من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس التاسع والخمسون
أجمع النحويّون البصريون، المتقدّمون والمتأخّرون: عبد الله بن أبى إسحاق الحضرميّ، وعيسى بن عمر الثقفيّ، وأبو عمرو بن العلاء، ويونس بن حبيب، وأبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد، وأبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، سيبويه، وأبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش، وأبو عمر صالح بن إسحاق الجرمىّ، وأبو عثمان بكر بن محمد المازنيّ، وأبو العباس محمد بن يزيد الثّمالىّ، وأبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسيّ، وأبو إسحاق إبراهيم بن السّرىّ الزّجّاج، وأبو بكر محمد بن السّرىّ السّرّاج، وأبو علىّ الحسن بن عبد الغفار الفارسىّ، وأبو الحسن علىّ بن عيسى الرّمّانىّ، وأبو سعيد الحسن بن عبد الله السّيرافىّ.
ومن جاء بعد هذه الطبقة المتأخّرة، كأبى الفتح عثمان بن جنى، وأبى الحسن عليّ بن عيسى الرّبعيّ: أنّ أفعل فى التعجّب، من نحو: ما أكرم عبد الله! فعل، وتابعهم أبو الحسن علىّ بن حمزة الكسائىّ.
وذهب أبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء، إلى أنه اسم، وتابعه طائفة من الكوفيين.
فممّا احتجّ به الفرّاء وأصحابه قولهم: إنه جامد، والفعل بابه التصرّف،
فالجمود مباين للفعلية، فاستحقّ بمخالفته للأفعال، إلاّ ما شذّ منها، أن يلحق بالأسماء.
الجواب من البصريّين: ليس جموده لأنه اسم، ولكنه فعل سلب التصرّف لأمرين، أحدهما: أنّ واضعى اللغة لمّا لم يصوغوا للتعجّب حرفا يدلّ عليه، جعلوا له صيغة لا تختلف؛ ليكون ذلك أمارة للمعنى الذى حاولوه، فيدلّ لفظه بلزومه وجها واحدا أنه تضمّن معنى ليس له فى أصله، فلمّا دخل معنى التعجّب على لفظ، متى زال عن هيأته زال المعنى المراد به، وجب أن لا يعدلوا إلى لفظ آخر.
والثانى: أنه إنما لم يصرّف؛ لأن المضارع يحتمل زمانين: الحاضر والمستقبل، وإنما يتعجّب فى الأغلب مما هو موجود ومشاهد، وقد يتعجّب ممّا مضى، ولا يكون التعجّب ممّا لم يقع، فكرهوا استعمال لفظ يحتمل الدلالة على الاستقبال؛ لئلاّ يصير اليقين شكّا، ولمّا كرهوا استعمال المضارع كانوا لاسم الفاعل أكره، لأنه لا يخصّ زمانا، فلذلك لم يقولوا: ما يحسن زيدا، ولا ما محسن زيدا، واستعملوا لفظ الماضى، والمعنى معنى الحال، لأن التعجّب معنى حادث عند رؤية شيء متعجّب منه، أو سماعه.
ويدلّك على أنه ماض فى اللفظ دون المعنى، أنه إذا أريد ما مضى قيل: ما كان أحسن زيدا! فلولا أنه حال فى المعنى لما دخلت «كان» حين أريد المضىّ، فلهاتين العلّتين سلبوه التصرّف، وليس عدم التصرّف بموجب له الاسميّة، بدليل أنّ «ليس وعسى» فعلان غير متصرّفين بإجماع، فعدم التصرّف فى الفعل لعلّة أوجبت له ذلك لا يدخله فى حيّز الاسم.
الجواب من الفرّاء وأصحابه: إنّ «ليس وعسى» لم ينضمّ إلى سلب تصرّفهما
مجىء التصغير فيهما، كما جاء التصغير فى هذه الكلمة، مجيئا مستفيضا فى الشّعر وفى سعة الكلام، كقوله:
يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنامن هاؤليّائكنّ الضّال والسّمر
وإذا كان التصغير قد اتّسع فى هذه اللفظة، مع ما لزمها من الجمود، /والتصغير من خواصّ الاسم، فليس إلاّ الحكم بأنها اسم، إذ كان قولهم:
يا ما أميلح غزلانا، مع امتناعهم أن يقولوا: ليس وعسيّ، دليلا نافيا عنه الفعليّة، وقاطعا له بالاسميّة.
الجواب من البصريّين: أن التصغير يدخل الأسماء للتحقير، في نحو: رجيل ومريئة، وللتقليل، وذلك فى الجموع نحو: دريهمات وأجيمال، وللتقريب، وذلك في الظّروف من نحو: قبيل المغرب، وبعيد الظهر، ودوين الوادى، ومن نحو قوله:
بضاف فويق الأرض ليس بأعزل
ويدخل للحنوّ والتعطّف، كقول النبيّ ﷺ: «أصيحابى أصيحابى» ومنه قول أبى زبيد الطائىّ:
يا ابن أمّى ويا شقيّق نفسىأنت خلّيتنى لدهر كئود
ويدخل للتعظيم، كقول لبيد:
وكلّ أناس سوف تدخل بينهمدويهية تصفرّ منها الأنامل
يريد الموت، ولا داهية أعظم من الموت، ويدخل للتمدّح، كقول الحباب ابن المنذر الأنصارىّ يوم السّقيفة: «أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب».
وليس ضرب من هذه الضّروب إلاّ وهو يتناول الاسم معنى بتناوله إيّاه لفظا، والتصغير اللاحق فعل التعجّب إنما هو لفظيّ فقط، من حيث كان متوجّها فى المعنى إلى المصدر الذى دلّ عليه هذا الفعل بلفظه، من نحو الحسن والملاحة والظّرف، وكأنهم أرادوا تصغير المصدر لفظا، ولكنهم رفضوا ذكر المصدر مع هذا الفعل؛ كراهة أن يقولوا-وقد سلبوه التصرّف-: ما أحسن غزالك حسنا، وما أملحه ملاحة، وما أظرف غلامك ظرفا، لأن الفعل إذا أزيل عن التصرّف لا يؤكّد، لأنه/قد خرج عن مذهب الأفعال، وأشبه بالجمود الحرف.
ولمّا كان الحسن والملاحة والظّرف مصادر الثلاثية، التى استؤنف منها للتعجّب أحسن وأملح وأظرف، وآثروا تصغير المصدر، صغّروا الفعل لفظا، ووجّهوا التصغير إلى المصدر معنى، وساغ تصغير المصدر بتصغير فعله؛ لأنّ الفعل
يقوم فى الذكر مقام مصدره، بشهادة أنه دلّ بلفظه عليه، فأضمر فى قوله تعالى:
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ﴾ ألا ترى أن «هو» ضمير البخل، وحسن عود الضمير إلى البخل، وإن لم يك مذكورا؛ لدلالة «يبخلون» عليه، وهذا كقوله: «من كذب كان شرّا له»، أى كان الكذب، ومثله قول الشاعر:
إذا نهى السّفيه جرى إليهوخالف والسّفيه إلى خلاف
يريد: جرى إلى السّفه، ونظائره في التنزيل كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ أى يرض الشكر، ولكان الإيمان.
فكما أن الضمير يعود إلى المصدر، وإن لم يجر ذكره، استغناء بذكر فعله، كذلك يتوجّه التصغير اللاحق لفظ الفعل إلى مصدره الذى ليس بمذكور، ونظير ذلك إضافتهم أسماء الزمان إلى الفعل. فى نحو: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ونحو:
على حين عاتبت المشيب على الصّبى
على أن الإضافة إلى الفعل مستحيلة؛ لأن الغرض بالإضافة أن تخصّص المضاف فى نحو قولك: راكب حمار، أو تعرّفه، كقولك: صاحب زيد، وقد
ينضمّ إلى كلّ واحد منهما الملكيّة، كقولك: دار امرأة، وفرس خالد، والفعل لا يعرّف ما يضاف إليه، ولا يخصّصه، لأنه فى أعلى مراتب التنكير، والملكيّة فيه تستحيل، وإنما سوّغ لهم إضافة اسم الزمان إلى الفعل أن المراد بإضافته إليه مصدره، من حيث كان ذكر الفعل ينوب مناب ذكر مصدره، فالتقدير: هذا/ يوم نفع الصادقين، وعلى حين معاتبة المشيب.
وخصّوا بهذه الإضافة اسم الزمان، لما بين الزمان والفعل من المناسبة، من حيث اتّفقا فى كونهما عرضين؛ ولأنّ الفعل بنى للزّمان، وأن الزّمان حادث عن حركات الفلك، كما أن الفعل حادث عن حركات الفاعلين، كالقتل يحدث عن حركة القاتل، وكالقراءة والإنشاد والغناء، يحدثن عن حركات اللّسان، فهذه الإضافة لفظيّة، كما أن التصغير اللاحق فعل التعجّب لفظيّ، فلا اعتداد به، كما أنه لا اعتداد بالإضافة إلى الفعل، وإذا كان التصغير إنما لحق هذا الفعل على سبيل العارية، بطل التعلّق به.
وعلى أن هذا التصغير اللفظيّ، لأصحابنا في دخوله فى قولهم: ما أفعله، قولان، أحدهما: أنه دخله حملا على باب أفعل، الذى للمفاضلة، لاشتراك اللفظين فى التفضيل والمبالغة، لأنك لا تقول: ما أكرم زيدا! وزيد فى أول مراتب الكرم، وإنما تقول ذلك عند بلوغه الغاية فى الكرم، كما تقول: زيد أكرم القوم، فتجمع بينه وبينهم فى الكرم، وتفضّله عليهم، فلحصول هذه المضارعة بينهما، جاز «يا ما أميلح غزلانا» كما تقول: غزالك أميلح الغزلان، ولهذه المناسبة بين هذين البابين، حملوا أفعل منك، وهو أفعل القوم، على قولهم: ما أفعله، فجاز فيهما ما جاز فيه، وامتنع منهما ما امتنع منه.
ألا ترى أنهم لم يقولوا من الألوان والعيوب الظاهرة: ما أفعله، نحو: ما أبيضه وما أحوله، وكذلك لم يقولوا: هو أبيض منك، ولا هو أحول القوم، وقالوا:
ما أنصع بياضه، وما أظهر حوله، وحملوا اللّفظين الآخرين عليه، فقالوا: هو أنصع
منك بياضا، وهو أظهر القوم حولا، وكذلك لم يقولوا: هو أحسن منك حسنا، فيؤكّدوه بالمصدر؛ لأنهم لم يقولوا: ما أحسن هندا حسنا، وأجمع/النحويّون أن «جلالة» من قول الشاعر:
أجلّ جلالة وأعزّ فقداوأقضى للحقوق وهم قعود
انتصابها على التمييز، وكذلك «لجاجا» فى قول الآخر:
ألجّ لجاجا من الخنفساءوأزهى إذا ما مشى من غراب
وإنما ساغ دخول التصغير فى هذه الألفاظ، وإن كانت موضوعة للتفضيل، والتصغير نقيض التفضيل؛ لأنهم يخصّون بذلك ما صغر ولطف، كغزال وتولب وفصيل وعجّول ومهر وصبىّ، كما خصّوا هذا القبيل بويس، تقول: ما أحيسن هذا الطّفل، وما أميلح هذا الخشف، كما قال أبو الطيّب، وقد استحسن عين باز:
ألا ما أحيسنها مقلةولولا الملاحة لم أعجب
فهذا [هو] الذى جوّز دخول التصغير فى هذين البابين.
والقول الثانى لأصحابنا: أن التصغير حسن لحاقه لفعل التعجّب، من حيث ألزم التعجّب طريقة واحدة، فأشبه فعله بذلك الأسماء، فدخله بعض
أحكامها، وحمل الشىء على الشىء فى بعض الأحكام لا يوجب خروجه عن أصله، ألا ترى أن اسم الفاعل محمول على الفعل فى العمل، ولم يخرجه ذلك عن كونه اسما، وكذلك الفعل المضارع أعرب لمضارعته الأسماء، ولم يخرجه إعرابه عن كونه فعلا، وكذلك تصغيرهم فعل التعجّب تشبيها بالاسم، لا يجتذبه إلى الاسمية.
جواب الكوفيّين: قالوا: إذا كنتم تزعمون أن أفعل فى التعجّب لمّا لزم طريقة واحدة فضارع بذلك الاسم، لحقه التصغير، ألزمناكم أن تصغّروا ليس وعسى، لأنهما لزما لفظ المضيّ، فلم يأت لهما مضارع ولا اسم فاعل، ولا اسم مفعول، /وإذا كانوا قد امتنعوا أن يقولوا: ليس وعسيّ، مع قولهم: يا ما أميلح غزلانا، كان قولكم إنّ تصغيره للزومه وجها واحدا مردودا عليكم، وإلاّ فما الفرق بينه وبين ليس وعسى، وحكمه فيما ذكرناه كحكمهما؟
فإن أخلدتم إلى القول الآخر، فقلتم: إنه انضمّ إلى جموده حمله على نظيره، الذى هو أفعل القوم، فجاز فيه التصغير، وليس وعسى، لا نظير لهما من الأسماء يحملان عليه، كما حمل ما أحيسنهم، على قولهم: هو أحيسنهم، فأنتم من مذهبكم أنّ «نعم وبئس» فعلان غير متصرّفين، ومعلوم أنهما للمبالغة فى المدح والذمّ، كما أن التعجّب موضوع للمبالغة فى هذين، فنعم الرجل زيد فى باب المدح مثل ما أكرم زيدا، وبئس الغلام بكر فى باب الذم مثل ما ألأم بكرا، فقد جريا مجراه من وجهين: عدم التصرّف، وأنهما غاية فى المدح والذم، فهلاّ صغّرا كما صغّر.
وأوكد من هذا أنّ مثال أفعل به، كقولك: أكرم به، كلام وضع للتعجّب، فنزّل منزلة ما أفعله فى المعنى، فساغ فيه ما ساغ فى ما أفعله، وامتنع منه ما امتنع منه، وقد وقع الإجماع على أن أفعل فعل مسلوب التصرّف، وهو مضارع لباب أفعل منك، فهلاّ صغّر، كما صغّر أفعل، فى ما أفعله، وهل منع من تصغيره إلاّ كونه فعلا، وهل سوّغ تصغير المثال الآخر إلاّ كونه اسما؟
فإن قلتم: إن لفظ أفعل به، لفظ الأمر، فهو مواز له فى زنته وسكون
آخره، والأمر مخصوص به الفعل، فروعى لفظه، فلم يسغ فيه التصغير، كما ساغ فى أفعل.
فليس ما قلتموه بمقبول، وذلك أنه قد جاء الأمر بالاسم، من نحو: صه وإيه، و ﴿هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ ودونك زيدا، و:
تراكها من إبل تراكها
وقد جاء فى هذا القبيل ما أريد به الأمر وهو مصغّر، وذلك رويد زيدا: أى أمهله.
وإذا ثبت هذا، ووجدنا التصغير لحق أفعل، دون أفعل، فليس ذلك إلاّ لأنّ/أفعل اسم، ويؤيّد ما ذهبنا إليه تصحيح عينه فى نحو: ما أقومه، وما أبيعه، كما صحّت العين فى الاسم، من نحو: هو أقوم منك، وأنت أبيع منه، فلو أنه فعل كما زعمتم، أعلّت عينه بقلبها ألفا، كما قلبت فى الفعل، من نحو قام وباع، وأقام وأباع، فى قولهم: أباع الشىء، إذا عرّضه للبيع، وإذا كان قد أجرى مجرى الأسماء فى التصحيح، مع ما دخله من الجمود والتصغير، وجب القطع بأنه اسم.
الجواب: أجاب البصريّون عن هذه الإلزامات، وعقّبوا ذلك احتجاجا، فقالوا: أمّا اعتراضكم بليس وعسى، فقد كفيتمونا مئونة الجواب عنه، وسقطت الكلفة فى ذلك؛ بأنهما لا نظير لهما فى الأسماء يحملان عليه، كما حمل ما أفعله على أفعل الذى للمفاضلة، غير أننا لا نقنع بهذا الجواب، بل نطرح حمل أفعل التعجّبيّ على نظيره جانبا.
فنقول: إنّ ليس وعسى، وإن كانا قد شركا فعل التعجّب فى الجمود، فإنهما قد بايناه بشيئين بعداهما من الاسم:
أحدهما: أنهما يرفعان الظاهر والمضمر، كما ترفعهما الأفعال على تصاريفها، وأفعل فى التعجّب مخالف بابه، بأنه مقصور على رفع الضمير دون الظاهر، فقرب بهذه المخالفة من الاسم الجامد.
والثانى: أنّ ليس وعسى وصلا بضمائر المتكلّمين والمخاطبين والغائبين، من نحو لست ولست وليسوا، وعسيت وعسيت وعسوا، وألزم هذا الفعل ضمير الغيبة، فلم يتعدّه، فلما تصرّفا فى الاتصال بضمائر الأفعال الماضية هذا التصرّف، ولم يختصّا برفع المضمر دون الظاهر، وألزم فى الإضمار وجها واحدا، وهو رفع ضمير الغيبة خاصّة، كان جديرا أن يجرى عليه حكم من أحكام الأسماء دونهما، فلذلك لحقه التصغير، وعلى أنه لما صغّر لفظا توجّه التصغير فى المعنى إلى مصدر من لفظه/فقام تصغيره مقام تصغير مصدره، وليس وعسى لا مصدر لهما يلفظ به فيتنزّل اللفظ بهما منزلة اللفظ به.
وأمّا إلزامكم إيّانا تصغير نعم وبئس، بأنهما عندنا فعلان غير متصرّفين، وهما غاية فى المدح والذم، فكانا فى ذلك بمنزلة التعجّب، فهذا الإلزام مخاتلة منكم، ونحن نلزمكم أن تصغّروا نعم وبئس؛ لأنهما عندكم اسمان، كأفعل فى التعجّب، فهلاّ دخلهما التصغير كما دخله!
فإن قلتم: إنّ ذلك لم يسمع فيهما عن العرب.
قلنا كما قلتم، ثم فرّقنا بينهما وبين أفعل التعجّبيّ بأنهما، وإن كانا جامدين، أشبه منه بالأفعال المتصرّفة، من حيث اتّصل بهما الضمير على حدّ اتّصاله بالفعل المتصرّف، فيما رواه الكسائىّ، من قولهم: نعما رجلين، ونعموا رجالا، ورفعا مع ذلك الظاهر فى نحو: نعم الرجل، وبئس الغلام، والمضمر فى نحو: نعم رجلا زيد، وبئس غلاما أخوك، ثم إنهما اتصلا بتاء التأنيث الساكنة،
فى نحو: نعمت المرأة، وبئست الخصلة، كما تقول: قامت المرأة، وقبحت الخصلة، وهذا حكم لازم للأفعال الماضية، فلما قربا هذا القرب من الفعل المتصرّف بعدا من الاسم.
وأمّا ما ألزمتموناه من تصغير أفعل به، فليس بواجب، وذلك أن أفعل جاء على مثال الأسماء، من نحو أفكل وأجدل، وعلى مثال نظيره من الصّفات، كأكرم منك وأحسن، فلما اجتمع فيه إلى الجمود مجيئه على بناء الاسم، حسن تصغيره، وأمّا أفعل، فإنه لم يأت له مثال فى الأسماء إلاّ أصبع، لغة مرذولة فى الإصبع، وهى تلى فى الرّداءة إصبعا، بكسر الهمزة وضم الباء، وأشهر اللّغات فيها: إصبع، بكسر الهمزة وفتح الباء، ثم أصبع، بضم الهمزة وفتح الباء، ثم أصبع بضمّهما، ثم إصبع، بكسرهما، ثم أصبع بفتحهما، ثم أصبوع، بضمّ الهمزة، مثل أسلوب.
وإذا لم يأت/له مثال فى الأسماء إلاّ هذا الحرف الشاذّ باعده ذلك من الاسم جدّا، فلم يسغ فيه التصغير.
ألا ترى أن وزن الفعل الذى يغلب عليه أو يخصّه، أحد الأسباب المانعة للصّرف، فإذا كان الاسم يقرب من الفعل بمجيئه على بعض أبنيته حتى يكون ذلك علّة تمنعه التنوين والجرّ، فكذلك الفعل يبعد من الاسم لمخالفته له فى البناء، هذا مع أن لفظه لفظ الأمر.
وقولكم: إنّ الأمر غير مخصوص به الفعل، ليس بشىء، ولا اعتبار بما جاء من الأسماء مضمّنا معنى الأمر، من نحو هلمّ، ورويد، ونزال؛ لأنّها أسماء نابت مناب الأفعال، والغرض فى تسمية الأفعال بها الاختصار، لأنك تقول للواحد والواحدة فما فوق ذلك: رويد، وصه، ولا تتكلّف إبراز ضمير لمّا جاوزت إليه الواحد المذكّر، فى قولك: أمهلا واسكتا، وأمهلوا واسكتوا، وأمهلن واسكتن.
وأمّا احتجاجكم بصحّة العين فى نحو: ما أسيره وأطوله، فإنّ التصحيح حصل له من حيث حصل له التصغير، وذلك لحمله على باب أفعل، الذى للمفاضلة، فصحّح كما صحّح، ومن حيث غلب عليه شبه الأسماء، بإلزامه وجها واحدا، وليس الشّبه الغالب على الشىء بمخرجه عن أصله؛ ألا ترى أن الأسماء التى لا تنصرف لمّا غلب عليها شبه الفعل، لكونها ثوانى من جهتين، منعت التنوين والجرّ، كما منعهما الفعل، ولم يخرجها شبهها بالفعل عن أن تكون أسماء، وكذلك تصحيح العين فى نحو: ما أبيع زيدا، وما أجوله فى البلاد، حصل له من طريق قوّة المشابهة بينه وبين الاسم، وغير جائز أن يحكم له بالاسميّة لحصول ذلك فيه، على أن تصحيحه غير مستنكر، لأنه قد وردت أفعال متصرّفة مصحّحة، كقولهم: أغيلت المرأة تغيل، إذا سقت ولدها/الغيل، وأغيمت السماء تغيم، واستنوق الجمل يستنوق، واستتيست الشاة تستتيس، إذا غلب عليها شبه التّيس، واستحوذ يستحوذ، وفى التنزيل: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ و ﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ وقالوا: أجودت وأطيبت وأطولت، قال:
صددت فأطولت الصّدود وقلّماوصال على طول الصّدود يدوم
وقالوا من العويل: أعول يعول، وإنما جعلوا التصحيح فى هذه الأفعال منبهة على الأصل، وإذا كان التصحيح قد جاء فى الفعل المتصرّف مع بعده من الاسم، فما ظنّك بما أزيل عن التصرّف.
فإن قلتم: إن التصحيح جاء فى هذه الأفعال شاذّا، وتصحيح أفعل فى التعجّب قياسىّ مطّرد.
قلنا: قد جاء التصحيح فى الفعل المتصرّف على غير سبيل الشّذوذ، وذلك كتصحيح عور وحول وصيد، حملا على اعورّ واحولّ واصيدّ، وقد قالوا:
اجتوروا، واعتوروا، حملا على تجاوروا، وتعاوروا، وكذلك حمل ما أطوله وما أسيره، على قولنا: هو أطول منك، وأسير منّى.
وبعد، فلا ينبغى لكم أن تحكموا له بالاسميّة لتصحيحه، لأن أفعل به، قد ورد التصحيح فيه مع الإجماع على أنه فعل، فلم يخرجه قولهم: أبيع به وأطول به، عن كونه فعلا، فكذلك التصحيح فى ما أفعله، لا يخرجه عن الفعليّة.
ومما يبطل ما ذهبتم إليه أنه إذا وصل بياء الضمير صحبتها النون المسمّاة وقاية، كقولك: ما أفرحنى وما أتعبنى، وهذه النون لا تصحب ياء الضّمير إلاّ إذا اتّصلت بالفعل، من نحو أكرمنى ويكرمنى، أو بما شابه الفعل من الحروف من نحو: ليتنى وكأنّنى، ولم يقولوا فى الاسم: غلامنى، ولا فى الصفة: مكرمنى، وإنما اتصلت هذه النون بآخر الفعل لتقى آخره الكسرة، إذ كانت ياء المتكلم تقتضى كسر ما/قبلها، ولمّا منعوا الفعل كسرة الإعراب كانوا أحرى أن يمنعوه كسرة البناء، فاجتلبوا له هذه النون؛ لتكون محلاّ للكسرة، فلو لم يكن أفعل فى التعجّب فعلا لمّا نزّل منزلة الأفعال؛ لاتّصال هذه النون به.
جواب الفرّاء وأصحابه: أمّا قولكم إنّ ليس وعسى من موانع تصغيرهما أنه لا مصدر لهما، يتنزّل تصغيرهما تصغيره، وأفعل فى التعجّب ساغ تصغيره لأنه دالّ
بلفظه على مصدر، فقام تصغيره مقام تصغير مصدره، فغير صحيح؛ لأن أفعل فى ما أفعله إن كان فعلا كما تزعمون، فإنه لم يأت له مصدر، كما لم يأت لليس وعسى مصدر، وليس الإحسان والإكرام والإفضال مصادر ما أحسنه وما أكرمه وما أفضله، بدليل أننا نقول: ما أظرفه، وما أملحه، وما أشكره لك، ولا تجد فى كلامهم الإظراف والإملاح والإشكار، فقد وجّهتم التصغير إذا إلى مصدر فعل آخر، وإنما اعتمادكم فى تصغيره على أن التصغير فى المعنى لمصدره، وإذا كان التصغير متوجّها إلى مصدر ليس هو فى الحقيقة له، فسد أكثر ما عوّلتم عليه.
وأمّا احتجاجكم بنون الوقاية فى: ما أفعلنى، فقد وجدنا من الأسماء ما اتّصلت به هذه النون، فيجوز أن يحمل أفعل فى التعجّب عليه، ولا نجعل اتصاله بها مدخلا لها فى حيّز الأفعال، وذلك قولهم: قدنى وقطنى، أى حسبى، قال:
امتلأ الحوض وقال قطنىسلاّ رويدا قد ملأت بطنى
فقد كسر هذا ما نصصتم عليه من أن هذه النون مقصورة على الأفعال دون الأسماء.
جواب البصريّين، يعقبه احتجاجان: إن كان أفعل فى نحو: ما أظرف زيدا، وما أملح غزالك، وما أشكر زيدا لك، لا مصدر له، على ما يقتضيه القياس من مجىء/مصدره على إفعال، فإن أظرف وأملح وأشكر مبنيّات من ظرف وملح وشكر، فالجميع مأخوذ من الظّرف والملاحة والشّكر، والمصادر تقع فى مواضع المصادر، كوقوع السّراح فى موضع التسريح، فى قوله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ ووقوع التّبتيل فى موضع التّبتّل، فى قوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ﴾
﴿تَبْتِيلاً﴾ وعلى هذا نقول: اجتوروا تجاورا، فينوب التّجاور مناب الاجتوار، لأن اجتوروا وتجاوروا بمعنى واحد، وقال القطامىّ:
وخير الأمر ما استقبلت منهوليس بأن تتبّعه اتّباعا
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً﴾ وقال رؤبة:
*وقد تطوّيت انطواء الحضب
فوضع الانطواء موضع التّطوّى، كما وضع الآخر الاتّباع موضع التّتبّع، لأنّ تتبّعت واتّبعت واحد، كما أنّ تطوّيت وانطويت بمعنى، وقال تعالى: «أن يصالحا بينهما صلحا».
فعلى هذه القضيّة توجّه تصغير أملح إلى الملاحة، لأنّ قولك: ما أميلح غزالك معناه: ملح غزالك جدّا، وهذا أسهل من وقوع المصدر عند قوم منّا ومنكم موضع المصدر؛ لاتفاقهما فى المعنى، وليسا من لفظ واحد، كقولهم: إنّى
لأبغضه شناءة، وإنّى لأشنؤه بغضا، ودعه تركا رفيقا، و ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ وتبسّم وميض البرق، ومنه ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً﴾ على قول الخليل، قال: يقال فرس ضابح وضابع، إذا كان كثير الجرى، ومنه أيضا:
يعجبه السّخون والبرودوالتّمر حبّا ما له مزيد
وقد جاء ما هو أشدّ من هذا، وهو إعمالهم ما ليس بواقع على الحدث عمل اسم الحدث، لاتفاقهما فى اللفظ، وإن كانا متباينين فى المعنى، وذلك استعمال العطاء موضع الإعطاء فى قوله:
/أكفرا بعد ردّ الموت عنّىوبعد عطائك المائة الرّتاعا
وقستم عليه أيّها الكوفيّون: عجبت من دهنك الشّعر، بضم الدال، فأجزتم ذلك فى سعة الكلام، فإذا كنتم قد حملتم الدّهن على الدّهن فى العمل، لاتفاق اللفظ مع اختلاف المعنى، فما الذى أنكرتم من حمل أملح فى التصغير على الملاحة، مع اتفاقهما لفظا ومعنى؟
وأمّا معارضتكم بقدنى، فهذه اللفظة من الشاذّ الذى لا معرّج عليه،
ولا ملتفت إليه، فهى فى الشّذوذ مثل منى وعنى، وإنما حسن اتصال هذه النون بقد وقط؛ لأنك تقول: قدك من كذا وقطك، أى اكتف، فتأمر بها كما تأمر بالفعل، وإذا كانت من قبيل الشّذوذ، فلا يسوغ أن يحمل المستفيض الشائع على الفذّ النادر، وقد قالوا مع هذا: قدى وقطى، قال نابغة بنى ذبيان:
قالت ألا ليتما هذا الحمام لناإلى حمامتنا ونصفّه فقد
وقال آخر فجمع بين اللّغتين:
قدنى من نصر الخبيبين قدىليس الإمام بالشّحيح الملحد
فهل يمكنكم أن تأثروا عن عربىّ أنه يقول: ما أفرحى، كما قالوا: قدى؟ ولعمرى إن ذلك غير ممكن، فهذا دليل على بطلان ما ذهبتم إليه، وفساد ما عوّلتم عليه.
ومن أدلة مذهبنا أننا وجدنا أفعل التعجّبيّ ينصب المعارف والنكرات، ووجدنا أفعل الوصفىّ، كقولك: زيد أكثر منك علما، وأنجب غلاما، لا ينصب إلا النّكرات خاصّة على التمييز، أو على التشبيه بالمفعول، فلو كان أفعل فى قولنا:
ما أفعله اسما كما تزعمون، لم ينصب المعارف، ألا ترى أنه لا يجوز: زيد أكثر منك العلم، ولا زيد أعقل منك الغلام، كما يجوز: ما أكثر العلم فيهم، وما أنجب الغلام منهم، وإذ قد ثبت هذا فى أفعل التعجّبيّ، فهو فعل لا محالة.
/ومن أدلّتنا أننا وجدناه مفتوح الآخر، فلولا أنه فعل ماض، لم يكن لبنائه على الفتح وجه، إذ لو كان اسما لارتفع، من حيث وقع خبرا ل «ما» عند الفريقين، إلا الأخفش، و «ما» فى موضع رفع بإجماع، فلو كان اسما لكان خبرا مفردا، ووجب حينئذ رفعه، فلزوم الفتح لآخره يدلّ على أنه فعل ماض، وهو مع فاعله المستتر فيه جملة فى موضع رفع، لوقوعها خبرا للمبتدإ.
جواب الفرّاء وأصحابه، قالوا: قد نصصتم على أن أفعل الوصفىّ لا ينصب إلاّ النكرة خاصّة، وقد وجدنا العرب أعملته فى المعرفة، وورد ذلك فى أشعارهم كقول الحارث بن ظالم:
فما قومى بثعلبة بن سعدولا بفزارة الشّعر الرّقابا
نصب الرّقاب بالشّعر، والشّعر جمع أشعر، ولا شبهة أن الجمع أضعف فى باب العمل من واحده؛ لأن التكسير يباعده من شبه الفعل، لاستحالة التكسير فى الفعل، وإذا بعد من الفعل بعد من العمل، فنصب الشّعر للرّقاب يفسد ما استدللتم به.
وقال النابغة الذبياني:
ونأخذ بعده بذناب عيشأجبّ الظّهر ليس له سنام
وقال آخر:
ولقد أغتدى وما صقع الدّيك على أدهم أجشّ الصّهيلا
فنصب الصّهيلا بأجشّ، كما نصب النابغة الظّهر بأجبّ.
وأمّا ما احتججتم به من فتح آخره، فليس بحجّة، لأن التعجّب أصله الاستفهام، ففتح آخر أفعل للفرق بين المعنيين، فقولنا: ما أحسن عبد الله! أصله: ما أحسن عبد الله؟ فعدلوا عن الاستفهام إلى التعجّب، فغيّروا أحسن، بفتح آخره، ونصبوا عبد الله، ليفصلوا بين الاستفهام والخبر، هذا لفظ قول الفراء.
/قالوا: ولنا قول آخر، وهو أن يحمل أفعل على أنه اسم بنى فى التعجّب لتضمّنه معنى حرفه؛ لأن التعجّب كان ينبغى أن يجيء له حرف، كما جاء فى الاستفهام والشرط، والنفى والأمر والنهى، والتمنّى والترجّى، والتعريف والتشبيه، والنداء والعطف، والاستثناء والتحضيض؛ وغير ذلك، حروف أدّت المعانى المقصودة والأغراض المطلوبة؛ إلاّ أنهم لم ينطقوا بحرف التعجّب، ولكنّهم ضمّنوا معناه هذا الكلام، فعقل به المعنى الذى كان يؤدّيه الحرف لو نطق به، ونظير ذلك قولكم فى أسماء الإشارة: إنها بنيت لتضمّنها معنى حرف الإشارة، وإن لم ينطق للإشارة بحرف.
أو نقول: إنهم صاغوا للتعجّب حرفا يدلّ عليه، ثم رفضوه، وضمّنوا أفعل معناه، فلما ناب عن الحرف الذي به كان يستفاد التعجّب استحقّ البناء.
الجواب: أمّا بيت الحارث بن ظالم، فقد روى: «الشّعر الرّقابا» كما أوردتم، وروى: «الشّعرى رقابا» ونحن وإن لم ندفع الرّواية الأولى، فالثانية عندنا أوجه؛ لأنها
أجرى على سنن الاستقامة فى الإعراب، وإذا سلّمنا ما اعترضتم به، فإنه مع وفاقنا عليه لا حجّة لكم فيه؛ لأنه من باب: الحسن الوجه، والحسان الوجوه، وقد قالوا: الحسن الوجه؛ بنصب الوجه، تشبيها بالضارب الرّجل، كما قالوا: الضارب الرجل، بخفض الرجل، تشبيها بالحسن الوجه، وهذا تشبيه لفظىّ، لأنهما فى المعنى متباينان، من حيث كان الوجه فاعلا من طريق المعنى، لأن الحسن له، والرجل مفعول به، لوقوع الضّرب عليه، فما أبعد ما بينهما، إلاّ أن التشبيه يكون تارة لفظيّا وتارة معنويّا.
فليس ما عارضتم به من هذا بمؤثّر فيما احتججنا به، من جهة أن صواب الإعراب خفض الرّقاب من قوله: «الشّعر الرقاب» لأن الإضافة هى الباب فى هذا النوع، إذا كان فى الثانى الألف واللام.
فإن كان/أفعل التعجّبيّ اسما كما زعمتم، فقولوا: ما أكرم الرّجل، بخفض الرجل، وإلاّ فما اعترضتم به ليس بشىء يلجأ إليه.
وأمّا روايتكم قول النابغة: «أجبّ الظّهر» بفتحهما، فقد روى: «أجبّ الظّهر» بخفضهما، وروى: «أجبّ الظّهر» بنصب «أجبّ» ورفع «الظّهر» فالخفض فيهما هو القياس، ومن نصب «الظّهر» قدّر فيه زيادة الألف واللام، ونصبه على التمييز، وهذا مذهبكم فى باب حسن الوجه، ونحن نرى أنه مشبّه بالمفعول.
ومن رفع «الظهر» جعله فاعلا، والتقدير عندنا: أجبّ الظّهر منه، وعندكم أن الألف واللام قامتا مقام العائد، وإذا كان الخفض هو الوجه، والرفع قد روى، فلا دليل لكم إذن فى هذا البيت.
وكذلك قوله: «أجشّ الصّهيلا» الوجه خفض «الصهيل» ولكنه نصبه على التشبيه بالمفعول، أو جعله مميّزا، على أن الألف واللام فيه زيادة، فهو على مذهبكم
نكرة، فكيف يجوز أن تجعلوه لكم دليلا؟ ثم يمكن أن ينشد «أجشّ صهيلا» على طريق الزّحاف، أو أجشّ صهيلا» بالتنوين، فيستقيم وزنا وإعرابا.
وهبوا أنّنا سلّمنا لكم صحّة الإعراب بالنصب فى هذه الأبيات، وأجريناها فى ذلك مجرى ما أكرم الرّجل، فهل تقدرون أن توجدونا أفعل وصفيّا نصب مضمرا أو علما أو اسما من أسماء الإشارة؟
وإذا كان هذا غير ممكن، ووجدنا أفعل فى التعجّب يعمل فى جميع ضروب المعارف، دلّ ذلك على استحالة الاسميّة فيه، وبطل ما لجأتم إليه.
فأمّا قول الفرّاء إنّ أصل ما أحسن عبد الله: ما أحسن عبد الله؟ ففتحوا «أحسن»، ونصبوا «عبد الله» فرقا بين الاستفهام والخبر، فقول لا يقوم عليه برهان إلاّ بوحي من الله ﷿، مع أن الفساد يعتوره، وإذا علم أنه دعوى لا يمكن إقامة الدليل عليها، وجب أن لا نتشاغل بالجواب عنه، غير أننا نبيّن فساده بما قدّمناه/من الحجاج.
فنقول له: بم نصبت «أحسن» وهو مفرد فى محلّ الرفع؟ وبم نصبت «عبد الله» وهو فى محلّ الخفض؟ فجوابه أن يعود إلى ما بدأ به، فيقول: للفرق بين الاستفهام والتعجّب، فنقول له: التفريق بين المعانى لا يوجب إزالة الإعراب عن وجهه، فينصب اسما مرفوعا وآخر مجرورا، فيكون هو نفسه العامل فيهما النّصب، [وعلى أنه يفسد] من وجه آخر، وهو أن التعجّب إخبار، بدلالة دخول الصّدق والكذب فيه، فالاستفهام مباين له، فلا يصحّ أن يكون أصلا له، ولأننا إذا قلنا:
ما أحسن عبد الله، فالتعجّب وقع من جملته، وإذا قلنا: ما أحسن عبد الله؟ فالاستفهام عن بعضه.
فأمّا القول الآخر، وهو تجويزهم أن يكون بنى لتضمّنه معنى حرف
التعجّب، وإن لم تنطق العرب للتعجّب بحرف، فلعمرى إنه كان ينبغى أن يصاغ له حرف كما صيغ لغيره من المعانى حروف، أدّى كلّ حرف منها المعنى الذى جاء له، ولكنهم لمّا لم يفعلوا ذلك ضمّنوا «ما» معنى حرفه، فبنوها، كما ضمّنوا «ما» الاستفهامية معنى الهمزة الاستفهامية، وضمّنوا «ما» الشرطية معنى «إن» التى وضعت للشرط، فبنوهما، ولم يكن للكلم الواقعة بعدهما علقة بالبناء، فكذلك ما بعد «ما» التعجبيّة لا يكون له علقة بالبناء.
فبان بذلك أنه فعل ماض، واستحال قول من زعم أنه اسم. وبالله التوفيق.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع