواب: لكان هذا القرآن.
وكذلك جواب «لولا» تحذفه بعد قولك لمن توبّخه وتعنّفه: فعلت كذا وفعلت كذا ولولا زيد، تريد: لقابلت فعالك بالعقوبة.
وأمّا حذف جواب «حتّى إذا» فقال أبو إسحاق الزجّاج فى قوله: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾: سمعت محمد بن يزيد، يذكر أن الجواب محذوف، وأن المعنى ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ سعدوا، فالمعنى فى الجواب: حتى إذا كانت هذه الأشياء
صاروا إلى السعادة، وقال أبو إسحاق الزجّاج: وقال قوم: الواو مقحمة، والمعنى حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها، وقال: والمعنى عندى ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ دخلوها، وحذف الجواب، لأنّ فى الكلام دليلا عليه، انتهى كلام أبى إسحاق.
وأقول: إنّ حذف الأجوبة فى هذه الأشياء أبلغ فى المعنى، ولو قدّر فى موضع دخلوها: فازوا، لكان حسنا، ومثل الآية فى حذف الجواب قول الشاعر:
حتّى إذا قملت بطونكمورأيتم أبناءكم شبّوا
/وقلبتم ظهر المجنّ لناإنّ اللئيم العاجز الخبّ
تقدير الجواب بعد قوله:
وقلبتم ظهر المجنّ لنا
ظهر عجزكم عنّا، وخبّكم لنا، ودلّك على ذلك قوله: إنّ اللئيم العاجز الخبّ.
وقيل فى البيت كما قيل فى الآية: إن الواو مقحمة، وليس ذلك بشىء، لأن زيادة الواو لم تثبت فى شيء من الكلام الفصيح، وحذف الأجوبة كثير، وأمّا قول الآخر:
حتّى إذا أسلكوهم فى قتائدةشلاّ كما تطرد الجمّالة الشّردا
وهو آخر القصيدة، فإن الجواب هو الفعل المقدّر الناصب للمصدر، أى شلّوهم شلاّ.
ومثال حذف جواب «لمّا» أنك تقول: لمّا التقت الأقران، وخرج فلان من الصّفّ، معلما شاهرا سيفه، وجال بين العسكرين، وتسكت، تريد: قاتل وأبلى وبالغ.
وحذف جواب «أمّا» كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ فعلى ما قدّمته، أى: فيقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ ومثله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أى: فيقال لهم: أفلم تكن آياتى تتلى عليكم؟
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع