من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الثالث والستون
/ قال أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباتة، يفخر:
رضينا وما ترضى السّيوف القواضبنجاذبها عن هامكم وتجاذب
القواضب: القواطع؛ لأن القضب القطع.
فإيّاكم أن تكشفوا عن رءوسكمألا إنّ مغناطيسهنّ الذّوائب
كان وجه الكلام أن يقول: ألا إنّ الذّوائب مغناطيسهنّ، أى هى للسّيوف كالمغناطيس، وهو الحجر الذى يعلق به الحديد، وقدّم المغناطيس، وجعل الذوائب الخبر، اضطرارا.
تقول ملوك الأرض قولك ذا لمنفقلت وهل غير الملوك الضّرائب
الضّرائب: جمع الضّريبة، وهى المضروب.
الآن بكت بغداد حين تشبّثتبنا البيد وانضمّت علينا الرّواجب
ألقى حركة همزة «الآن» على اللام، ثم حذفها، وهذا من أحسن التخفيف المستعمل فى القرآن.
وقوله: «تشبّثت بنا البيد وانضمّت علينا الرّواجب» مثل واستعارة، أى حين توسّطنا المفاوز فلم نقدر على الرجوع كنّا كمن تشبّث به متشبّث، فضمّ عليه رواجبه، والرّواجب: قصب الأصابع.
وقيل: هى ظهور السّلاميّات وبطونها، والسّلاميّات: عظام الأصابع.
نصون ثرى الأقدام عن وتراتهافتسرقه ريح الصّبا وتسالب
الوترات: جمع وترة، وهى الحاجز بين المنخرين.
وهبنا منعناه الصّبا بركوبناأنمنع منه ما تطاه الرّكائب
أبدل من همزة «تطأه» الألف، كما قال الفرزدق:
*فارعى فزارة لا هناك المرتع ...
وهو تخفيف على غير قياس، وإنما قياسه أن تجعل الهمزة بين بين.
ويروى: «ما تدوس الرّكائب» أى نصون تراب أقدامنا عن مناخر أهل بغداد؛ لأن قوله: «بكت بغداد» بكى أهلها، بالغ بذلك فى تعظيم نفسه.
فما فعلت بيض بها مشرفيّةتملّس منها أكلف اللّون شاحب
المشرفيّة من السّيوف: منسوبة إلى مشارف الشام، وهى أعاليها.
وقوله: «تملّس منها» من قولهم: امّلس الشىء من يدى، إذا سقط وأنت لا تشعر به، ويقال: شحب لونه يشحب، إذا تغيّر من سفر أو مرض أو سوء حال، فهذا هو الأكثر، وقد قيل: شحب يشحب.
غلام إذا أعطى المنيّة نفسهفقد فنيت آمالها والمطالب
/أراد: فنيت آمال المنيّة، فهذا أمدح من أن يريد: فنيت آمال نفسه.
أقول لسعد والرّكاب مناخةأأنت لأسباب المنيّة هائب
وهل خلق الله السّرور فقال لافقلت أثرها أنت لى اليوم صاحب
وخلّ فضول الطّيلسان فإنّهلباسك هذا للعلى لا يناسب
يقال: طيلسان وطيلسان، بفتح اللام وبكسرها، والفتح أفصح.
عمائم طلاّب المعالى صوارموأثواب طلاّب المعالى ثعالب
عنى بالثّعالب جمع ثعلب الرّمح، وهو طرفه الذى يدخل فى جبّة السّنان، فأراد أنهم يعرّضون رءوسهم للسّيوف حتى تصير لهم كالعمائم، ويعرّضون أبدانهم لأطراف الرّماح حتى تصير لهم كالملابس.
ولى عند أعناق الملوك مآربتقول سيوفى هنّ لى والكواثب
المآرب: الحوائج، واحدتها: مأربة ومأربة، بفتح الراء وضمّها.
والكواثب من الخيل واحدتها: كاثبة، وهى مقدّم المنسج أمام القربوس،
والكواثب معطوفة على قوله «هنّ» و «هنّ» عائد على الأعناق، أى تقول سيوفى:
أعناق الملوك لى وكواثب خيلهم.
فإن أنا لم أحربهم بنصالهافما ولدتنى من تميم الأجارب
قوله: «أحربهم» أى أسلبهم أموالهم، وحريبة الرجل: ماله الذى يعيش به.
والنّصل من السيف: حديدته، بغير قائم ولا جفن، وجمعه نصال ونصول.
الأجارب: كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
لقد طالما ما طلتها وجفوتهاوطالبت بالأشعار مالا تطالب
أى طلبت بالمدائح مالا تطلبه السيوف؛ لأن المطلوب بالمدائح الجوائز، التى هى فى جنب ما يرومه خسيسة، والمطلوب بالسيوف الملك والنّفوس النّفيسة.
/أآمل مأمولا بغير صدورهافوا خجلتى إنّى إلى المجد تائب
رحمت بنى البرشاء حين صحبتهممن الجهل إنّ الجهل بئس المصاحب
البرشاء: أمّ ذهل وشيبان وقيس، بنى ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علىّ ابن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمىّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، وضرّتها الجذماء، أمّ تيم الله بن ثعلبة.
وقوله: «من الجهل» أراد: للجهل، فوضع «من» موضع لام العلّة، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾.
وعلّمتهم خلقى فلم يتعلّمواوقلت قبول المكرمات معايب
أى قلت: قبول المكرمات معايب عند هؤلاء.
فصونوا يدى عن شلّها بعطائكمفما أنا فى أخذ الرّغائب راغب
الباء من قوله: «بعطائكم» متعلّقة بالشّلّ، ولو علّقتها بالصّون فسد المعنى الذى أراده وانعكس.
والرّغائب: جمع رغيبة، وهى العطاء الكثير.
والشّلل: فساد اليد.
خلقت أرى أخذ المواهب سبّةفمن نعم الأيّام عندى مصائب
أراد أن الذى استفدته من المال بغير السيف، ووصل إلىّ إجازات على المدح، معدود عندى من المصائب، وإن كان فى الظاهر نعما.
ولا تجبهوا بالرّدّ سائل حاجةولو أنّها أحسابكم والمناقب
الحسب: ما يعدّ من مآثر الرجل، أى ما يؤثر عنه من الأفعال الحسنة، وواحد المناقب: منقبة، بفتح القاف، وهى المكرمة.
وقد كدت أعطى الحاسدين مناهممخافة أن يلقى المطالب خائب
فكونوا على الأسياف مثلى إذا انثنتسواعدها مفلولة والمضارب
أى سواعد أصحابها، فحذف المضاف.
والفلّ فى السّيف: الثّلم.
/فلو كان بأسى فى الثّعالب أصبحتجماجمها للمرهفات تضارب
خصّ بذلك الثعالب؛ لأنها توصف بالجبن والرّوغان.
وجاز إدخال اللام فى قوله: «للمرهفات» لتقديم المفعول على الفعل، كما جاء فى التنزيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ و ﴿هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ولا يجوز فى غير الشّعر: تضارب للمرهفات، إنما يكون ذلك فى اسم الفاعل، كقولك: فلان مضارب لفلان، كما تقول: فلان ظالم لفلان، كما قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ولا يجوز: يظلم لنفسه.
ولا تجهلوا نعمى تميم عليكمغداة أتتنا تغلب والكتائب
كانت بكر بن وائل حالفت تميما على تغلب، فكانت بينهم وقعة عظيمة، وهى وقعة يوم العظالى، وكان النصر لبكر وتميم.
على كلّ طيّار العنان كأنّهلراكبه من طول هاديه راكب
هادى الفرس: عنقه.
تطالبنا أكفالها وصدورهابما نهبت منها الرّماح النّواهب
/تودّ من الأحقاد أنّ شعورهاسهام فترمينا بها وتحارب
الضّمائر في البيت عائدة على الخيل، والمراد بذلك فرسانها.
وولّوا عليها يقدمون رماحناوتقدمها أعناقهم والمناكب
الضمير فى قوله «تقدمها» للخيل لا للرّماح.
خلقنا بأطراف القنا لظهورهمعيونا لها وقع السّيوف حواجب
عيب عليه قوله: «لظهورهم» وقيل: لو قال: لصدورهم، كان أمدح؛ لأن الطّعن والضرب فى الصّدور أدلّ على الإقدام والشجاعة للطاعن والضارب، والمطعون والمضروب، وذلك أن الرجل إذا وصف قرنه بالإقدام مع ظهوره عليه كان أمدح له من وصفه له بالانهزام، كما قال الأول:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومناولكن على أقدامنا يقطر الدّما
والذى عابه بهذا المرتضى أبو القاسم عليّ بن الحسين الموسوىّ، ﵀.
وأنتم وقوف تنظرون إلى الطّلىتحلّ وغربان الرءوس نواعب
الطّلى: الأعناق، واحدتها: طلية، وقوله: «وغربان الرءوس نواعب» شبّه أقحاف الرءوس لما عليها من الشّعر، وقد أطارتها السيوف، بالغربان، وشبّه صوت وقع السيوف فيها عند قطعها بالنّعيب.
ومن رأينا فيكم دروع حصينةولو شاء بزّ السّابريّة سالب
قوله:
ومن رأينا فيكم دروع حصينة
أى كانت آراؤنا لكم فى ذلك اليوم وقاية عليكم، كالدّروع التى تقى لابسيها الجراح.
والسابريّة من الدّروع: الرّقيقة النّسج.
وقوله:
ولو شاء بزّ السابريّة سالب
أى لو شئنا حرمناكم تلك الآراء التى كانت واقية عليكم.
ومعنى «بزّ» سلب، ومن كلامهم: «من عزّبزّ» أى من غلب سلب.
أبوا أن يطيعوا السّمهريّة عزّةفصبّت عليهم كاللّجين القواضب
السّمهريّة: الرّماح الصّلاب، من قولهم: اسمهرّ الشّوك، إذا يبس، واسمهرّ الظلام، إذا اشتدّ، يقول: لم يردعهم الطّعن عن الإقدام؛ لعزّتهم، فأعليناهم السّيوف التى كأنها الفضّة من صفائها.
وموضع قوله: «كاللّجين» نصب على الحال، أى فصبّت القواضب عليهم مشبهة فى بياضها ونقائها للّجين.
وعادت إلينا عسجدا من دمائهمألا هكذا فليكسب المجد كاسب
نصب «عسجدا» على الحال، بتقدير حذف أداة التشبيه، أى مثل عسجد، أى رجعت إلينا سيوفنا مشبهة للذهب؛ لانصباغها بالدماء.
أخذ محمد بن العباس الأبيوردىّ تشبيه السّيوف باللّجين قبل الضّرب بها وتشبيهها بالعسجد بعد الضّرب بها، فقال:
ولله درّ السّيف يجلو بياضهغياهب يوم قاتم الجوّ أربدا
بمعترك يلقى به الموت بركهيسلّ لجينا ثم يغمد عسجدا
قاتم: من القتام، وهو الغبار الأسود.
والرّبدة: لون مختلط سواده بكدرة، ويقال للغضبان: قد اربدّ وجهه.
وقوله: «يلقى به الموت بركه» البرك: الصّدر، استعاره للموت، شبّهه بالبعير الذى إذا برك ألصق صدره بالأرض.
ونصب «لجينا وعسجدا» على ما ذكرته من الانتصاب على الحال، بتقدير حذف أداة التشبيه.
وقول أبى نصر:
هكذا فليكسب المجد كاسب
موضع «هكذا» نصب على الوصف لمصدر محذوف، أى فليكسب المجد كاسب كسبا هكذا.
بيوم العظالى والسّيوف صواعقتخرّ عليهم والقسىّ حواصب
الباء فى قوله.
بيوم العظالى والسّيوف صواعق
قائمة مقام «فى» كقولك: زيد/بالبصرة، وكما جاء فى التنزيل: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ أى فيه، لأن الهاء تعود على اليوم، فى قوله: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً﴾.
وأحسن ما قيل فى تذكير ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ حمل ﴿السَّماءُ﴾ على المعنى، إذ قد
سمّاها الله سقفا فى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾.
وقوله: «والسّيوف صواعق» أى مثل صواعق.
وقوله: «والقسيّ حواصب» أى مثل حواصب، ومعنى حواصب: أيد ترمى بالحصباء، والحصباء: الحصى، والقسىّ: من الأسماء المقلوبة، وكان القياس أن يجمع القوس على: القياس، حملا على نظائرها، كقولهم فى جمع ثوب وحوض وسوط: ثياب وحياض وسياط، ولكنهم جمعوها على فعول، كقولهم فى جمع خيط: خيوط، فاستثقلوا أن يقولوا: قووس، فقلبوه بتقديم لامه على عينه، فصار إلى قسوو، بوزن فلوع، فاستثقلوا اجتماع ضمّتين وواوين، فأبدلوا من ضمّة السّين كسرة، فانقلبت الواو الأولى ياء، فصار إلى قسيو، فاجتمعت الياء والواو، والأولى منهما سابقة بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء، كما فعلوا ذلك فى ميّت، إذ أصله ميوت، فصار بعد الإدغام إلى قسيّ، فكسروا القاف إتباعا لكسرة السين، كما قالوا فى شعير: شعير، وفى نعم الرجل: نعم، وفى شهد، شهد، إلا أن الكسر فى قاف قسيّ لازم، فوزن قسيّ: فليع.
لقوا نبلها مرد العوارض وانثنوالأوجههم منها لحى وشوارب
المرد: جمع الأمرد، وهو الذى لم يبد في وجهه الشّعر، من قولهم: شجرة مرداء، وهى التى انتثر ورقها.
والعارضان: عارضا اللّحية، قال بعض أهل اللغة: لا يكادون يقولون للأمرد: امسح عارضيك. أراد أنّ المكان الذى ينبت عليه الشّعر من الوجه إنما يقال له عارض، إذا نبت عليه الشّعر.
وقالوا فى جمع اللّحية: لحى، بالكسر على القياس، ولحى بالضم على الشذوذ، كما شذّ في/جمع قرية: قرى.
والشارب: الشّعر النابت على الشّفة العليا، وإنما سمّوه شاربا لأنه أوّل ما يرد الماء إذا شرب الشارب.
والهاء فى «منها» تعود على «النّبل» لأن النّبل يؤنّث كما يذكّر، من حيث كان جمعا بينه وبين واحده تاء التأنيث، كالنّخل، فيجوز: النّبل كسرته، ويجوز: كسرتها، كما جاء: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ و ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾.
وقوله: «لأوجههم منها لحى» فى موضع الحال، وحذف واو الحال اكتفاء بالضمير، كما جاء:
نصف النّهار الماء غامرهورفيقه بالغيب ما يدرى
الأصل: والماء غامره، فحذف الواو اجتزاء بالهاء.
لأيّة حال يختلسن نفوسهموهنّ عليها بالحنين نوادب
المضمر فى «يختلسن» يعود على القسيّ، لتشبيهه إيّاها بالنّوادب، وتشبيهه لرنينها بالحنين، وقد نظر فى هذا إلى قول ابن الرّوميّ:
كالقوس تصمى الرّمايا وهى مرنان
أى تقتل ما ترميه، وهى مع ذلك مصوّتة تصويت حزين.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع