تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

فصل ظرف الزمان ينقسم أربعة أقسام

قسم ينصرف ويتصرّف، وقسم لا ينصرف ولا يتصرّف، وقسم ينصرف ولا يتصرّف، وقسم يتصرّف ولا ينصرف.

ومعنى ينصرف ويتصرّف أنه يكون ظرفا تارة، ثم يتّسع فيه فيجعل مبتدأ وفاعلا ومفعولا ومجرورا بحرف جرّ، وبإضافة اسم إليه، كقولك: يوم الجمعة مبارك، وقد حانت ليلة زيارتك، وسير بزيد شهران، وإنى لأحبّ ليلة زيارتك، وعجبت من يومك، ومسيرك فى شهر رمضان، ومنه: «ملك يوم الدّين» وقال الشاعر:

ربّ ابن عمّ لسليمى مشمعلّطبّاخ ساعات الكرى زاد الكسل

وقال آخر:

وكرّار خلف المجحرين جواده

ويروى:

طباخ ساعات الكرى زاد الكسل

و: خلف المجحرين جواده

فمن جرّ الساعات وخلف المجحرين، فقد أخرجهما من باب الظرفيّة بالإضافة إليهما، ونصب الزاد والجواد بطبّاخ وكرّار، على أنهما مفعولان، ومن جرّ الزاد والجواد نصب ساعات الكرى وخلف المجحرين، على أنهما ظرفان فاصلان بين المضاف والمضاف إليه، ومثل هذا فى الشعر جائز؛ قال:

يا سارق الليلة أهل الدار

يريد: يا سارق أهل الدار الليلة، وقال آخر:

كما خطّ الكتاب بكفّ يومايهوديّ يقارب أو يزيل
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

المجحر: الذى ألجأه الزمان إلى مكان.

وأما مالا ينصرف ولا يتصرّف: فسحر إذا أردت به سحر يوم بعينه، وإنما لم ينصرف لأنه معرفة معدول عن الألف واللام، وحقيقة عدله أنهم عدلوا عن أن

يقولوا: السّحر، إلى قولهم: سحر، ووجه تعريفه أن المراد به سحر يوم معيّن؛ وشبيه به سبحان، في قول الأعشى:

أقول لمّا جاءنى فخرهسبحان من علقمة الفاخر

لم يصرفه لأن فيه الألف والنون زائدين، وأنه علم للتسبيح، فإن نكّرته صرفته، كما قال أمية بن أبى الصّلت:

سبحانه ثم سبحانا يعود لهوقبلنا سبّح الجوديّ والجمد
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «سبحانه ثم سبحانا يعود له»

وكذلك إن أردت سحرا من الأسحار صرفته، كما جاء فى التنزيل: ﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ﴾.

وأمّا امتناعه من التصرّف فلأنه عدل من غير جهة العدل، فألزم النصب على الظرف، وذلك أن جهة العدل أن تعدل صيغة/عن صيغة مخالفة لها فى الزّنة، كعدل عمر عن عامر، وحذام وقطام عن حاذمة وقاطمة، وأحاد وثناء عن واحد واثنين، وأخر عن آخر من كذا.

والقسم الثالث: وهو الذى ينصرف ولا يتصرّف: أسماء أوقات ألزموها الظرفيّة فلم يرفعوها ولم يجرّوها، وهى: صباح وعشاء وضحوة وعتمة، تقول:

خرجت عتمة، وخرج زيد ضحوة وعشاء، إذا أردت ضحوة يومك أو يوم غيره بعينه، وكذلك تريد عتمة ليلتك أو ليلة بعينها، فلو رفعت شيئا من هذا أو خفضته فقلت: سير عليه عتمة أو ضحوة، أو خرجت فى عتمة، لم يجز؛ لأنهم لم يرفعوه ولم يجرّوه.

قال أبو بكر بن السرّاج: ما يكون ظرفا ولا يكون اسما، نحو: ذات مرّة، وبعيدات بين، وبكرا، وسحر، إذا أردت سحر يوم بعينه، ولم تصرفه، وضحى، وضحيّا، إذا أردت ضحى يومك، وعشيّة وعتمة، إذا أردت عشيّة يومك وعتمة ليلتك، لم يستعمل كلّ هذا إلاّ ظروفا.

قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم، فى الغريب المصنّف: لقيته بعيدات بين، إذا لقيته بعد حين، ثم أمسكت عنه ثم أتيته، ولقيته صكّة عميّ، إذا لقيته فى أشدّ الهاجرة.

والقسم الرابع: وهو ما يتصرّف ولا ينصرف قولهم: غدوة وبكرة، إذا أردت غدوة يومك وبكرته، أو غيره مما تعيّنه، فهذان لم ينصرفا للتأنيث وأنهما علمان لوقت بعينه، والفرق بينهما وبين ضحوة وعتمة أنهما لوقت محصور، وأنّ ضحوة وعتمة لوقتين متّسعين، فتقول على هذا: سير عليه يوم السبت بكرة، وجئتك [فى] يوم الجمعة غدوة، فلا تصرفهما، فإن أردت غدوة من الغدوات وبكرة من البكرات، صرفت، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ/فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ وعلى هذا تتأوّل قراءة ابن عامر: ﴿بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ كأنه أدخل الألف واللام على غدوة، لأنه نكّرها كما ينكّر زيد إذا أريد تثنيته أو جمعه، ثم تدخل عليه الألف

واللام، ويجوز أن تكون الألف واللام فى الغدوة زيادة، كما زيدا فى عمرو، من قوله:

باعد أمّ العمر من أسيرها

وفى «يزيد» من قول الآخر:

وجدنا الوليد بن اليزيد مباركامطيقا لأعباء الخلافة كاهله
للشاعر طريح بن إسماعيل الثقفي، اقرأ القصيدة

وقد حكى الخليل فى غدوة وبكرة الصّرف، فروى: جئتك اليوم غدوة، وجئتنى أمس بكرة، وحكى أيضا فى ضحوة وعتمة ترك الصّرف، فروى: جئتك يوم الجمعة ضحوة، وليلة الأربعاء عتمة، بغير تنوين، والأجود ما بدأت به.

وإذا عرفت هذا فليس يخلو اسم من أسماء الزمان أن يكون أحد هذه الأقسام.

وممّا ينتصب ظرفا من الزمان «ألفا» من قولهم فى المثل: «سكت ألفا ونطق خلفا» أى مقدار ألف كلمة، أى سكت حينا يتكلّم فيه متكلّم بألف كلمة،

ولمّا نطق نطق بمحال، ومثله فى انتصابه على أنه ظرف زمانيّ «غبّا» فى قوله ﵇: «زر غبّا تزدد حبّا» يقال: أغببت القوم، إذا جئتهم يوما وتركتهم يوما.

وأمّا ظروف المكان: فمنها أيضا ما ينصرف ويتصرف، كخلف وأمام ووراء وقدّام، قال لبيد بن ربيعة:

فغدت، كلا الفرجين تحسب أنّهمولى المخافة خلفها وأمامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

الفرج: موضع المخافة، وكذلك الثّغر والثّغرة، والعورة، يصف بقرة وحشيّة، يقول: فغدت البقرة وكلا الطّريقين المخوفين اللّذين بين يديها تظنّ أنه أولى بالمخافة، والهاء التى فى «أنه» عائدة على «كلا» وخلفها وأمامها بدل منه، وهو/مبتدأ، وقوله: «تحسب أنه مولى المخافة» خبره، والجملة من المبتدأ والخبر فى موضع الحال من المضمر فى «غدت».

وقالوا: جلس زيد دونك، وأخرجوه من الظرفيّة فصرّفوه فرفعوه فى قولهم:

«ثوب دون».

ومن ظروف المكان ما يلزم الظرفيّة، فلا ينتقل عنها، كعند ولدن وسواء ومع وحيث، لا يجوز أن ترفع عندك، فإن دخل عليها حرف جرّ لم يكن إلاّ «من» خاصّة، لا يجوز: إلى عندك، وجاء فى التنزيل: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾.

وسوى مكسورة السين مقصورة، ومفتوحة السين ممدودة، وتكون ظرفا فى كلّ موضع، ولا يدخل عليها حرف جر، إلاّ فى الشّعر نحو قوله:

تجانف عن جلّ اليمامة ناقتىوما قصدت من أهلها لسوائكا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتشفيك تيا أم تركت بدائكا»

تجانف: من الجنف، وهو الميل فى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً﴾.

وقوله: «عن جلّ اليمامة» جلّ: بمعنى أكثر، وفيه تقدير مضاف، أى عن أكثر أهل اليمامة.

ولدن كعند فى المعنى، إلاّ أنّها مبنيّة، وفيها لغات: لدن هو الأصل، ولدن، بسكون الدال وفتح النون، ولد ساكنة، ولد، ولدن مثل قفل، فمن قال:

لدن، فهى كعضد، ومن قال: لدن، فسكّن، كما سكّنوا الضاد من عضد، والجيم من رجل، فتح النون، ومن قال: لد، شبّه النون بالتنوين فحذفها لسكونها وسكون الدال.

ولتشبيههم إيّاها بالتنوين، قال بعضهم: «لدن غدوة» فنصب «غدوة» على التمييز، كما تقول: قفيز حنطة. ومن قال: لدن، نقل حركة الدال إلى اللام، بعد أن سلب اللام حركتها، وهى فى جميع أحوالها مبنيّة، كما جاء فى التنزيل:

﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾.

وأما «مع» ففتحتها إعراب، وكان أبو عليّ يحكم عليها بالحرفيّة إذا أسكنت، وأنشد فى إسكانها قول الشاعر:

فريشى منكم وهواى معكموإن كانت زيارتكم لماما

وإنّما حكم عليها بالحرفيّة؛ لأنها على حرفين، وانضم إلى ذلك فيها السكون، فنزّلها منزلة هل وبل وقد.

واحتجّ من دفع هذا القول بلحاق التنوين لها، ودخول «من» عليها فى قولهم: كان معها فانتزعته من معها، وقال: إن السكون لحقها للضّرورة.

وأقول: إنهم قد استعملوا «عن» اسما بمعنى الناحية، إذا أدخلوا عليها «من» كقوله:

جرت عليها كلّ ريح سيهوجمن عن يمين الخطّ أو سماهيج

أراد: من ناحية يمين الخطّ.

يقال: ريح سيهوج: شديدة، وسماهيج: ضعيفة، ومثل قول قطرىّ بن الفجاءة:

ولقد أرانى للرّماح دريئةمن عن يمينى مرّة وأمامى

أى من ناحية يمينى. وهى مع استعمالهم إيّاها اسما، على حرفين ساكنة

الآخر، وقد بسطت الكلام على «مع» فى الجزء الثانى من هذه الأمالى.

وممّا استعملوه من الأسماء المخصوصة استعمال الظروف، قولهم: زيد مناط الثّريّا، المناط: موضع النّوط، مصدر نطت الشىء بالشىء، إذا علّقته به، أى هو بالمكان الذى نيطت به الثّريّا، شبّهوا ارتفاع منزلته بارتفاع مكان الثّريّا، وقالوا:

هو منّا مزجر الكلب، وذلك إذا كان مباعدا مهانا، وتقديره: مكان مزجر الكلب، وهو منّى معقد الإزار، يريدون قرب المنزلة، وقعد منّى مقعد القابلة، وذلك إذا لصق به من بين يديه، وأما قول عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت:

وإنّ بنى حرب كما قد علمتممناط الثّريّا قد تعلّت نجومها
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وإن بني حرب كما قد علمتم»

فيحتمل أن يكون «كما قد علمتم» خبر اسم إنّ، و «مناط الثريّا» خبرا ثانيا، و «قد تعلّت/نجومها» خبرا ثالثا، على أن تعود الهاء إلى «بنى حرب» جاء بثلاثة أخبار، كقول القائل:

من يك ذا بتّ فهذا بتّىمقيّظ مصيّف مشتّى
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

ويجوز أن يكون «كما قد علمتم» و «مناط الثريا» خبرين، و «قد تعلّت نجومها» حالا من الثّريّا.

ويجوز أن يكون «مناط الثّريّا» حالا من الضمير المحذوف من «علمتم» وعلمتم بمعنى عرفتم، أى كما عرفتموهم حالّين فى مناط الثّريّا.

وقالوا: هو منّى فرسخان وميلان وقيد رمح، التقدير: بعده منّى فرسخان، ثم حذف البعد فانفصل المضمر وارتفع بالابتداء، وفرسخان خبر البعد، لأنّ الفرسخين هما البعد، ويجوز أن تقدّر المحذوف من الخبر، فيكون التقدير: هو منّى ذو مسافة فرسخين، ثم حذف «ذو» وأعرب ما بعده بإعرابه، فصار: هو منّى مسافة فرسخين، ثم حذفت المسافة، وأعرب الفرسخان بإعرابها.

قال سيبويه: لا يقاس على هذا، لو قلت: هو منى عدوة الفرس، أو غلوة السّهم، لم يجز.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلس التاسع والستون كلام فى الظروف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.