تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس السابع والستون

قال أبو علىّ، فى قول الله تعالى جدّه: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ من قال:

إن «لا» صلة كانت كالتى فى قوله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ فإن قلت: إنّ «لا وما» والحروف التى تكون زوائد إنما تكون بين كلامين، كقوله: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ و «ممّا خطاياهم» و ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ ولا تكاد تزاد أولا.

فقد قالوا: إنّ مجاز القرآن مجاز الكلام الواحد والسورة الواحدة، قالوا:

والذى يدلّ على ذلك أنه قد يذكر الشىء فى سورة فيجىء جوابه فى سورة أخرى، كقوله: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ جاء جوابه فى سورة أخرى/ ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ فلا فصل على هذا بين قوله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ وبين قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ وقد حملت «ما» على الزيادة فيما أنشده أبو زيد:

ما مع أنّك يوم الورد ذو جزرضخم الدّسيعة بالسّلمين وكّار

جاءت «ما» زائدة فى أول البيت كما ترى. انتهى كلامه.

وأقول: إنّ بعض النحويّين أنكر أن تكون «لا» زائدة فى قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ قال: لأنّ زيادة الحرف تدلّ على اطّراحه، وكونه فى أول الكلام يدلّ على قوّة العناية به، فلا يجوز أن يكون مطّرحا معنيّا به فى حال واحدة، وإذا قبح الجمع بين اطّراحه والعناية به، لم يجز أن نجعل «لا» فى هذه الآية زائدة، وجعلناها نافية، ردّا على من جحد البعث، وأنكر القيامة، وقد حكى الله أقوالهم فى مواضع من الكتاب، فكأنه قيل: لا، ليس الأمر على ما تقوّلتموه من إنكاركم ليوم القيامة، ثم قال: ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ. وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ فلا: جواب لما حكى من جحدهم للبعث، كما كان قوله: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جوابا لقولهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ لأنّ القرآن يجرى مجرى السورة الواحدة.

ومثل قوله: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جوابا لما قذفوه به من الجنون قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ المراد بذلك قول عبد الله بن أبيّ بن سلول، ومن كان معه من المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾.

فاحتجّ من قال إن «لا» فى قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ ردّ على من أنكر البعث بما احتجّ به أبو علىّ، على زيادتها، ثم إنه قال بعد ما حكيته عنه: فقد يجوز أن تكون «لا» ردّا لكلام. ثم ذكر بعد هذا قراءة ابن كثير، فقال: وأمّا قول

ابن كثير: «لأقسم/بيوم القيامة» فإنّ اللام يجوز أن تكون التى تصحبها إحدى النّونين فى أكثر الأمر، وقد حكى ذلك سيبويه وأجازه، وكما لم تلحق النون مع الفعل الذى للآتى، كذلك لم تلحق اللام مع النون فى نحو قول الشاعر:

وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّهفرغ وإنّ أخاهم لم يثأر
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «وقتيل مرة أثأرن فإنه»

ويجوز أن تكون اللام لحقت فعل الحال، فإذا كان للحال لم تتبعه النون؛ لأن هذه النون التى تلحق الفعل فى أكثر الأمر، إنما هى للفصل بين فعل الحال والفعل الآتى، وزعموا أن الحسن قرأ: «لأقسم» وقرأ ﴿وَلا أُقْسِمُ﴾ وأنه قال:

أقسم الله بالأولى، ولم يقسم بالثانية، قال أبو علي: وقد حكى ذلك عن ابن أبى إسحاق. انتهى كلامه.

وأقول: إنّ كون «أقسم» فى قراءة ابن كثير للحال أولى من كونه للاستقبال؛ لأنه إذا أريد أقسم بيوم القيامة الآن، فهو أولى من أن يراد أقسم بيوم القيامة فيما يستقبل من الزمان، فكأنه قيل: سأقسم بيوم القيامة.

ومثل ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ قال الزجّاج:

المعنى: أقسم بهذا البلد، و «لا» دخلت توكيدا، كما قال: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ قال: وقرئت: «لأقسم بهذا البلد»، تكون اللام لام القسم، قال:

وهذه القراءة قليلة بعيدة؛ لأن لام القسم لا تدخل على الفعل المستقبل إلاّ مع النون، تقول: لأضربنّ زيدا، ولا يجوز: لأضرب زيدا، تريد الحال. انتهى كلامه.

وقوله هذا يقوّى ما ذكرته من حمل ﴿أُقْسِمُ﴾ فى قراءة ابن كثير، على أنه

فعل حال لا مستقبل. وقال: المراد بالبلد مكّة، وبوالد وما ولد: آدم وذريّته.

وقال من ضعّف قراءة ابن كثير: فى قراءة ابن كثير نظر؛ لأن ألف ﴿أُقْسِمُ﴾ ثابتة فى الإمام، يعنى المصحف الأقدم.

وأقول: إنه ليست «لا» فى قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ وقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ/بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ ونحو ذلك بمنزلتها فى قوله:

﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ كما زعم بعض النحويين؛ لأنها ليست فى أول السورة، فمجيئها بعد الفاء، والفاء عاطفة جملة على جملة، يخرجها عن كونها بمنزلتها فى ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فهى إذا زائدة للتوكيد، وسنذكر وجوه «لا» بعد تفسير غريب قول الشاعر:

ما مع أنك يوم الورد ذو جزرضخم الدّسيعة بالسّلمين وكّار

الجزر: جمع جزرة، وهى الشاة المذبوحة.

والدّسيعة هاهنا: الجفنة، والدّسيعة فى غير هذا: العطيّة الضّخمة، والدّسيعة أيضا: مركّب العنق فى الكاهل، وهو أعلى الظّهر.

والسّلم: الدّلو، ووكّار: عدّاء.

وقول الآخر:

وقتيل مرّة أثأرنّ فإنه... فرغ.

أراد: فإنّ دمه فرغ، يقال: ذهب دم فلان فرغا، أى باطلا لم يطلب به.

وأقول: إن «لا» تنقسم فى تصاريفها عملا ومعنى إلى ضروب، أحدها: أن تكون تبرئة، وذلك إذا ركّبتها مع النكرة، فتناولت نفى الجنس، فى نحو: لا مال

لزيد، ولا رجل فى الدار، و ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ فهى فى هذا الوجه مشبّهة بإنّ، من حيث هى نقيضتها، ومعنى تناقضهما: أنه إذا قيل: إنّ فى الدار رجلا، قيل فى نفيه: لا رجل فى الدار، والعرب يحملون الشىء على نقضيه، كما يحملونه على نظيره، كما حملوا «كم» على «ربّ» فى الخبر، فبنوها من حيث ناقضتها، فكانت للتكثير، وربّ للتقليل، فالفتحة فى نحو لا رجل فى الدار فى قول البصريّين بناء يشبه الإعراب، وهى فى قول الكوفيّين إعراب، والصحيح ما ذهب إليه البصريّون، وذلك لعدم التنوين، فتنزّل لا رجل منزلة خمسة عشر.

/فإن وليها المضاف أو الطّويل، وهو الذى يعمل فيما بعده نصبا أو رفعا، فالفتحة نصب صريح؛ لأن التركيب لا يكون فيما جاوز جزئين، فمثال المضاف:

لا صاحب حقّ فى الدار، ولا طالب رفد هنا، ومنه قول المتنبى:

فلا ثوب مجد غير ثوب ابن أحمدعلى أحد إلاّ بلؤم مرقّع

ومثال الطويل الناصب، قولك: لا ضاربا زيدا هنا، والرافع: لا كريما أبوه عندك، ولا حسنا وجهه حاضر، ومن الطويل الناصب: أفعل، فى نحو: لا أفضل من زيد فى الدار، وإنما حكموا بطول أفضل؛ لتعلّق «من» به، ألا ترى أنه لمّا زال عن أفعل وزن الفعل فوجب صرفه، لحقه التنوين، فقيل: لا خيرا من زيد عندنا، ولا شرّا من بكر عندك.

فالفتحة فى قولك: لا صاحب حقّ، وفى قوله: «لا ثوب مجد» نصب صريح، فأما قوله، أعنى أبا الطيّب.

قفا قليلا بها علىّ فلاأقلّ من نظرة أزوّدها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهلا بدار سباك أغيدها»

فيجوز فى «أقلّ» الرفع والنصب، فالرفع على تشبيه «لا» بليس، والنصب على تشبيه «لا» بإنّ، والفتحة فى «أقلّ» إعراب، لطوله بمن.

فإن قيل: ما الذى أوجب بناء الاسم المنكور، فى نحو: لا رجل فى الدار؟

قيل: الذى أوجب بناءه تضمّنه معنى الحرف الذى هو «من» وذلك أنّ «من» فى قولك: هل من رجل فى الدار؟ موضوعة لاستغراق الجنس، وكذلك إذا قلت: ما جاءنى من رجل، استغرق النّفى الجنس، فإذا قلت: ما جاءنى رجل، جاز أن تكون نفيت رجلا، فأردت: ما جاءنى رجل بل رجلان، ولا يجوز أن تقول:

ما جاءنى من رجل بل رجلان.

وإذا عرفت هذا، فإنّ الاستفهام فى قولك: هل من رجل فى الدار؟ مستغرق للجنس كلّه، فجوابه المستحقّ: لا من رجل فى الدار؛ لأن الجواب حقّه أن يكون/وفق السّؤال، فحذفوا «من» وضمّنوا الاسم معناها فبنوه؛ لأن الاسم إذا تضمّن معنى الحرف استحقّ البناء، ولو أنه قال مستفهما: هل رجل فى الدار؟ قلت نافيا: لا رجل فى الدار، فأعربت المنفىّ؛ لأنه لم يتضمّن معنى الحرف.

واختلف فى قوله جلّ وعز: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ فقال الفراء: معناه لا بدّ ولا محالة أنّ لهم النار.

وقال الزجّاج: إن «لا» ردّ، أى لا، ليس الأمر كما وصفوا، جرم أن لهم النار، أى وجب، حكى ذلك عن قطرب.

وقال غيرهما: إنّ «لا» زائدة، وجرم فعل ماض معناه: ثبت وحقّ، والفرّاء لا يرى زيادة «لا» فى أول الكلام، فجرم على قوله اسم منصوب بلا، على التّبرئة.

وقال أبو العباس المبرّد: إذا قلت: لا محالة أنك ذاهب، ولا بدّ أنك ذاهب، فأنّك: فى موضع رفع، بمنزلة «أفضل» فى قولك: لا رجل أفضل منك.

وأقول: إن قوله: لا جرم إذا كان بمعنى لا بدّ ولا محالة [فإنّ حرف الجرّ مقدّر فى الخبر، فالتقدير: لا بدّ من أنّ لهم النار ولا محالة] في أنّ لهم النار، كما تقول:

لا بدّ من هذا، ولا محالة فى هذا.

والضّرب الثانى من ضروب «لا»: أنّ من العرب من شبّهوها بليس، فرفعوا بها الاسم، ونصبوا بها الخبر، وألزموا اسمها التنكير، فقالوا: لا رجل حاضرا، ولا غلام عندى، قال الشاعر:

من صدّ عن نيرانهافأنا ابن قيس لا براح
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «كن كيف شئت فلا براح»

أراد: لا براح لى، وقد بسطت الكلام فى هذا النحو فيما تقدّم، وذكرت أن أبا الفتح عثمان لمّا ذكر فى تفسيره لشعر المتنبى قوله:

إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذىفلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

لم يذكر فى رفع «لا» للمعرفة شيئا.

ومتى دخلت «لا» على معرفة كرّرت وارتفع الاسم بالابتداء، كقولك:

لا زيد عندى ولا بكر، ومثله فى التنزيل: ﴿لا الشَّمْسُ/يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ وإنما وجب فى هذا النحو تكريرها؛ لأنها جواب لمن قال: أزيد عندك أم بكر؟ فوافق الجواب السؤال، فإن قال السائل: أزيد عندك؟ فاقتصر على الواحد، قال المجيب: لا، فاقتصر على لا أو نعم، إن كان زيد عنده، قال أبو علي: ويقبح أن تقول: لا زيد عندى حتّى تتبعه بشىء، فتقول:

ولا عمرو، وقالوا: «لا نولك أن تفعل» فلم يكرّروا لأنّه صار بمنزلة لا ينبغى لك، فأجروها مجراها، حيث كانت بمعناها، كما أجروا يذر مجرى يدع، لاتفاقهما فى المعنى. انتهى كلامه.

وقال سيبويه: قد يجوز فى الشعر رفع المعرفة، ولا تثنّى «لا»، قال الشاعر:

بكت جزعا فاستعبرت ثم آذنتركائبها أن لا إلينا رجوعها

وأقول: إن قولهم: «لا نولك أن تفعل كذا» لمّا كان «نولك» بمعنى الفعل الذى هو ينبغى، لم يكرّروه وإن كان معرفة، كما لم يكرّروا الفعل فى:

لا ينبغى لك أن تفعل، وكذلك كلّ فعل تنفيه لا يلزم تكريره، كقولك: لا يخرج زيد اليوم، وكقوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ و ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾.

وقوله: كما حمل يذر على يدع لاتفاقهما فى المعنى، أراد: أنّ يدع أصله يودع، مكسور الدال، فحذفوا واوه لوقوعها بين ياء وكسرة، كما حذفوها فى يعد، فصار فى التقدير: يدع مثل يعد، ثم فتحوا عينه التى هى الدال؛ لأنّ لامه وهى العين، حرف حلقيّ، ومتى كانت لام الفعل أو عينه حرفا من حروف الحلق، وهى الغين والخاء والعين والحاء والهمزة والهاء، فإنه يجيء فى الأغلب على فعل يفعل، بفتح العين فى الماضى والمستقبل، كقولهم: صنع يصنع ومنع يمنع ورفع يرفع وجبه يجبه وسلخ يسلخ وسلح يسلح، فهذا مثال ما لامه حرف حلق.

وأمّا مثال ما عينه الحلقيّ، فنحو: شغل يشغل وفعل يفعل ومحق يمحق وثأر يثأر/وبهر يبهر وفغرفاه يفغره.

وإذا عرفت هذا ولم تجد فى «يذر» حرفا حلقيّا يستحقّ به أن تفتح عينه، وكان قياسه يذر، بكسر الذال، علمت أن ذاله فتحت حملا على دال «يدع» لاتّفاقهما فى المعنى.

ومثل تكرير المعرفة فى قولهم: لا زيد عندى ولا عمرو، تكرير النكرة إذا فصل بينها وبين «لا» فوجب رفعها فى نحو: لا فى الدار رجل ولا امرأة، كما جاء فى التنزيل ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ وذلك أن التكرير لا يلزم إذا ركّبت

«لا» فى نحو: لا رجل فى الدار؛ لأنك إذا ركّبتها نفيت بها الجنس، فتناولت العموم.

والثالث من ضروبها: استعمالها للنّهي، فينهى بها المواجه والغائب، تقول:

لا تقم، ولا يقم زيد، و ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ﴾ و ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ﴾.

والرابع: استعمالهم إيّاها دعاء، فأولوها المستقبل والماضى، فالمستقبل كقولك: لا يغفر الله له، وكقول الشاعر:

فلا تشلل يد فتكت بعمروفإنّك لن تذلّ ولن تضاما

وكقول الفرزدق:

إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعدلها أبدا ما دام فيها الجراضم

الجراضم: العظيم البطن.

والماضى كقولك: لا فضّ الله فاك، ولا شلّت يداك، ولا غفر الله له، وكقول ابن الرّقيّات:

لا بارك الله فى الغوانى هليصبحن إلاّ لهنّ مطّلب
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

والخامس: أنهم نفوا بها الأفعال المستقبلة والحاضرة، فإذا قال: سيفعل أو سوف يفعل، قلت: لا يفعل، ومن ذلك قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ فهذا مستقبل محض؛ لأنه جزاء، ومثله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ/قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ وإذا قال: زيد يكتب الآن، قلت: لا يكتب، فنفيت الحاضر، والنّفي بها يتناول فعل المتكلّم وفعل المخاطب، كما يتناول فعل الغائب، فتناوله لفعل المتكلّم، كقولك:

لا أخرج اليوم، ولا نسافر غدا، ومثله قوله: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾.

وفعل المخاطب كقولك: إنك لا تزورنا، ومثله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ وقوله: ﴿فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾ ومنه قراءة ابن عامر: ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ بتخفيف النون.

فإذا نفيت بها فى جواب القسم دخلت على يفعل وعلى فعل، كما كان ذلك فى الدّعاء، تقول؛ والله لا أقوم، وو الله لاقمت، وإنما استعملوا الماضى في هذين الضّربين: الدعاء والقسم، لخفّته، كما استعملوه فى الشّرط.

والسادس: أنها تكون ردّا فى الجواب، مناقضة لنعم وبلى، فإذا قال مقرّرا:

ألم أحسن إليك؟ قلت: لا أو بلى، وإذا قال مستفهما: هل زيد عندك؟ قلت:

لا أو نعم، كما جاء فى التنزيل: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ وجاء فيه: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾.

وقد استعملوا «نعم» فى جواب الطّلب والخبر، قال سيبويه: «نعم عدة وتصديق»، فإذا قال: هل تزورنا؟ فقال: نعم، فهذا عدة، وكذلك إن قال:

زرنى، فقلت: نعم، وإذا قال: زيد رجل صالح، فقلت: نعم، فهذا تصديق.

والسابع: أنها تكون عاطفة، تشرك ما بعدها فى إعراب ما قبلها، وتنفى عن الثانى ما ثبت للأول، كقولك: خرج زيد لا بكر، ولقيت أخاك لا أباك، ومررت بحميك لا أبيك.

فإن قلت: ما قام زيد ولا بكر، وما لقيت الزيدين ولا العمرين، فالعطف للواو دونها، لأمرين، أحدهما: أن الواو أمّ حروف العطف.

والآخر: أن «لا» لا يعطف بها بعد النفى، لا تقول: ما قام زيد لا بكر، وإذا بطل أن تكون/للعطف فهى زائدة لتوكيد النفى، وكذلك حكم «لكن»

الخفيفة مع الواو، تنفرد الواو دونها بالعطف، وتفيد «لكن» الاستدراك فقط، فى قولك: ما قام زيد ولكن بشر.

والثامن: أنهم استعملوها بمعنى «لم» فألزموها الماضى، كقوله تعالى:

﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى﴾ أى لم يصدّق ولم يصلّ، ومثله: ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ ومثله قول الشاعر:

وأيّ خميس لا أفأنا نهابهوأسيافنا يقطرن من كبشه دما

الخميس: الجيش العظيم، وكبش الجيش: رئيسه، ومن ذلك قول الآخر:

لا همّ إن الحارث بن جبلهزنا على أبيه ثمّ قتله
وكان فى جاراته لا عهد لهفأيّ أمر سيّئ لا فعله

قوله: «زنا على أبيه» يروى بتخفيف النون وتشديدها، فمن رواه مخفّفا فمعناه زنا بامرأته، ومن رواه مشدّدا فأصله: زنّأ، مهموز، ومعناه ضيّق عليه، وهذا القول أوجه، وهى رواية ابن السّكّيت، وقال أبو خراش الهذلىّ، وهو يطوف بالبيت:

إن تغفر اللهمّ تغفر جمّاوأيّ عبد لك لا ألماّ

أى لم يلمّ بالذّنوب، وقد ذكرت هذا الفصل فيما تقدّم.

والتاسع: استعمالهم «لا» اسما فى قول القائل:

أبى جوده لا البخل واستعجلت بهنعم من فتى لا يمنع الجود قاتله

فى قول من جرّ «البخل» بإضافة «لا» إليه، لأن «لا» قد تكون للبخل ولضدّه، وسأبيّن هذا فيما بعد.

وقد استعملت العرب بعض الحروف أسماء، وذلك على ضروب، فمنها ما حكته فأقرّته على لفظه، كإقرار «لا ونعم» في هذا البيت على لفظهما، ومنها ما حكته وغيّرت معناه، كعن فى قول قطرىّ بن الفجاءة:

ولقد أرانى للرّماح دريئةمن عن يمينى مرّة وأمامى

أراد: من ناحية يمينى، ومثل ذلك «على» فى قولهم: نزلت من على الجبل، يريدون: من فوق الجبل، كما قال:

غدت من عليه تنفض الطّلّ بعد مارأت حاجب الشّمس استوى فترفّعا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ما وجد علوي الهوى جن واجتوى»

وممّا استعملوه اسما بمعناه حرفا، كاف التشبيه، فى نحو قول امرئ القيس، يصف فرسا:

فرحنا بكابن الماء يجنب وسطناتصوّب فيه العين طورا وترتقى

وجعله الأعشى اسما بإسناد الفعل إليه، فى قوله:

أتنتهون ولن ينهى ذوى شططكالطّعن يهلك فيه الزّيت والفتل

واستعمال الحرف اسما بلفظه أقيس؛ لأنك تنزّله منزلة الاسم المبنيّ، كقولك: هل حرف استفهام، ومن حرف تبعيض، ولم حرف نفى، فإن قلت:

هل حرف استفهام، ولم حرف نفى، فنزّلته منزلة دم وغد، فجيّد.

وقد استعملوا حروفا أسماء على ضربين: ضرب أعربوه ونوّنوه، وضرب أعربوه ونوّنوه وشدّدوا آخره، كما قال:

إنّ ليتا وإنّ لوّا عناء

وضرب جمعوا فيه الألف واللام والتشديد، فمن ذلك ما حكاه الخليل، قال:

«قلت لأبى الدّقيش: هل لك فى زبد وتمر؟ فقال: أشدّ الهلّ وأوحاه» وجاء فى شعر أبى نواس:

هل لك والهلّ خير

ومن المعرب المنوّن قول المتنبّى:

من اقتضى بسوى الهندىّ حاجتهأجاب كلّ سؤال عن هل بلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»

يقول: من اقتضى بسوى السيف حاجته أجاب كلّ سؤال يقال فيه: هل قضيت حاجتك؟ بقوله: لم تقض، وأراد بالحاجة هاهنا ما عظم من المطالب التى/ لا يكاد مثلها يدركه طالبه إلاّ بالسيف.

وذهب بعض الكوفيّين فى قولهم: غضبت من لا شيء، وخرجت بلا زاد، يريدون: من غير شيء، وبغير زاد، إلى أن «لا» فى هذا النحو اسم لدخول الخافض عليها، وقيامها مقام «غير» قال: وكذلك إذا استعملت فى وصف النكرة، كما جاء فى التنزيل: ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ وكما جاء: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ. لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ ومثله: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ وأنشد للأسود بن يعفر:

تحيّة من لا قاطع حبل واصلولا صارم قبل الفراق قرينا
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «ألا يا أسلمي قبل الفراق ظعينا»

بخفض «قاطع وصارم» قال: أراد تحيّة إنسان غير قاطع حبل من يصله، قال: وتقول: مررت برجل لا كريم ولا شجاع، بالخفض على ما تقدّم، ولا كريم

ولا شجاع، بالرفع على إضمار «هو» قال: وقبيح أن تقول: لا كريم أو لا كريم، وتسكت، وربّما جاء فى الشعر بغير تكرير، وأنشد:

وأنت امرؤ منّا خلقت لغيرناحياتك لا نفع وموتك فاجع
للشاعر الصرائري، اقرأ القصيدة

ومذهب البصريّين أنّ العامل فى المجرور من قولهم: غضبت من لا شيء ونحوه هو الجارّ، تخطّى «لا» إلى العمل فيما بعدها، وأنّ «لا» حرف وإن أدّت معنى «غير».

قال أبو سعيد، فى شرح الكتاب: دخلت «لا» مكان «غير» فى قولك غضبت من لا شيء، و «لا» حرف فلا يقع عليه حرف الخفض، فوقع حرف الخفض على ما بعد «لا» وعلى هذا: «ما كان إلاّ كلا شيء» أى كغير شيء، وقال سيبويه فى قول جرير:

ما بال جهلك بعد الحلم والدّينوقد علاك مشيب حين لا حين
للشاعر جرير، من قصيدة «ما بال جهلك بعد الحلم والدين»

إنما هو: حين حين، و «لا» بمنزلة «ما» إذا ألغيت.

والعاشر: أنهم زادوها توكيدا للكلام، كزيادتها فى قوله تعالى: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ﴾

﴿أَهْلُ الْكِتابِ﴾ المراد: لأن يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله، وممّا زيدت فيه قوله تعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ أراد:

ما منعك أن تسجد، كما قال فى الأخرى: ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.

ومن مواضع زيادتها المطّردة مجيئها بعد النفى، مؤكّدة له فى نحو قوله تعالى:

﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ﴾ وقد تجيء مؤكّدة للنفى فى غير موضعها الذى تستحقّه، كقوله: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾ المعنى: وما يستوى الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء؛ لأنك تقول: ما يستوى زيد وعمرو، ولا تقول: ما يستوى زيد، فتقتصر على واحد، ومثله: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾.

وممّا زيدت فيه قوله تعالى: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ المعنى: حرام على قرية أهلكناها رجوعهم إلى الدنيا.

وقد تزاد لإزالة الاحتمال، فى نحو قولك: ما قام زيد ولا عمرو، وذلك أنك إذا قلت: ما قام زيد وعمرو، احتمل أنهما لم يقوما معا، ولكن قام كلّ واحد منهما منفردا، فإذا زدت «لا» زال هذا الاحتمال، وصار إعلاما بأنهما لم يقوما ألبتّة.

وممّا زيدت فيه «لا» قول العجّاج:

فى بئر لا حور سرى وما شعر

معناه: فى بئر حور، أى فى بئر هلاك، وكذلك هى فى قول الآخر:

وما ألوم البيض أن لا تسخراإذا رأين الشّعر القفندرا

القفندر: القبيح المنظر، وقال آخر:

مخافة أن لا يجمع الله بينناولا بينها أخرى اللّيالى الغوابر

الغوابر: البواقى، فأما قوله:

أبى جوده لا البخل واستعجلت بهنعم من فتى لا يمنع الجود قاتله

/فقد روى بنصب «البخل» وجرّه، فنصبه على أن تكون «لا» زائدة، فالمعنى: أبى جوده البخل، وجرّه على إخراج «لا» من الحرفية إلى الاسميّة، وإضافتها إليه، لأن «لا» تكون للبخل ولغير البخل، فأراد أنه يمتنع من «لا» التى للبخل خاصّة، فمثال التى للبخل أن يقول له: هل تجود عليّ بدرهم؟ فيقول: لا، ومثال التى لغير البخل: أن يقول له: هل تمنعنى عطاءك؟ فيقول: لا.

والحادى عشر: أنهم غيّروا بلا أربعة أحرف، فنقلوهنّ عمّا وضعن له إلى غيره، وهنّ: لو وهل وأن وهمزة الاستفهام، فقالوا: لولا وهلاّ وألاّ وأ لا، خفيفة اللام.

فأما «لو» فنقلوها من امتناع الشىء لامتناع غيره، إلى معنيين، أحدهما:

التّحضيض فى نحو: لولا تكرم زيدا.

والثانى: امتناع الشىء لوجود غيره فى نحو: لولا زيد لجئتك.

وأما «هل» فنقلوها من الاستفهام إلى التحضيض، فى قول عنترة:

هلاّ سألت الخيل يا ابنة مالكإن كنت جاهلة بما لم تعلمى
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

الباء هاهنا بمعنى «عن» فهى متعلّقة بسألت، كما جاء فى التنزيل:

﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ أى فاسأل عنه.

وأما «أن» فهى المصدريّة أو المفسّرة التى بمعنى «أى» فى قوله تعالى:

﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا﴾ معناه: أى امشوا، أفادت بتركيبها مع «لا» التحضيض فى نحو: ألاّ تعطى بكرا.

وأمّا الهمزة فإنهم لمّا ركّبوها مع «لا» صلحت للتحضيض، فى نحو: ألا تكرم أخاك! وللتمنّى فى نحو: ألا ماء أشربه! ولاستفتاح الكلام فى نحو: ﴿أَلا﴾

﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾.

فهذه وجوه «لا» لم أخلّ منها بشيء، وسأذكر وجوه «ما» موضّحة بتوفيق الله وحسن إعانته.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.