تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس التاسع والستون كلام فى الظروف

الظّرف: كلّ اسم من أسماء الزمان والمكان «فى» مقدّرة فيه، فإن ظهرت إلى اللفظ صارت هى الظّرف، وصار ما بعدها اسما صريحا.

والفعل يعمل بغير وساطة الحرف الظّرفىّ، فى جميع ظروف الزمان؛ المبهم منها والمختصّ، لأنه يدلّ على الزمان من طريق المعنى وطريق اللفظ، فدلالته عليه من طريق اللفظ: أنك إذا قلت: كتب زيد وصلّى، دلّ هذا على ما مضى، وإذا قلت: هو يكتب وهو يصلّى، دلّ على الزمان الحاضر، وإذا قلت: سوف يكتب وسيصلّى، وصلّ يا زيد واكتب، ولا تصلّ على بكر ولا تكتب، دلّت هذه الصّيغ على زمان متوقّع.

ولا يتعدّى الفعل إلى مكان مخصوص إلاّ بواسطة، لأنه لا يدلّ على المكان إلاّ من طريق المعنى، من حيث لا يقع فعل إلاّ فى مكان، وقد جاء فى الشعر متعدّيا إلى /المكان المخصوص، فى نحو قوله:

فلأبغينّكم قنا وعوارضاولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد

ضرغد: اسم مكان، وقال آخر:

لدن بهزّ الكفّ يعسل متنهفيه كما عسل الطّريق الثّعلب

رمح لدن: ليّن.

ويعسل: يشتدّ اهتزازه، وعسل الثّعلب والذئب فى عدوه: إذا اشتدّ اضطرابه.

والهاء التى فى «فيه» تعود إلى الهزّ.

والناصب للظّروف أحد شيئين، الأول: فعل ظاهر، أو ما قام مقامه، من اسم فاعل أو اسم مفعول أو مصدر، فالفعل كقولك: خرجت يوم الجمعة أمام زيد، وما قام مقام الفعل قولك: زيد منطلق الساعة وراء بكر، وانطلاق زيد اليوم خلفك أعجبنى، وفرسك مركوب غدا فرسخا.

وقد يعمل ظرف المكان فى ظرف الزمان، كقولك: زيد فى داره اليوم، وتقدّمه عليه، فتقول: الساعة زيد خلفك، فتعمل فيه معنى الفعل مقدّما، كما أعملته فيه مؤخّرا، فمن إعماله فيه مقدّما قولهم: «كلّ يوم لك ثوب» ومثله فى

التنزيل: ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ ألا ترى أنّ ﴿هُنالِكَ﴾ مشار به إلى يوم القيامة، كما أشير به إلى الزمان فى قوله: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾.

فإن كان المبتدأ اسم حدث، وجئت بعده بظرفين زمانىّ ومكانيّ، كقولك: القتال يوم السبت خلف المدينة، جاز أن يعمل كلّ واحد منهما فى الآخر، فإذا أعملت ظرف الزمان، فالتقدير: القتال واقع يوم السبت خلف المدينة، فإذا أعملت ظرف المكان، فالتقدير: القتال واقع خلف المدينة يوم السبت، وإنما جاز أن تعمل كلّ واحد من هذين الظرفين فى الآخر، لأن الكلام يتمّ بظرف الزمان خبرا، كما يتمّ بظرف المكان، ويجوز أن تعمل/القتال فى ظرف الزمان إذا جعلت ظرف المكان الخبر، ويجوز أن تعمله فى ظرف المكان إذا جعلت ظرف الزمان الخبر.

والثانى من العوامل فى الظّرف عامل لا يظهر، وذلك أنك تقدّره فى أربعة مواضع، أحدها: أن يقع الظّرف خبرا لمبتدإ.

وثانيها: أن يقع صفة لنكرة.

وثالثها: أن يقع فى موضع حال من معرفة.

ورابعها: أن يقع صلة، وكذلك إن وقع خبرا فى باب كان وباب إنّ، ومفعولا ثانيا فى باب ظننت.

والأجود أن يقدّر العامل فى الظّرف بالمفرد، إذا وقع خبرا او صفة أو حالا، وتقديره بالجملة جائز، إلاّ أن يقع بين إنّ واسمها، كقولك: إنّ خلفك زيدا، وإنما لم يجز تقديره هاهنا بالجملة، لامتناع ملاصقة «إنّ» للجملة، وعكس ذلك

أنه إذا وقع صلة قدّرته بجملة؛ لأنّ الصّلة لا تكون اسما مفردا، تقول: الذى فى الدار زيد، فتقدّر العامل: استقرّ، وتقول: زيد فى الدار، فالأصوب أن يكون التقدير: مستقرّ؛ لأن أصل الإخبار الخبر المفرد، ومن قدّر: زيد استقرّ فى الدار، وعمرو استقرّ خلفك، فلأنّ الفعل هو الأصل فى العمل.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.