من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس السابع والخمسون /يتضمّن ذكر ما عدل عن مثال إلى مثال [للمبالغة
] وذكر ما يتّصل بذلك.
إذا أرادوا المبالغة فى الوصف، عدلوا عن بناء إلى بناء أدلّ على المبالغة من الأول، وذلك على ضربين: ضرب استعملوه فى الخبر، وضرب اختصّوا به النّداء.
فعدولهم فى الخبر كعدولهم عن فاعل إلى فعيل، فى قولهم: رحيم وقدير وسميع وخبير وعليم.
وعدولهم عن مفعل إلى فعيل، فى قولهم: بصير، وفى قولهم: سميع، من قول عمرو بن معد يكرب:
أمن ريحانة الدّاعى السّميعيؤرّقنى وأصحابى هجوع
معناه الداعى المسمع.
وعدلوا عن فاعل إلى فعلان، فى قولهم: الرحمن، فالرحمن أبلغ فى الوصف
بالرّحمة من الرّحيم، والرّحيم أبلغ من الراحم، فلشدّة المبالغة فى الرّحمة اختصّ بالرحمن القديم تعالى.
ومن ذلك فعول وفعّال، عدلوا إليهما عن فاعل، فى قولهم: غفور وشكور وصبور وضروب، وضرّاب وقتّال وصبّار، كما جاء فى التنزيل: ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ومثله: ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾.
وقال أبو طالب بن عبد المطلب، فى مدح النبىّ ﵌:
ضروب بنصل السّيف سوق سمانهاإذا عدموا زادا فإنّك عاقر
ومن ذلك مفعال، كقولهم: مطعان ومطعام، فمطعان معدول عن فاعل، ومطعام عن مفعل، وقالوا: امرأة ميلاد وولود، إذا وصفوها بكثرة الولاد.
ومن ذلك فعل، كفهم وأشر وحذر، والأشر: البطر، وفى التنزيل:
﴿كَذّابٌ أَشِرٌ﴾ قرن فعلا/بفعّال، وأنشد سيبويه:
حذر أمورا لا تضير وآمنما ليس منجيه من الأقدار
وممّا اختصّ بالنداء عدولهم عن فاعل وفعيل إلى مفعلان، كقولهم:
يا مكذبان ويا مخبثان ويا ملأمان، يريدون: يا كاذب ويا خبيث ويا لئيم، بالغوا فى وصفه بالكذب والخبث واللّؤم، وقالوا: يا مكرمان، فبالغوا فى وصفه بالكرم.
ومن الأمثلة التى عدلوا إليها فى النّداء: فعل وفعال، كقولهم للرجل: يا فسق ويا خبث ويا غدر ويا لكع، وللمرأة: يا فساق ويا خباث ويا غدار ويا لكاع، ولا يكادون يستعملون شيئا من هذين الضّربين فى غير النداء، إلاّ على سبيل الشذوذ، كقوله:
أطوّف ما أطوّف ثم آوىإلى بيت قعيدته لكاع
وقولهم: يا لكع، معناه: يا لئيم، يقال: لكع الرجل لكاعة، إذا لؤم، وقولهم: بنو اللّكيعة، قيل: اشتقاق هذه اللفظة من اللّكع، وهو الوسخ، وقال رجل للحسن البصرىّ: يا با سعيد، إنّ العامّة تزعم أنك تبغض عليّا، فأكبّ يبكى طويلا، ثم رفع رأسه وقال: والله لقد فارقكم بالأمس رجل كان سهما من مرامى الله على أعدائه، ربّانيّ هذه الأمة، ذو شرفها وفضلها، وذو قرابة من رسول الله ﷺ قريبة، لم يكن بالنّومة عن حقّ الله، ولا بالغافل عن أمر الله، ولا بالسّروقة من مال الله، أعطى القرآن عزائمه في ما له وعليه، فأشرف منها على رياض مونقة، وأعلام بيّنة. ذلك علىّ بن أبى طالب يا لكع.
قوله: «مونقة» حسنة معجبة.
وجملة الأمر أنّ كلّ واحد من مثالى فعل وفعال ينقسم إلى ثمانية أقسام:
أمّا فعل فيكون اسم جنس، كجرذ ونغر وصرد.
ويكون جمعا كغرف وظلم/وحجر.
ويكون مصدرا، كهدى وتقى وسرى.
ويكون صفة كحطم، فى قوله:
قد لفّها اللّيل بسوّاق حطم
ولبد، فى قوله تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً﴾ اللّبد: الكثير.
والسّواق الحطم: الذى يحطم من شدّة سوقه ما يسوقه، والحطم:
الكسر.
والصّرد: طائر، وكذلك النّغر طائر أصغر من العصفور.
وكان فى حجر أمّ سليم يتيم يكنى أبا عمير، فدخل رسول الله ﵌ يوما عليها فوجده يبكى، فقال: ما باله؟ فقالت: يا رسول الله، طار نغره، فقال ﵇ يداعبه: «يا أبا عمير، ذهب النّغير».
فهذه الأقسام الأربعة مصروفة، والأربعة الأخر معدولة.
فالأول: العلم المعدول عن فاعل، كعمر، وقثم وزحل، عدلوا عمر عن عامر، وقثم عن قاثم، وزحل عن زاحل، فقثم من القثم، وهو الإعطاء، يقال:
قثم له من ماله.
ويقال: زحل عن المكان فهو زاحل، إذا تنحّى عنه متباطئا.
والقسم الثانى: فعل المعدول عن أفعل من كذا، وهو أخر، فأخر جمع أخرى فى قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ وفى قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ الأصل: من أيّام أخرى، كما قال: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ فأخر معدولة عن آخر من كذا.
ومعنى قولنا: معدولة عن آخر من كذا: أنّ قولك: جاءنى الهندات ونساء أخر، أصله: ونساء آخر منهنّ، كما تقول: جاء الهندات ونساء أفضل منهنّ، لأن الآخر، والأخرى من باب الأفضل والفضلى، والأكبر والكبرى، ولكنه شذّ عن نظائره، فعرّى من الألف واللام، ومن «من».
والقسم الثالث: فعل، فى قولهم: جاء النساء جمع كتع بصع، فجمع معدولة عن جمع، فى قول أبى عثمان المازنىّ؛ لأنه جعل أجمع وجمعاء، من باب أحمر وحمراء، وهذا الباب قياس جمعه: فعل، كحمر وصفر، فعدلوا على قول أبى عثمان جمع المفتوح/العين عن جمع الساكنة عينه.
وخالفه النحويّون فى هذا القول، لمخالفة أجمع لباب أحمر، من حيث قالوا: أجمعون، ولم يقولوا: أحمرون، لم يجمعوه بالواو والنون، كما لم يجمعوا مؤنّثه بالألف والتاء، فجمعاء عندهم كصحراء، فجمعها فى القياس جماعى،
كصحارى، فجمع إذا معدولة [عن] جماعى، وإن لم ينطقوا بجماعى.
ولو أنهم قالوا فى جمع جمعاء: جمعاوات، كان قياسا كصحراوات.
فإن قيل: فما العلّة التى انضمّت إلى العدل فى جمع، حتى امتنع من الصرف؟
قيل: هى التّعريف.
فإن قيل: وما وجه التعريف فيه، وليس بعلم ولا مضمر ولا اسم إشارة؟
فالجواب: أن هذه الألفاظ الموضوعة للتوكيد، حقّها الإضافة إلى ضمير غيبة، كالكلّ والنّفس والعين، فى قولك: جاء القوم كلّهم، وجاء زيد نفسه وعينه، وكذلك قولهم: جاء الجيش أجمع، إضافة «أجمع» إلى الضمير مرادة، وكذلك:
جاء القوم أجمعون، وجاءت القبيلة جمعاء، وجاء النساء جمع، التقدير: جاء الجيش أجمعه، والقوم أجمعوهم، والقبيلة جمعاؤها، والنساء جمعهنّ، فحذف المضاف إليه، وبقى التعريف فيهنّ لتقدير إضافتهن إلى الضمير، كما حذف الضمير من كلّ فى قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ التقدير: وكلّهم، كما قال:
﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾.
ولإرادة التعريف فيهنّ بتقدير إضافتهنّ إلى الضمير أتبعن المعارف دون النكرات، فلا يجوز: جاء جيش أجمع، ولا قبيلة جمعاء، ولا قوم أجمعون، ولا نساء جمع، فأجمع على هذا حكمه حكم أحمد، ولم ينصرف للتعريف والوزن، وجمعاء كعفراء: اسم امرأة، ولو لم يكن فيها غير همزة التأنيث لامتنعت من
الصّرف؛ لأن التأنيث بالهمزة علّة تقوم مقام علّتين، لكونه تأنيثا لازما، فلزومه يقوم مقام علّة أخرى.
فأما كتع بصع فحكمهما حكم جمع فى تقدير العدل فيهما/وتقدير الإضافة إلى الضمير، فمن النحويّين من قال: إن المراد بهما شدّة التوكيد، فهما تابعان غير مشتقّين، ومنهم من قال: إنّ كتع مأخوذ من قولهم: كتع فلان فى أمره: إذا شمّر فيه، وبصع مأخوذ من قولهم: بصع الماء، إذا سال، وتبصّع عرقه، وقد روى: بضع عرقه وتبضّع، بالضاد المعجمة.
والقسم الرابع من [هذه] الأقسام المعدولة: فعل، المختصّ بالنداء، كقولهم: يا فسق ويا غدر ويا خبث، فهذا مبنىّ معرفة؛ لأنه منادى قصد قصده، فلذلك تقول: يا فسق الخبيث.
وفعال حكمه حكم فعل، فى الانقسام إلى ثمانية أقسام، الأول: كونه اسما مفردا مذكّرا، كغزال وفدان، ومفردا مؤنّثا، كعناق وأتان.
والثانى: كونه وصفا لمذكّر، كجواد وجبان، ولمؤنّث كحصان ورزان.
والثالث: كونه مصدرا، كذهاب وضمان.
والرابع: كونه جمعا، كجراد وبنان وسحاب، وفى التنزيل:
﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾.
فهذه الأربعة معربة مصروفة، كما ترى، والأربعة الباقية معدولة مبنيّة، لا خلاف فى بنائهنّ، إلاّ فى القسم الرابع، على ما ستراه، إن شاء الله.
فالأول: فعال المسمّى بها فعل الأمر للمواجه، كنزال ونظار ومناع وحذار وتراك ودراك، هذه معدولة عن انزل وأنظر وامنع واحذر واترك وأدرك، وحكمها فى اللّزوم والتعدّي حكم مسمّياتها، قال ربيعة بن مقروم الضّبّىّ:
فدعوا نزال فكنت أوّل نازلوعلام أركبه إذا لم أنزل
وقال آخر:
حذار من أرماحنا حذار
وقال آخر:
نظار كى أركبها نظار
أراد بقوله: «نظار» أنظر، بفتح الهمزة وكسر الظاء، وليس من نظر
العين، وإنما المراد به الانتظار، كما جاء فى التنزيل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ /أي ينتظرون، وكما قال الشاعر يخاطب ميّتا:
هل انت ابن ليلى إن نظرتك رائحمع الرّكب أو غاد غداة غد معى
أراد: انتظرتك، وقال آخر فى المتعدّى:
تراكها من إبل تراكهاأما ترى الموت لدى أوراكها
أراد: أنّ أوراكها من شدّة السير، كأنّها فى استرخائها قد شارفت الموت، ومثله فى المتعدّى قول الآخر:
مناعها من إبل مناعهاأما ترى الموت لدى أرباعها
الأرباع: جمع الرّبع، وهو ولد الناقة الذى تلده فى الرّبيع، والهبع: الذى تلده فى أول الصيف، وجمعه أهباع، كرطب وأرطاب.
وحقّ هذه الأسماء فى الأصل أن تبنى على الوقف؛ لأنها أعلام لأفعال موقوفة، فاحتاجوا إلى تحريكها لالتقاء الساكنين، فحرّكوها بالكسرة، لأمرين:
أحدهما أنّ الكسرة أصل فى حركة التقاء الساكنين، والثانى: أنها أسماء مؤنّثة،
والكسرة من علامات التأنيث فى نحو أنت فعلت، و ﴿كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ وذلك أن الكسرة من الياء، والياء قد استعملت علامة للتأنيث فى قولهم: تفعلين، وهذى أمة الله، ويدلّك على تأنيث هذه الأسماء قول زهير:
ولنعم حشو الدّرع أنت إذادعيت نزال ولجّ فى الذّعر
وقول زيد الخيل:
وقد علمت سلامة أنّ سيفىكريه كلّما دعيت نزال
وعلّة بناء هذا الضّرب أنه صيغة نابت عن صيغة تضمّنت معنى الحرف، فنزال ناب عن انزل، وانزل ناب عن فعل الأمر المجزوم باللام؛ لأنّ القياس/كان فى أمر المواجه: لتنزل، حملا على قولنا: لينزل، وللمتكلّم: لننزل، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ ولكنّ الأمر للمواجه كثر استعماله، فاستثقلوا مجىء اللام فيه مع كثرة الاستعمال، فحذفوها مع حرف المضارعة، واجتلبوا للفعل إذا كان ثانيه ساكنا همزة الوصل، وبنوه لتضمّنه معنى اللاّم؛ وربما استعملوه على الأصل، فقد روى عن النبىّ ﵌ أنه قال في بعض مغازيه: «لتأخذوا
مصافّكم» وجاء فى بعض القراءات: «فبذلك فلتفرحوا».
وزعم الكوفيّون أن فعل الأمر للمواجه مجزوم بتقدير اللام الأمريّة، وهو قول مناف للقياس، وذلك أن الجزم فى الفعل نظير الجرّ فى الاسم، فحرف الجرّ أقوى من حرف الجزم، كما أن الاسم أقوى من الفعل، وحرف الجرّ لا يسوغ إعماله مقدّرا، إلاّ على سبيل الشذوذ، وإذا امتنع هذا فى القوىّ فامتناعه فى الضعيف أجدر.
وممّا يبطل ما قالوه أن الفعل المضارع إنما استحقّ الإعراب لمضارعته للاسم، ووجه مضارعته له بوجود حرف المضارعة فيه، لأنه بذلك يتخصّص بدخول السين أو سوف عليه، بعد شياعه، كما يتعرّف الاسم بالألف واللام بعد تنكّره، ولأنك تقول: إنّ زيدا لينطلق، كما تقول: إن زيدا لمنطلق، فتدخل عليه لام التوكيد، ولا يصحّ دخول هذه اللام على الفعل الأمرىّ، كما لا يصحّ دخولها على الماضى، والماضى أقوى من فعل أمر المواجه، بدلالة الوصف به والشرط به، وبنائه على حركة
تشبه حركة الإعراب، من حيث لا تلحق آخره هاء السّكت، كما لا تلحق أواخر الأسماء المعربة.
هذا ما جرّه شرح القسم الأول من أقسام فعال، المعدولة عن الفعل، من الفوائد.
/فأمّا القسم الثاني: ففعال التى عدلوها عن المصدر للمبالغة، كما عدلوا فعال عن الفعل لذلك، وذلك قولهم: لا مساس، أى لا مماسّة، وجاء فى بعض القراءات: ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ وقال الشاعر:
فقلت امكثى حتّى يسار لعلّنانحجّ معا قالت أعاما وقابله
عدل يسار عن الميسرة، وقال النابغة:
أنّا اقتسمنا خطّتينا بيننافحملت برّة واحتملت فجار
الخطّة: الحال الصّعبة، يقال: وقعوا فى خطّة سوء.
وبرّة: اسم علم للبرّ.
وفجار: اسم للفجرة. ومثله جماد اسم للجمود، وحماد اسم للحمد، فى قوله:
جماد لها جماد ولا تقولواطوال الدّهر ما ذكرت حماد
بالحاء، أراد: قولوا لها جمودا، ولا تقولوا لها حمدا، ومنه قول الآخر:
وذكرت من لبن المحلّق شربةوالخيل تعدو بالصّعيد بداد
أراد: بددا.
وقوله: من لبن المحلّق: أى من لبن النّعم الذى عليه وسوم كأمثال الحلق.
والقسم الثالث: فعال المعدولة عن الصّفة الغالبة، وذلك أن الصفة والمصدر فى الدلالة على الفعل، بمنزلة اسم الفعل الذى هو نزال، فى دلالته على انزل، وذلك قولهم للضّبع: جعار، اسم لها خاصّة، مأخوذ من الجعر، وهو ذو بطنها، وبطن الذئب والكلب، وخصّوها بهذا الاسم دونهما؛ لكثرة جعرها، قال الشاعر:
فقلت لها عيثى جعار وجرّرىبلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره
عيثى: من العيث، وهو الإفساد.
/ومثل «جعار» فى كونها معدولة عن صفة غالبة، قولهم للمنيّة: حلاق، عدلوها عن الحالقة، كما عدلوا جعار عن الجاعرة، قال:
لحقت حلاق بهم على أكسائهمضرب الرّقاب ولا يهمّ المغنم
قوله: «ضرب الرّقاب» من إضافة المصدر إلى المفعول، أراد تضرب الرقاب ضربا، ومثله فى التنزيل: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ أى فاضربوا الرّقاب ضربا.
ومن إضافة المصدر إلى الفاعل قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ أى صنع الله صنعا و ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ أى وعد الله وعدا حقّا.
الأكساء: جمع كسء، وهو آخر الشىء وعقبه.
وقوله: «ولا يهمّ المغنم» أراد: أنهم إنما قصدوا الأنفس، دون الأموال، وقال مهلهل بن ربيعة:
ما أرجّى بالعيش بعد ندامىكلّهم قد سقوا بكأس حلاق
وإنما الحالقة نعت غالب، أى غلب على الاسمية، فاختصّ بالمنيّة، ومثله النابغة، هو نعت فى الأصل، وغلب حتى صار اسما، فلذلك حذف الألف واللام منه فى قول الشاعر:
ونابغة الجعدىّ بالرّمل بيتهعليه صفيح من تراب منضّد
الصّفيح: الحجارة الرّقاق العراض، وهى الصّفّاح أيضا.
والقسم الرابع: فعال، العلم المعلّق على النساء، المعدول عن مثال فاعلة، نحو حذام وقطام، ورقاش وغلاب، عدلوهنّ عن حاذمة وقاطمة وراقشة وغالبة.
واشتقاق حذام: من الحذم، وله معنيان: القطع، والمشى الخفيف.
وقطام: من القطم، وهو القطع أيضا، أو من القطم، وهو الشّهوة، يقال: فحل قطم، إذا كان يشتهى الضّراب.
ورقاش: من الرّقش، وهو مثل النّقش، ومنه حيّة رقشاء، إذا كانت منقّطة.
وفى فعال هذه لغتان، فأهل الحجاز يبنونه على الكسر، كقوله:
/إذا قالت حذام فصدّقوهافإنّ القول ما قالت حذام
وكقول النابغة:
أتاركة تدلّلها قطاموضنّا بالتّحيّة والسّلام
وبنو تميم يعربونه غير مصروف، فيقولون: هذه قطام، ورأيت قطام، ومررت بقطام.
فإن كان آخر شيء من هذا النوع راء أجمع الفريقان على بنائه، وذلك قولهم: حضار، فى اسم كوكب، وسفار، فى اسم ماء، وإنما جنح بنو تميم إلى بناء هذين الاسمين، فوافقوا أهل الحجاز فى بنائهما؛ لأنّ الإمالة لغة بنى تميم، ولا تصحّ الإمالة فيما آخره راء مضمومة ولا مفتوحة، فعدلوا إلى كسر آخرهما لتصحّ الإمالة فيهما. هذا قول أبى العباس المبرّد.
وقد جاء اسم ثالث آخره راء، وهو وبار، اسم إقليم تسكنه الجنّ، مسخ أهله، وقد أعربه الأعشى، وصرفه للضّرورة فى قوله:
ومرّ دهر على وبارفهلكت جهرة وبار
وإنما امتنعت الإمالة ممّا آخره راء مضمومة أو مفتوحة؛ لأنّ الراء فيها تكرير، فالحركة تقوم فيها مقام حركتين، فإذا كانت الضمّة فى هذا الحرف تقوم مقام الضمتين، والضّمة من موانع الإمالة، وكذلك الفتحة، رفضوا إمالة ما آخره راء مضمومة أو مفتوحة، كقولك: هذا حمار، وركبت حمارا، وحسنت الإمالة لمّا انكسرت الراء فى نحو: ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾.
ولأبى العباس فى علّة بناء فعال هذه، مذهب قد أخذ عليه، وهو أنه جعل علّة بنائها اجتماع ثلاثة أسباب من الأسباب الموانع للصّرف، وهى التعريف والتأنيث والعدل، فقال: إنّ التنوين إذا سقط بعلّتين، التعريف والتأنيث، أسقط العدل الحركة
التى هى إعراب، فجعل انضمام العدل إلى التعريف والتأنيث موجبا للبناء.
/وقد أبطلوا ما ذهب إليه بقول العرب: أذربيجان، فأعربوها وفيها خمس علل؛ العجمة والتأنيث والتعريف والتركيب والألف والنون.
وقال من أفسد قول أبى العباس: إنّما بنيت فعال هذه، وفعال المعدولة عن المصدر، والمعدولة عن الصّفة الغالبة، حملا على باب نزال؛ لأن المشابهة بينهما من أربعة أوجه:
أحدها: الموازنة، والثانى: العدل، والثالث: التأنيث، والرابع: أنهنّ كلّهنّ أعلام وضعن لمسمّيات [بهنّ].
ولعليّ بن عيسى الرّبعىّ، فى بناء حذام، ونظائرها، علّة لم يسبق إليها، وهى تضمّنهنّ معنى علامة التأنيث التى فى حاذمة وقاطمة وراقشة، فلما عدلن عن اسم مقدّرة فيه تاء التأنيث، وجب بناؤهنّ لتضمّنهنّ معنى الحرف
والقول الذى قدّمناه هو المعمول عليه، ألا ترى أنهم قد عدلوا جماد عن الجمود، وهو خال من تاء التأنيث.
واعلم أنّك إذا سمّيت مذكّرا باسم من باب فعال المبنيّة بنيته، وإن سمّيته باسم من باب قطام، على لغة بنى تميم، منعته الصّرف، كما منعته إياه، وهو متعلّق على امرأة.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع