تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الثانى والستون

قال الرضىّ أبو الحسن محمد بن الطاهر أبى أحمد بن الحسين بن موسى الموسوىّ، رضى الله عنهما، وقد نظر إلى الحيرة وآثارها، يذكر أربابها، وذلك فى سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة:

ما زلت أطّرف المنازل بالنّوىحتى نزلت منازل النّعمان

أطّرف: أستجدّ واستحدث، من قولهم: مال طريف، أى مستحدث، أراد أستجدّ بضربى فى الأرض منزلا بعد منزل.

بالحيرة البيضاء حيث تقابلتشمّ العماد عريضة الأعطان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

أراد: حيث تقابلت منازل رفيعة العماد، وسيعة الأعطان.

والأعطان: مبارك الإبل حول الماء، واحدها عطن.

شهدت بفضل الرافعين قبابهاويبين بالبنيان فضل البانى
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»
ما ينفع الباقينأن بقيت لهم

خطط معمّرة بعمر فان

الخطط: ما يختطّ من الأرض فيبنى فيه، الواحدة خطّة.

/باق بها حظّ العيون وإنّمالا حظّ فيها اليوم للآذان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»
وعرفت بين بيوت آل محرّقمأوى القرى ومواقد النّيران
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

محرّق: عمرو بن هند، الملك، وهند أمّه، وهى بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار الكندىّ، وسبب تلقيب حجر بآكل المرار: أنّ ذياد بن الهبولة أغار فسبى امرأة حجر، وحجر غائب، فقال لها وقد بعد عن الحيّ: ما ظنّك بحجر؟ فقالت: ظنّى أنه إذا بلغه ما فعلت يوافيك كاشرا كأنه بعير آكل مرار، فلم يلبث أن لحقه حجر فاتحا فاه، فقتله فأخذها ورجع.

المرار: نبت إذا كان رطبا فهو على نبتة العصفر، إذا أكلته الإبل أسمنها، وإذا يبس صار له شوك، فإذا أكلته قلّصت عنه مشافرها.

وأبو عمرو بن هند: المنذر بن ماء السماء، وماء السّماء أمّه، وهى من النّمر بن قاسط، وأبوها عوف بن جشم، وسمّيت ماء السماء، لحسنها.

وأبو المنذر: امرؤ القيس بن عمرو بن عديّ بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن غنم بن نمارة بن لخم.

وسمّى عمرو بن هند محرّقا، لأنه حرّق من بنى دارم ثمانية وتسعين رجلا، وكمّلهم مائة برجل من البراجم، وفد عليه، وبامرأة نهشليّة، فلذلك قيل: «إنّ الشّقىّ وافد البراجم» وسبب ذلك: أنّ رجلا منهم قتل ابنا له صغيرا خطأ فآلى أن يقتل به منهم مائة.

ومناط ما اعتلقوا من البيض الظّبىومجرّما سحبوا من المرّان

المناط: المعلّق، مفعل، من قولهم: نطت الشىء بالشىء: إذا علّقته به.

وظبى السّيوف: مضاربها، واحدتها ظبة، وقد تقدّم الكلام فيها مع نظائرها.

والمرّان: الرّماح، واحدتها مرّانة، ويحتمل أن يكون مثاله فعلان، ويحتمل أن يكون المراد به فعّال، وحجّة القول الأول كثرة زيادة الألف والنون، فيكون كغفران، فى الأحداث، وكعريان فى الأوصاف، وكعثمان/فى الأعلام.

وحجّة القول الثانى أن يحمل على كثرة مجىء النبات على فعّال، كعنّاب وكرّاث وحماض وخبّاز، وعلى ذلك وقع الخلاف فى رمّان، بين الخليل والأخفش، فذهب الأخفش إلى أنه فعّال.

الهاجمين على الملوك قبابهموالضّاربين معاقد التّيجان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»
وكأنّ يوم الإذن يبرز منهمأسد الشّرى، وأساود الغيطان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

الشّرى: موضع تكثر فيه الأسود، قال:

*أسود شرى لاقت أسود خفيّة

والغيطان: جمع الغائط، وهو المطمئنّ من الأرض

شبّههم بالأسود، فى قوّتها وجرأتها، وبالحيّات فى نكرها وخبثها، مع ما قدّمه من وصفهم بقرى الضّيفان وإيقاد النّيران.

وجمع أسد على أسد من الشاذّ النادر، وإنما قياسه أفعال، فى القلّة، وفعول، فى الكثرة.

ولقد رأيت بدير هند منزلاألما من الضّرّاء والحدثان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

أراد هند بنت النّعمان بن المنذر، وديرها باق إلى اليوم بظاهر الكوفة.

مغض كمستمع الهوان تغيّبتأنصاره وخلا من الأعوان

الإغضاء: إدناء الجفن من الجفن، استعاره للمنزل.

بالى المعالم أطرقت شرفاتهإطراق منجذب القرينة عان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

المعالم: آثار الدار، واحدها معلم.

وقرينة الرجل: امرأته، وقرينته أيضا: نفسه. والعانى: الأسير.

أو كالوفود رأوا سماط خليفةفرموا على الأعناق بالأذقان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

السّماط: الصّفّ من الناس، قال:

ملك أغرّ إذا احتبى بنجادهغمر الجماجم والسّماط قيام

-

ويجوز أن يكون أراد بالسّماط الأسرّة التى تصفّ ويوضع عليها الطّعام.

وذكرت مسحبها الرّياط بجوّهمن قبل بيع زمانها بزمان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

الرّياط: جمع الرّيطة، وهى إزار ليس بلفقين، وجوّه: داخله.

وبما تردّ على المغيرة دهيهنزع النّوار بطيئة الإذعان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

قوله: «بما تردّ» أى بردّها، وعنى بالمغيرة المغيرة بن شعبة الثّقفىّ، وكان أحد دهاة العرب، وولى إمارة الكوفة فى أيام معاوية، فأرسل إلى هند بنت النّعمان يخطبها، وكانت قد عميت، فأبت وقالت: والصّليب ما فيّ رغبة لجمال ولا لكثرة مال، وأيّ رغبة لشيخ أعور فى عجوز عمياء! ولكن أردت أن تفخر بنكاحى، فتقول: تزوجت بنت النّعمان بن المنذر! فقال: صدقت والله، وأنشأ يقول:

أدركت ما منّيت نفسى خاليالله درّك يا ابنة النّعمان
فلقد رددت على المغيرة دهيهإنّ الملوك ذكيّة الأذهان
إنّى لحلفك بالصّليب مصدّقوالصّلب أصدق حلفة الرّهبان

وكانت بعد ذلك تدخل عليه فيكرمها ويبرّها، وسألها يوما عن حالها، فأنشدت:

بينا نسوس الناس والأمر أمرناإذا نحن فيهم سوقة نتنصّف
فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمهاتقلّب تارات بنا وتصرّف
للشاعر هند بنت النعمان بن المنذر، اقرأ القصيدة

قولها: نتنصّف: أى نستخدم، والمنصف: الخادم.

وروى أن المغيرة هذا أدمى ثمانين بكرا، ومات بالكوفة وهو أميرها بالطاعون سنة خمسين.

والنّوار من النساء: التى تنفر من الرّيبة، امرأة نوار، وقد نارت تنور نورا:

نفرت من القبيح لعفّتها.

والإذعان: الانقياد، وقوله: «نزع النّوار» يقال: نزعت الشىء من مكانه نزعا، ونزعت عن الأمر نزوعا، إذا رجعت عنه، ونزعت إلى فلان نزاعا، إذا حننت إليه، وقد غلّط أبو نواس فى وضع النّزع موضع/النّزوع فى قوله:

وإذا نزعت عن الغواية فليكنلله ذاك النّزع لا للنّاس

وأما قول الرضىّ «نزع النّوار» فجيّد، لأنها كأنّها جذبت نفسها من القبيح.

أمقاصر الغزلان غيّرك البلىحتى غدوت مرابض الغزلان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

كلّ ناحية من الدار الكبيرة أحيط عليها فهى مقصورة، وجمعوها على مقاصر.

وملاعب الأنس الجميع طوى الرّدىمنهم فصرت ملاعب الجنّان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

الأنس: الحىّ الحلول، قال طفيل الغنوىّ.

*إذا أنس عزّوا عليّ تصدّعوا

والجنّان: الجنّ.

من كلّ دار تستظلّ رواقهاأدماء غانية عن الجيران
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

شبّهها بالظّبية الأدماء، والأدم من الظّباء: البيض.

ورواق البيت: ما بين يديه.

والغانية إذا لم تقيّد بصفة ففيها ثلاثة أقوال، قيل: هى التى غنيت بالحسن عن التزيّن، وقيل: غنيت ببعلها عن غيره، وقيل: غنيت عن جيرانها بغناها، وقد قيّدها هاهنا بالغنى عن الجيران.

ولقد تكون محلّة وقرارةلأغرّ من ولد الملوك هجان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

الهجان: الخالص الذى أبواه عربيّان. وضع «تكون» فى موضع «كان» كما قال زياد الأعجم:

فإذا مررت بقبره فاعقر بهكوم الهجان وكلّ طرف سابح
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
وانضح جوانب قبره بدمائهافلقد بكون أخادم وذبائح
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

ونقيض هذا قول الطّرمّاح:

وإنّى لآتيكم تشكّر ما مضىمن الأمس واستيجاب ما كان فى الغد

وقد ورد فى التنزيل هذا الفنّ فى مواضع، منها قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ /أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ وقوله: ﴿ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ فهذا وضع المستقبل فى موضع الماضى، ومن وضع الماضى فى موضع المستقبل قوله جلّ وعز: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ لأنّ هذا إنما يكون فى يوم القيامة، ومثله: ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ﴾.

قال أبو الفتح عثمان بن جنّى: قال لى أبو علىّ: سألت أبا بكر-يعنى ابن السّرّاج-عن الأفعال يقع بعضها فى موقع بعض، فقال: كان ينبغى للأفعال أن تكون كلّها مثالا واحدا؛ لأنها لمعنى واحد، ولكن خولف بين صيغها لاختلاف أزمنتها، فإذا اقترن بالفعل ما يدلّ عليه من لفظ أو حال، جاز وقوع بعضها موقع بعض.

قال أبو الفتح: وهذا كلام من أبى بكر عال سديد. وقد ذكرت هذا فيما

مضى من الأمالى، وإنما أعدته هاهنا لأن الموضع اقتضاه.

يطأ الفرات فناءها بعبابهولها السّلافة منه والرّوقان

فناء الدار: ما يمتدّ من قدّامها.

وعباب الماء وغيره: معظمه.

والسّلاف والسّلافة: أوّل ما يعصر من الخمر، وهو أصفاه.

والرّوق أيضا: المتقدّم، وأصله الرّوق الذى هو القرن، فلذلك ثنّاه.

ووقفت أسأل بعضها عن بعضهاوتجيبنى عبرا بغير لسان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

هذا من قول أمير المؤمنين علىّ ﵇: «سل الأرض من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا».

قدحت زفيرى فاعتصرت مدامعىلو لم يؤل جزعى إلى السّلوان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

الزّفير: أن يتزيّد النّفس حتى تنتفخ الضّلوع.

/ترقى الدّموع ويرعوى جزع الفتىوينام بعد تفرّق الأقران
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

ارعوى عن القبيح: رجع عنه، وهو حسن الرّعوى، وارعوى: من

مضاعف الواو، فأصله: ارعوو، كما أن أصل. احمرّ: احمرر، فكرهوا أن يدغموا فيقولوا: ارعوّ يرعوّ، كما قالوا: احمرّ يحمرّ، فقلبوا الواو الثانية ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.

وكأنّما نسىالتّجار لطيمة

جرت الرّياح بها على القيعان

اللّطيمة: إبل تحمل العطر وأنواع البياعات، سوى الميرة، وكذلك كلّ سوق يباع ذلك فيها تسمّى لطيمة.

والقاع من الأرض: الأملس، وألفه من الواو؛ لقولهم فى تصغيره: قويع، وجمعوه، وهو فعل على فعلان، ومثله: نار ونيران، وتاج وتيجان.

ماء كجيب الدّرع تصقله الصّباونقا يدرّجه النّسيم الوانى
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

خصّ الجيب من الدّرع لكثرة وقوع نظر لابسها عليه، فهو يتعهده بإزالة الصّدأ عنه.

والنّقا: الكثيب من الرّمل، وأصل ألفه الواو، لقولهم: نقوان، وقد روى بعضهم: نقيان.

حلل الملوك رمى جذيمة بينهاوالمنذرين تغاير الأزمان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

حلل الملوك: محالّهم ومساكنهم، وأراد جذيمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس الأزدىّ، وهو الأبرش، وكان من أبعد ملوك العرب مغارا، وأشدّهم نكاية، وهو أول من ضمّ إليه العرب، وغزا بالجيوش، وكان أبرص، فسمّته العرب الأبرش،

والوضّاح: كناية عن البرص، إعظاما له، وهو أول من ملك من العرب الأنبار والحيرة، وكانت منازله فيما بين الجزيرة والأنبار وبقّة وهيت، وعين التّمر، وأطراف البرّ إلى الغمير، والقطقطانة، وخفيّة والحيرة.

والمنذران: أحدهما المنذر بن امرئ القيس، وقد مضى ذكر نسبه، فهذا المنذر/الأكبر، والمنذر الآخر: ابنه، وهو أبو النّعمان بن المنذر.

طردا كدأب الدّهر فى عاد الألىوأولى الحفائظ من بنى الدّيّان

الحفائظ: جمع حفيظة، وهو الغضب.

وبنو الدّيّان: سادات بنى الحارث بن كعب، وكان بنو الحارث إحدى جمرات العرب.

ومن أنشد «فى عاد الألى» حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ومن فتح الدال حذف التنوين لامتناع الصّرف، باجتماع التأنيث والتعريف، فى قول من لم يصرف هند، وأراد بالألى: الأولى، فحذف عين الفعلى ضرورة، كما حذفها الأسود بن يعفر، فى قوله:

فأتبعت أخراهم طريق ألاهمكما قيل نجم قد خوى متتايع

أراد: أولاهم، فلذلك عادل بها أخراهم، كما جاء فى التنزيل: ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ وكما قال أميّة بن أبى الصّلت:

وقد علمنا لو انّ العلم ينفعناأن سوف يتبع أخرانا بأولانا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «الحمد لله ممسانا ومصبحنا»

فأمّا قول الرضىّ فى مدح الطائع:

قد كان جدّك عصمة العرب الألىفالآن أنت لهم من الإعدام
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «هي سلوة ذهبت بكل غرام»

فيحتمل أن يكون على حذف الواو من «الأولى» كما تقدّم ذكره، ويحتمل أن يكون أراد بالألى: الذين، والتقدير: الألى عاصروه، فحذف الصّلة، كما قال عبيد بن الأبرص:

نحن الألى فاجمع جموعك ثمّ وجّههم إلينا

أراد الألى عرفتهم، فحذف الصّلة، وهو من الحذوف البعيدة، ولا يسوغ هذا الوجه فى قوله:

*طردا كدأب الدّهر فى عاد الألى

ولا يكون إلاّ على الأولى، لأن الله تعالى قد وصف عادا بهذه الصّفة فى قوله: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى﴾ وزعم الأصمعىّ أن زهيرا غلط فى قوله:

فتنتج لكم غلمان أشأم كلّهمكأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

قال: أراد: كأحمر ثمود، فقال: كأحمر عاد، وإنما هو قدار، عاقر الناقة، ووافق ثعلب الأصمعىّ فى تغليط زهير، وقال: هذا كقول الآخر:

وشعبتا ميس براها إسكاف

فأبدل النجّار بإسكاف.

وقال أبو العباس محمد بن يزيد: ليس هذا من زهير بغلط؛ لأن العرب تسمّى ثمود بعاد الآخرة، ولذلك وصف الله تعالى قوم هود بعاد الأولى، فى قوله:

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى﴾.

نعق الزّمان بجمعهم عن لعلعوأقضّ مبركهم على نجران

نعق الزّمان بهم: صاح بهم، كما ينعق الراعى بالغنم.

وأقضّ مبركهم: من القضّة، وهى صغار الحصى، وإذا كان في مبارك الإبل الحصى شقّ عليها بروكها عليه، وكلّ هذا استعارات.

وكآل جفنة أزعجتهم نبوةنقلت قبابهم عن الجولان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

آل جفنة: من غسّان، وكانوا ملوك الشام، أولهم الحارث بن أبى شمر، وهو الحارث الأكبر، وآخرهم جبلة بن الأيهم، وأسلم فى أيام عمر ﵇، ثم تنصّر، وله قصة معروفة، وابن الحارث الأكبر: الحارث الأعرج، وابن الحارث الأعرج: الحارث الأصغر، وابن الحارث الأصغر: عمرو، الذى مدحه النابغة بقوله:

علىّ لعمرو نعمة بعد نعمةلوالده ليست بذات عقارب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «دع اللوم إن اللوم عون النوائب»

وهو الذى مدحه علقمة بن عبدة، وقد أسر أخاه شأسا، حين غزا المنذر ابن المنذر بن امرئ القيس آل جفنة، وكانوا قتلوا أباه، فقتلوه أيضا، ومنّ عمرو ابن الحارث على أكثر الأسارى فأطلقهم، واستعطفه علقمة بقوله:

/وفى كلّ حىّ قد خبطت بنعمةوحقّ لشأس من نداك ذنوب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»

فقال: وأذنبة.

وكان آل جفنة ينزلون من الشام حارث الجولان، ولهم يقول حسّان:

أولاد جفنة حول قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

ومارية هذه: هى التى يضرب بقرطيها المثل، فيقال: «ولو بقرطى مارية».

وعلى المدائن جلجلت برعادهابركا بكلكلها على الإيوان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

جلجلت: صوّتت، وسحاب مجلجل: مصوّت، وقالوا فى جمع الرّعد:

رعود، ورعاد، كبحر وبحور وبحار، شبّه الداهية بسحابة مجلجلة، وجعل لها كلكلا، والكلكل: الصّدر.

وإلى ابن ذى يزن غدت مرحولةنقضت حويّتها على غمدان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

أراد سيف بن ذى يزن، وقصّته مشهورة، حيث استنجد على الحبشة بكسرى أنو شروان، وقيل بهرمز بن قباذ، فأنجده بجيش من الفرس، فقتل ملك الحبشة، واجتاحهم إلاّ قليلا منهم، ثم اتّخذهم خولا، فعدوا عليه بحرابهم فقتلوه، وقد ذكرت قصّته فيما تقدّم من الأمالى.

والضمير فى «غدت» للنّبوة التى تقدّم ذكرها، والمراد بها الداهية، وجعلها كالناقة المرحولة، واستعار لها حويّة، وهى كساء يجعل حول سنام البعير، فإذا حطّ المسافر رحله نقض الحويّة.

وغمدان: قصر كان بصنعاء، منزلا للملوك، هدمه عثمان بن عفان فى أيامه.

قصفت قنا جذل الطّعان وثوّرتبعد الأمان بعامر الضّحيان

جذل الطّعان: كان رئيسا من رؤساء كنانة، وهو من بنى فراس بن غنم، وسمّى جذل الطّعان، لأنه كان يثبت فى الحرب، كأنه جذل، والجذل: ما يبقى من أصل الشجرة، إذا قطعت، وكان قليل بنى فراس أعدّ من كثير غيرهم، ذكر أبو عبيدة/أن الرجل منهم كان يعدّ بعشرة، وكانت نجدتهم مشهورة فى العرب، كانوا يسمّون الحمى الممنوع؛ لأن حماهم كان لا يقرب، وقال عليّ ﵇ لأهل الكوفة، وجنده يومئذ مائة ألف أو يزيدون: «يا معشر أهل العراق، من فاز بكم فقد فاز بالسّهم الأخيب، أبدلكم الله بى من هو شرّ لكم منّى، وأبدلنى بكم من هو خير لى منكم، فو الله لوددت أنّ لى بجمعكم ثلاثمائة رجل من بنى فراس ابن غنم، فما أبالى من لقيت بهم».

وقوله: «وثوّرت بعد الأمان» أراد: أظهرت الشرّ، يقال: ثوّر فلان بفلان، وعلى فلان، إذا أظهر له شرّا.

وقوله: «بعامر الضّحيان» أراد بعامر، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، كما حذفه الأول فى قوله:

إذا غطيف السّلمىّ فرّا

وكقول الآخر:

حميد الذى أمج دارهأخو الخمر ذو الشّيبة الأصلع

وعامر الضّحيان: هو عامر بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النّمر بن قاسط، وكان سيّد النّمر، قال أبو عبيدة: كان بيت الضّحيان أشرف بيت، وفيه يقول الفرزدق:

إن الفوارس من ربيعة كلّهايرضون أن بلغوا مدى الضّحيان
كان الحكومة والرّئاسة فيهمدون القبائل من بنى عدنان

قال ابن قتيبة: سمّى الضّحيان؛ لأنه كان يجلس لقومه فى الضّحى، يحكم بينهم. وروى أن النّمر اجتمعت فى بعض السنين إلى الضّحيان لمجاعة نزلت بهم، فأضافهم وأكرمهم، ثم قال: كيلوا لهم كيلا، فقيل له: إن الكيل يبطئ بهم لكثرتهم، فقال: هيلوا عليهم هيلا، وكان يطعم ربيعة بن نزار كلّها ما هبّت الشّمال.

زفر الزّمان عليهم فتفرّقواوجلوا عن الأوطار والأوطان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

يقال: جلا القوم عن منازلهم: إذا بعدوا عنها، وواحد الأوطار: وطر، وهو الحاجة.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.