من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الحادى والستّون
ذكر أبو الفرج عليّ بن الحسين الأصفهانيّ، صاحب كتاب الأغانى، حديثا رفعه إلى أبى ظبيان الحمّانىّ، قال: اجتمعت جماعة من الحىّ على شراب، فتغنّى أحدهم بقول حسّان:
إنّ التى ناولتني فرددتهاقتلت قتلت فهاتها لم تقتل
/كلتاهما حلب العصير فعاطنىبزجاجة أرخاهما للمفصل
فقال رجل منهم: كيف ذكر واحدة بقوله: «إنّ التى ناولتنى فرددتها» ثم قال: «كلتاهما حلب العصير» فجعلها اثنتين، وقال أبو ظبيان: فلم يقل أحد من الجماعة جوابا، فحلف رجل منهم بالطّلاق ثلاثا، إن بات ولم يسأل القاضى عبيد الله بن الحسن، عن تفسير هذا الشّعر.
قال: فسقط فى أيدينا ليمينه، ثم أجمعنا على قصد عبيد الله، فحدّثنى بعض أصحابنا السّعديّين قال: فيمّمناه نتخطّى إليه الأحياء، فصادفناه فى مسجده، يصلّى بين العشاءين، فلما سمع حسّنا أوجز فى صلاته، ثم أقبل علينا، فقال: حاجتكم، فبدر رجل منّا كان أحسننا نفثة، فقال: نحن، أعزّ الله القاضى، قوم نزعنا إليك من طريق البصرة، فى حاجة مهمّة، فيها بعض الشىء، فإن أذنت لنا قلنا، فقال: قولوا، فذكر يمين الرجل والشّعر.
فقال: أمّا قوله: «إنّ التى ناولتنى» فإنه يعني الخمر، وقوله: «قتلت» أراد مزجت بالماء، وقوله: «كلتاهما حلب العصير» يعنى الخمر ومزاجها، فالخمر عصير العنب، والماء عصير السّحاب، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً﴾ انصرفوا إذا شئتم.
وأقول: إنّ هذا التأويل يمنع منه ثلاثة أشياء، أحدها: أنه قال: كلتاهما، وكلتا موضوعة لمؤنّثين، والماء مذكّر، والتذكير أبدا يغلّب على التأنيث، كتغليب القمر على الشمس، فى قول الفرزدق:
لنا قمراها والنّجوم الطّوالع
أراد لنا شمسها وقمرها، وليس للماء اسم آخر مؤنّث فيحمل على المعنى، كما قالوا: «أتته كتابى فاحتقرها» لأن الكتاب فى المعنى صحيفة، وكما قال الشاعر:
قامت تبكّيه على قبرهمن لى من بعدك يا عامر
تركتنى فى الدار ذا غربةقد ذلّ من ليس له ناصر
/كان الوجه أن يقول: ذات غربة، وإنما ذكّر لأن المرأة إنسان، فحمل على المعنى.
والثانى: أنه قال: «أرخاهما للمفصل» وأفعل هذا موضوع لمشتركين فى معنى وأحدهما يزيد على الآخر فى الوصف به، كقولك: زيد أفضل الرجلين، فزيد والرجل المضموم إليه مشتركان فى الفضل، إلا أن فضل زيد يزيد على فضل المقرون به، والماء لا يشارك الخمر فى إرخاء المفصل.
والثالث: أنه قال فى الحكاية: «فالخمر عصير العنب» وقول حسان:
«حلب العصير» يمنع من هذا؛ لأنه إذا كان العصير الخمر، والحلب هو الخمر،
فقد أضيفت الخمر إلى نفسها، والشىء لا يضاف إلى نفسه.
والقول فى هذا عندى أنه أراد: كلتا الخمرين، الصّرف والممزوجة، حلب العنب، فناولنى أشدّهما إرخاء للمفصل.
فرّق اللغويّون بين المفصل والمفصل، فقالوا: إنّ المفصل بكسر الميم وفتح الصاد: اللّسان، وهو بفتح الميم وكسر الصاد: واحد مفاصل العظام، وهو فى بيت حسّان يحتمل الوجهين.
ذكر أبو سعيد السّيرافىّ فى قولهم: «أكلونى البراغيث» ثلاثة أوجه، أحدها: ما قاله سيبويه، وهو أنهم جعلوا الواو علامة تؤذن بالجماعة، وليست ضميرا.
والوجه الثانى: أن تكون البراغيث مبتدأ، وأكلونى خبرا مقدّما، تقديره:
البراغيث أكلونى.
والوجه الثالث: أن تكون الواو فى «أكلونى» ضميرا على شرط التفسير، والبراغيث بدل منه، كقولك: ضربونى وضربت قومك، فتضمر قبل الذّكر على شرط التفسير، وقد كان الوجه فى قولهم: أكلونى البراغيث على تقديم علامة الجماعة، أن يقال: أكلتنى البراغيث، لأن البراغيث ممّا لا يعقل، وضمير مالا يعقل كضمير جمع المؤنث، إلاّ أنهم جعلوا البراغيث مشبّهة بما يعقل، حين وصفت بالأكل، فأجريت مجرى ما يعقل، ولذلك نظائر، /منها قوله تعالى:
﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ لمّا
وصفها بالسّجود الذى لا يكون إلاّ لما يعقل، أجراها مجرى ما يعقل، وكذلك القول فى قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ لمّا جرى الخطاب لها مجرى خطاب ما يعقل، أجريت مجرى ما يعقل
ذكر هذا أبو سعيد فى شرح كتاب سيبويه.
وأقول: إنه وهم فى هذا القول؛ لأن مالا يعقل بمنزلة الأناسىّ فى وصفهم بالأكل، كقولنا: أكلت السّنّور الفأرة، وأكل السّبع الشاة، فلا يجوز أن تقول:
أكلوهم السّباع، كما تقول: القوم أكلوا الطّعام.
والوجه عندى أن يحمل قولهم: أكلونى البراغيث، على غير الأكل الحقيقىّ، ولكن نحمله على الأكل الذى يراد به التعدّى والظّلم، كقولهم: أكل فلان جاره، إذا تعدّى عليه، وعلى ذلك قول علّفة بن عقيل بن علّفة لأبيه:
أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّىوجدت مرارة الكلأ الوبيل
وهذا المعنى لا يكون إلاّ من ذوى العقل، فلمّا وصفوا به البراغيث أجروها مجرى العقلاء؛ لأنه قد جرى مجرى السّجود الذى لا يكون إلا من العقلاء.
وقول علّفة لأبيه: «أكل الضّبّ» معناه مثل أكل الضّبّ أولاده، لأن الضّباب تأكل أولادها إلاّ القليل، فجعل تعدّيه على بنيه وظلمه لهم كأكل الضّبّ ولده، مبالغة فى وصفه بالبغى عليهم، والظّلم لهم.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع