تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

فصل (١٠)

قد تكرّر قولنا إنّ الكسر هو الأصل فى حركة التقاء الساكنين، فإن قيل:

لم كان الكسر هو الأصل، دون الضمّ والفتح؟

فمن ذلك جوابان، أحدهما: أنّ الجرّ لما اختصّ بالاسم، والجزم اختصّ بالفعل، صارا نظيرين، فلما أرادوا أن يحرّكوا المجزوم للقاء ساكن، حرّكوه بأشبه الحركات بالجزم، فقالوا: لم يقم الغلام، ولمّا وجب ذلك فى السكون المسمّى جزما، حملوا عليه السكون المسمّى وقفا، فقالوا: كم المال، كما جاء: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ و ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾.

والثانى: أنهم لو حرّكوا المجزوم للقاء الساكن بالضمّ أو الفتح، التبست حركته بالحركة الحادثة عن عامل، ألا ترى أنك لو قلت: لا يخرج الغلام، فكسرت الجيم، أردت أن تنهاه عن الخروج، ولم يكن فى ذلك صدق ولا كذب، ولو قلت: لا يخرج الغلام، فضممت الجيم، كان خبرا منفيّا، واحتمل التصديق والتكذيب، فلولا الفرق بين هذين المعنيين باختلاف الحركة، التبس النهى بالنفى، ونظير ذلك فى التنزيل قوله تعالى، ناهيا: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فلو ضمّت ذال «يتّخذ» صار المعنى: ليس يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء، وقد علمنا/أنّ بعض المؤمنين اتّخذ بعض الكافرين أولياء، بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ ثم قال بعد هذا: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ﴾.

ومثل ذلك فى ارتكاب اللّبس، أنك تقول: «لا تأكل السّمك وتشرب اللّبن»، فتكسر الباء إذا أردت أن تنهاه عن أكل هذا وشرب هذا، على كلّ حال، فإن أردت أن تنهاه عن الجمع بينهما فتحت آخر «تشرب» فلو حرّكوا المجزوم للقاء السّاكن بالفتح وقع لبس بين هذين النّهيين، فلما خشوا اللّبس فى هذا ونحوه حرّكوا المجزوم بحركة لا تعرب بها الأفعال، ثم حملوا ما سكونه وقف على ما سكونه جزم.

فإن قيل: لم كسروا المجزوم والموقوف لمّا وقعا فى القوافى المطلقة، كقوله:

وكم دهمتنى من خطوب ملمّةصبرت عليها ثمّ لم أتخشّع
فأدركت ثأرى والذى قد فعلتمقلائد فى أعناقكم لم تقطّع
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أراني إذا عاديت قوما ركنتم»

وكقول عدىّ بن زيد:

إذا أنت لم تنفع صديقك جاهداولم تنك بالبوسى عدوّك فابعد
إذا أنت فاكهت الرّجال فلا تلعوقل مثل ما قالوا ولا تتزيّد
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

فعن ذلك جوابان، أحدهما: أنهم لما اضطرّوا إلى تحريك المجروم لإطلاق القافية، لم يخل أن يحرّك بالكسرة أو بإحدى أختيها، فلم يجز أن يحرّك بالضمة ولا الفتحة؛ كراهة أن يلتبس بالمرفوع أو المنصوب، فلما وجب تحريكه بالكسر، حملوا عليه ما سكونه الوقف.

والثانى: أنهم لما اضطرّهم إتمام الوزن إلى تحريك المجزوم والموقوف، لا لساكن لقيه، بل لينشأ عن حركته حرف مدّ يتمّ به الوزن، حرّكوه بالحركة/المألوفة فيه إذا لقيه ساكن، فكسروه فنشأت عن الكسرة الياء.

فإذا ثبت بما ذكرته أن الكسر هو الأصل فى حركة التقاء الساكنين، فإنهم قد ينصرفون عن هذا الحكم لعلّة تحسّن الانصراف عنه.

وذلك على أوجه عدّة، أحدها: أن يكون للحرف مزيّة على الحرف، فيحرّك بأقوى الحركات، كتحريك الواو التى هى اسم، فى نحو ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ بالضمّ، وتحريك الواو التى هى حرف، فى نحو ﴿لَوِ اِسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ بالكسر، وذلك لفضل الاسم على الحرف، وفضل الضمّ على الكسر، من حيث كان الاعتماد فى إبراز الضمّة على عضوين ظاهرين.

والثانى: أن يكون الضمّ إتباعا لضمّة متقدّمة، أو لضمّة متأخّرة، فالمتقدمة كضمّة ميم مدّ، وشين شدّ يا هذا، الأصل: امدد، واشدد، فآثر بعضهم الإدغام، فألقى ضمّة الدال الأولى على الساكن الذى قبلها، فالتقت الدالان ساكنتين فى التقدير، فحرّكوا الآخرة بالضمّ إتباعا، وحذفوا همزة الوصل، استغناء عنها بحركة الحرف الذى اجتلبوها لأجله، وهو ساكن.

وأما الضمّة المتأخّرة التى تتبعها حركة ما قبلها، فنحو ضمّة الراء فى ﴿وَقالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ والظاء فى ﴿وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ وليس الضمّ فى هذا النحو لازما كلزومه فى منذ، وإنما هو شيء استحسنه بعض العرب، والكسر أكثر، كما أن الفتح فى شدّ ومدّ وردّ أكثر، والكسر مستعمل فيه، تقول: ازرر قميصك وزرّه وزرّه وزرّه، وحرّكوا ميم «هلمّ» بالفتح خاصة؛ لأنها كلمة مركّبة، وللمركّب حكم غير حكم المفرد.

والثالث: أن يكون العدول عن الكسر إلى الفتح لكثرة استعمال الحرف، كتحريك نون «من» بالفتحة إذا لقيتها لام التعريف فى نحو: ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾ لكثرة دور لام التعريف فى الكلام، /مع كثرة تصرّف «من» فى المعانى، من حيث جاءت لابتداء الغاية في المكان، وللتبعيض، ولتبيين الجنس، فى نحو ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ﴾ وجاءت للتوكيد زائدة فى نحو

﴿وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ وفارقة بين معنيين، فى نحو: ما جاءنى من رجل، فليست هاهنا لمجرّد الزّيادة، بدلالة قولك: ما جاءنى رجل بل رجلان، فإذا دخلت «من» دلّت على العموم، وقد أنابوها مناب لام العلّة فى نحو: لست أغبّ زيدا من إكرامى له، أى لإكرامى، ومثله ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ و ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾.

فلما كثر استعمالها لكثرة تصرّفها فى المعانى، مع كثرة استعمال الألف واللام، اختاروا لها أخفّ الحركات، استثقالا لتوالى كسرتين فيما يكثر استعماله.

فإن ولى نونها ساكن غير لام التعريف، استعملوا الأصل، فكسروا فى نحو: عجبت من ابنك، واسمى أحسن من اسمك، وقد فتحها هاهنا قوم من الفصحاء، فيما حكاه سيبويه.

فأمّا نون «عن» فمجمع على كسرها، فى نحو: ﴿عَنِ الْقَوْمِ﴾ وذلك لعدم توالى كسرتين.

والرابع: أن يختاروا الفتحة فرارا من اجتماع ثقلين، وذلك فى المضاعف، نحو ربّ وثمّ، وفيما يجيء بعد واو أو ياء، نحو سوف وحوب وليت وكيف.

والخامس: أن يكون العدول إلى الفتح طلبا للفرق، كفتح نون الجمع، للفرق بينها وبين نون التثنية، في قولك: الزيدان والزيدون، ويفعلان ويفعلون.

فاختلاف الحركة فى هذا النحو للفرق والتعديل، ومعنى التعديل أنّ ثقل الكسرة مع خفّة الألف، وثقل الواو مع خفّة الفتحة تعديل.

قول عدىّ بن زيد.

/إذا أنت فاكهت الرجال فلا تلع

معناه: لا تكذب، والمصدر الولع، بسكون اللام، وفاكهت: مازحت، والفكاهة: المزاح.

وحوب: زجر للإبل.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلس الثامن والخمسون يتضمّن الكلام فى أصل حركة التقاء الساكنين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.