تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

نسخة جوابى

الجواب والله سبحانه الموفّق للصّواب.

إنّ ضمّة اللام فى قولنا: يا أيّها الرجل، ضمّة إعراب؛ لأن ضمّة المنادى المفرد المعرفة، لها باطّرادها منزلة بين منزلتين، فليست كضمّة حيث؛ لأن ضمّة حيث غير مطّردة، وذلك لعدم اطّراد العلّة التى أوجبتها، ولا كضمّة زيد، فى نحو خرج زيد؛ لأن هذه حدثت بعامل لفظىّ، ولو ساغ أن توصف «حيث» لم يجز وصفها بمرفوع حملا على لفظها؛ لأن ضمّتها غير مطّردة، ولا حادثة عن عامل.

ولمّا اطّردت الضمّة فى قولنا: يا زيد، يا عمرو، يا محمد، يا بكر ﴿يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ ﴿يا نُوحُ اِهْبِطْ﴾ ﴿يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ﴾ وكذلك اطّردت فى النّكرات المقصود قصدها، نحو: يا رجل، يا غلام، يا مرأة ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ ﴿يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ إلى مالا يحصى كثرة، تنزّل الاطّراد فيها منزلة العامل المعنويّ الرافع للمبتدإ، من حيث اطّردت الرّفعة فى كلّ اسم ابتدئ به مجرّدا من عامل لفظىّ، وجيء له بخبر، كقولك: زيد منطلق، عمرو ذاهب، جعفر جالس، محمد صادق، إلى مالا يدركه الإحصاء، فلما استمرّت ضمّة المنادى فى معظم الأسماء، كما استمرّت فى الأسماء المعربة الضمّة الحادثة عن/الابتداء، شبّهتها العرب بضمّة المبتدأ، فأتبعتها ضمّة الإعراب فى صفة المنادى، فى نحو: يا زيد الطويل، وجمع بينهما أيضا أن

الاطّراد معنى كما أن الابتداء معنى، ومن شأن العرب أن تحمل الشىء على الشىء، مع حصول أدنى تناسب بينهما، حتى إنهم قد حملوا أشياء على نقائضها:

ألا ترى أنّهم قد أتبعوا حركة الإعراب حركة البناء فى قراءة من قرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ بكسر الدال، وكذلك أتبعوا حركة البناء حركة الإعراب في قراءة من قرأ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ بضم اللام، وكذلك أتبعوا حركة البناء حركة الإعراب فى نحو: يا زيد ابن عمرو، فى قول من فتح الدال من زيد.

وقد كان شافهنى هذا المتعدّى طوره بهذا الهراء الذى ابتدعه، والهذاء الذى اختلقه واخترعه، فقلت له: إنّ ضمّة المنادى لها منزلة بين منزلتين، فقال منكرا لذلك: وما معنى المنزلة بين المنزلتين؟ فجهل معنى هذا القول، ولم يحسّ بأنّ هذا الوصف يتناول أشياء كثيرة من العربية، كهمزة بين بين، التى هى بين الهمزة والألف، أو الهمزة والياء، أو الهمزة والواو، وكألف الإمالة، التى هى بين ألف التفخيم والياء، وكالصاد المشربة صوت الزاى، وكالقاف التى بين القاف الخالصة والكاف.

وأما قوله: إنّ الألف واللام هنا ليست للتعريف؛ لأن التعريف لا يكون إلاّ بين اثنين فى ثالث، والألف واللام هنا فى اسم المخاطب، والصحيح أنها دخلت بدلا من

«يا» فقول فاسد، بل الألف واللام هنا لتعريف الحضرة، كالتعريف فى قولك:

جاء هذا الرجل، ولكنها لمّا دخلت على اسم المخاطب صار الحكم للخطاب، من حيث كان قولنا: يا أيّها الرجل، معناه: يا رجل، ولما كان الرجل هو المخاطب فى المعنى، غلب حكم الخطاب، فاكتفى باثنين؛ لأنّ أسماء الخطاب/لا تفتقر فى تعرّفها إلى حضور ثالث، ألا ترى أنّ قولك: خرجت يا هذا، وانطلقت، ولقيتك، وأكرمتك، لا حاجة به إلى ثالث، وليس كلّ وجوه التعريف تقتضى أن تكون بين اثنين فى ثالث، ألا ترى أنّ ضمائر المتكلّمين نحو: أنا خرجت، ونحن ننطلق، لا يوجب تعريفها حضور ثالث.

فقد وضح لك بهذا أنّ قوله: «التعريف لا يكون إلاّ بين اثنين فى ثالث»، كلام ظاهر الفساد؛ لأنه أطلق هذا اللفظ على جميع التّعاريف.

فتأمّل سدّدك الله هذه الفطرة التى عمى عنها هذا الغبىّ، وعمّا صدّرت به، حتى خطّأ بجهله الأئمة المبرّزين فى علم العربيّة، المتقدّمين منهم والمتأخّرين.

ومن شواهد إعراب الرجل، فى قولنا: يا أيّها الرجل، نعته بالمضاف المرفوع، فى قولك: يا أيّها الرجل ذو المال، وعلى ذلك أنشدوا:

يا أيّها الجاهل ذو التّنزّى

فهذا دليل على إعراب «الرجل» قاطع، لأنّ الصفة المضافة فى باب النداء لا يجوز حملها على لفظ المبنيّ، ولا تكون إلاّ منصوبة أبدا، كقولك: يا زيد ذا المال.

وقد عارضته بهذا الدليل الجليّ، الذى تناصرت به الروايات، عن النّحوىّ

واللّغوىّ، فزعم أنه لا يرفع هذه الصفة، ولا ينشد إلاّ: «ذا التّنزّى»، ولا يعتدّ بإجماع النحويّين واللغويّين، على سماع الرفع فيها عن العرب، فدلّ ذلك على أن هذا العديم الحسّ هو المقصود بالنداء فى قول القائل:

يا أيّها الجاهل ذو التّنزّى

وأما قوله: ولمّا قصدوا تأكيد التنبيه وقدّروا تكرير حرف النداء، كرهوا التكرير، فعوّضوا عن حرف النداء، ثانيا «ها» وثالثا الألف واللام.

فهذا من دعاويه الباطلة؛ لأنه زاعم أن أصل يا أيّها الرجل: يا أىّ يا يا رجل، فعوّضوا من «يا» الثانية «ها»، ومن الثالثة الألف واللام، وليس الأمر على ما قاله وابتدعه من هذا المحال، ولكنّ العرب كرهوا أن يقولوا: يا الرّجل، وما أشبه ذلك، /فيولوا حرف النّداء الألف واللام، فأدخلوا أىّ، فجعلوها وصلة إلى نداء المعارف بالألف واللام، وألزموها حرف التنبيه عوضا لها ممّا منعته من الإضافة.

هذا قول النحويّين، فمن تكلّف غيره بغير دليل فهو مبطل، فلا حاجة بنا إلى أن نقدّر أن الأصل: يا أىّ يا يا رجل، فإنه مع مخالفته لقول الجماعة خلف من القول، يمجّه السمع، وينكره الطبع.

وأمّا قوله فى أمل ويأمل، إنهما لا يجوزان عنده؛ لأنه لم يسمع فى الماضى منهما أمل، خفيف الميم، فليت شعرى ما الذى سمع من اللغة ووعاه حتى أنكر أن يفوته هذا الحرف؟ وإنما ينكر مثل هذا من أنعم النّظر فى كتب اللغة كلّها، ووقف على تركيب «أم ل» فى كتاب العين، للخليل بن أحمد، وكتاب الجمهرة، لأبى بكر بن دريد، والمجمل، لأبى الحسين بن فارس، وديوان الأدب، لأبى إبراهيم الفارابىّ، وكتاب الصّحاح، لأبى نصر إسماعيل بن حمّاد الجوهرىّ النّيسابورىّ، وغير ذلك

من كتب اللغة، فإذا وقف على أمهات كتب هذا العلم، التى استوعب كلّ كتاب منها اللغة، أو معظمها، فرأى أن هذا الحرف قد فات أولئك الأعيان، ثم سمع قول كعب بن زهير:

والعفو عند رسول الله مأمول

سلّم لكعب، وأذعن له، صاغرا قميئا. فكيف يقول من لم يتولّج سمعه عشرة أسطر من هذه الكتب التى ذكرتها: لم أسمع أمل، ولا أسلّم أن يقال: مأمول؟

وأمّا قوله: إنه لا يجوز يأمل ولا مأمول، إلاّ أن يسمعنى الثّقة أمل، فقول من لم يعلم بأنهم قالوا: فقير، ولم يقولوا فى ماضيه: فقر، ولم يأت فعله إلاّ بالزيادة، أفتراه ينكر أن يقال: فقير؛ لأن الثّقة لم يسمعه فقر؟ ولعله يجحد أن يكونوا قد نطقوا

بفقير، وقد ورد به القرآن فى قوله جلّ ثناؤه: ﴿إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وهل إنكار فقير إلا كإنكار مأمول، بل إنكار فقير عنده أوجب، لأنّهم لم يقولوا فى ماضيه إلا افتقر، ومأمول، قد نطقوا بماضيه بغير زيادة.

وأمّا «سوى» فإنّ العرب استعملتها استثناء، وهى فى ذلك منصوبة على الظرف؛ بدلالة أنّ النصب يظهر فيها إذا مدّت، فإذا قلت: أتانى القوم سواك، فكأنك قلت: أتانى القوم مكانك، وكذلك: قد أخذت سواك رجلا، أى مكانك.

واستدل الأخفش على أنها ظرف بوصلهم الاسم الناقص بها، فى نحو: أتانى الذى سواك، والكوفيون يرون استعمالها بمعنى غير.

وأقول: إدخال الجارّ عليها فى قول الأعشى:

وما قصدت من أهلها لسوائكا

يخرجها من الظرفيّة، وإنما استجازت العرب ذلك فيها تشبيها لها بغير، من حيث استعملوها استثناء، وعلى تشبيهها بغير قال أبو الطيب:

أرض لها شرف سواها مثلهالو كان مثلك فى سواها يوجد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

رفع «سوى» الأولى بالابتداء، وخفض الثانية بفى، فأخرجهما من

الظرفيّة، فمن خطّأه فقد خطّأ الأعشى فى قوله: «لسوائكا» ومن خطّأ الأعشى فى لغته التى جبل عليها، وشعره يستشهد به فى كتاب الله تعالى، فقد شهد على نفسه بأنه مدخول العقل، ضارب فى غمرة الجهل.

وليس لهذا المتطاول إلى ما يقصر عنه ذرعه شيء يتعلّق به فى تخطئة العرب ألاّ قول الشاعر:

حراجيج ما تنفكّ إلاّ مناخةعلى الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لقد جشأت نفسي عشية مشرف»

فكلّ فاقرة ينزلها بالعربيّة يزفّ أمامها هذا البيت، معارضا به أشعار الفحول من العرب العاربة، وليس دخول «إلاّ» في هذا البيت خطأ، كما توهّم، لأن بعض النحويّين قدّر في «تنفكّ» التّمام، ونصب «مناخة» على الحال، فتنفكّ هاهنا مثل منفكّين، فى قول الله ﷿: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ فالمعنى: ما تنفصل عن جهد ومشقّة إلاّ فى حال إناختها على الخسف، ورمى البلد القفر بها، أى تنتقل من شدّة إلى شدّة.

ومن العجب أن هذا الجاهل يقدم على تخطئة سلف النحويّين وخلفهم، وتخطئة الشعراء الجاهليّين والمخضرمين والإسلاميّين، فيعترض على أقوال هؤلاء وأشعار هؤلاء، بكلام ليس له محصول، ولا يؤثر عنه أنه قرأ مصنّفا فى النحو، إلاّ مقدّمة من تأليف عبد القاهر الجرجانىّ، قيل: إنها لا تبلغ أن تكون/فى عشر

أوراق، وقيل: إنه لا يملك من كتب النحو واللغة ما مقداره عشر أوراق، وهو مع ذلك يردّ بقحته على الخليل وسيبويه. إنها لوصمة اتّسم بها زماننا هذا، لا يبيد عارها، ولا ينقضى شنارها، وإنما طلب بتلفيق هذه الأهواس أن تسطّر فتوى فيثبت خطّه فيها مع خطّ غيره، فيقال: أجاب أبو نزار بكذا، وأجاب غيره بكذا، وقد أدرك لعمر الله مطلوبه، وبلغ مقصوده، ولولا إيجاب حقّ من أوجبت حقّه، والتزمت وفاقه، واحترمت خطابه، لصنت خطّى ولفظى عن مجاورة خطّه ولفظه.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.