من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل (١٤)
تقول: إنّ زيدا قريب منك، إذا جعلت القريب زيدا، فإن نصبت «قريبا» جعلته ظرفا، وقدّرت موصوفا محذوفا، فأردت: إنّ زيدا مكانا قريبا منك.
قال سيبويه: «وتقول: إن قريبا منك زيدا، إذا جعلت قريبا منك موضعا، وإذا جعلت الأول هو الآخر، قلت: إن قريبا منك زيد. وتقول: إنّ بعيدا منك زيد». أراد أنك تنصب قريبا منك بأنّ، وزيد خبرها، وكذلك: إنّ بعيدا منك زيد.
ثم قال: «والوجه إذا أردت هذا أن تقول: إنّ زيدا قريب منك، أو بعيد منك؛ لأنه اجتمع معرفة ونكرة». انتهى كلامه.
وأقول: إنه أجاز قولك: إنّ قريبا منك زيد، على أنك جعلت قريبا هو زيدا /واستضعفه؛ لأنك جعلت اسم إنّ نكرة، وخبرها معرفة، فلهذا قال: والوجه إذا أردت هذا أن تقول: إنّ زيدا قريب منك، وإنما استجاز إن قريبا منك زيد، لاتصال «منك» بقريب، فقد حصل له باتّصال «منك» به شيء من التخصيص، فقرب بذلك من المعرفة.
قال: «وإن شئت قلت: إنّ بعيدا منك زيدا، وقلّما يكون «بعيدا منك» ظرفا، وإنما قلّ هذا؛ لأنك لا تقول: إنّ بعدك زيدا، وتقول: إنّ قربك زيدا، فالدّنوّ أشدّ تمكّنا فى الظّرف من البعد». انتهى كلامه.
وأقول: إنّ قربك زيدا، تقديره: فى قربك، ولم يجز: إنّ بعدك زيدا، لأنهم لم يصرّفوا البعد تصريف القرب، فيقولوا: إن فى بعدك زيدا؛ لعلّة أذكرها لك:
قال النحويّون: إنما صار الدّنوّ أشدّ تمكّنا؛ لأن الظروف موضوعة على القرب، أو على أن يكون ابتداؤها من قرب، فالموضوع على القرب: عند ولدن، وما كان فى معناهما، يريدون بما كان فى معناهما: صددك وصقبك وتجاهك وإزاءك وحذاءك وتلقاءك وقبلك وقبالتك، ونحو ذلك.
وأمّا ما يكون ابتداؤه من قرب: فالجهات المحيطة بالأشياء، كقدّام وخلف ويمنة ويسرة وفوق وتحت، فإذا قلت: زيد خلف عمرو، فهو مطلوب خلفه من أقرب ما يليه؛ لأنّ للقرب حدّا، والبعد لا نهاية له ولا حدّ.
ويكشف هذا أننا إذا قلنا: قربك زيد، طلبه المخاطب فيما قرب منه، وذلك ممكن مفهوم، وإذا قلنا: بعدك زيد، لم يمكن ذلك فيه.
ونذكر ما قاله المفسّرون فى تذكير ﴿قَرِيبٌ﴾ مع تأنيث الرحمة، من قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال أبو إسحاق الزجّاج: إنما قيل
قريب؛ لأن الرحمة والغفران فى معنى واحد، وكذلك كلّ تأنيث ليس بحقيقيّ.
وقال/غيره: إنّما ذكّر قريب لأن الرحمة والرّحم سواء، وهذا نظير قول الزّجّاج؛ إلاّ أنه أوفق؛ لأنه ذكر ما هو من لفظ الرحمة، فأراد أن الرّحم فى قوله تعالى: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ بمعنى الرحمة، فقد وافقها لفظا ومعنى، فحملت الرحمة عليه. وقال الأخفش: المراد بالرحمة هاهنا المطر، لأنه قد تقدّم ما يقتضى ذلك، فحمل قريب عليه.
وقال أبو عبيدة: ذكّر ﴿قَرِيبٌ﴾ لتذكير المكان، أى مكانا قريبا.
وأقول: إنه لو أريد هذا لنصب قريب على الظرف، فإن حملناه على ما قاله، فالتقدير: إنّ رحمة الله ذات مكان قريب، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فصار: إن رحمة الله مكان قريب، فحذف الموصوف كما حذف فى قوله تعالى: ﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أراد دروعا سابغات
وقال الفرّاء: إنما أتى قريب بغير هاء، ليفرق بين قريب من النّسب وقريب من القرب.
قال الزجّاج: وهذا غلط؛ لأنّ كلّ ما قرب؛ من مكان أو نسب، فهو جار
على ما يقتضيه من التذكير والتأنيث. يريد أنك إذا أردت القرب فى المكان قلت: زيد قريب من عمرو، وهند قريبة من العباس، وكذلك إذا أردت قربهما فى النّسب قلت للرجل: قريب، وللمرأة: قريبة.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع