تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

الكلام على آية قوله تعالى: ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ﴾

أى يدعو الوثن الذى لا يضرّ ولا ينفع، ولا يبصر ولا يسمع، وقوله: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ ومعناه: الضّرر بعبادته أقرب من النفع بها.

فإن قيل: كيف قال: ﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ ولا نفع من قبله ألبتّة؟

قيل: لمّا كان فى قوله: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ تبعيد لنفعه، والعرب تقول لما لا يصحّ فى اعتقادهم تكوّنه: هذا بعيد، جاز الإخبار ببعد نفع الوثن، والشاهد بذلك قوله تعالى حاكيا عنهم: ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾.

واختلف المفسّرون فى هذه اللام، فذهب قوم من البصريّين والكوفيّين إلى أنّ معناها التأخير، فالتقدير: يدعو من لضرّه أقرب من نفعه، وجاز تقديمها وإيلاؤها المفعول؛ لأنها لام التوكيد واليمين، فحقّها أن تقع أوّل الكلام، فقدّمت لتعطى حقّها، وإن كان الأصل أن يليها المبتدأ، كما أن لام «إنّ» حقّها أن تدخل على اسم إنّ، فلما لم يجز أن تلى إنّ، لأنها بمعناها فى التوكيد، وفى تلقّى اليمين بها، جعلت فى الخبر، كقولك: إنّ زيدا لقائم، لمّا لم يجز: إنّ لزيدا قائم، فإذا أمكن أن تدخل على الاسم كان ذلك أجود، كقوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ فتقديمها على المفعول

فى الآية إيذان بأنّ حقّها الوقوع فى أوّل الكلام، وسوّغ ذلك أنها لمجرّد التوكيد، فاللفظ بها يفيد التوكيد، تقدّمت أو تأخرت، وليست بعاملة كعلى، في قول الراجز:

إنّ الكريم وأبيك يعتملإن لم يجد يوما على من يتّكل

أراد: من يتّكل عليه، وهذا تقديم قبيح، سوّغته الضّرورة، وقد اعترض على هذا القول بأن اللام فى صلة «من» فتقديمها على الموصول غير جائز.

/والجواب عن هذا الاعتراض: أنها حرف لا يفيد إلاّ التوكيد، وليست بعاملة كمن المؤكّدة، فى نحو: ما جاءني من أحد، فدخولها وخروجها سواء، فلذلك جاز تقديمها.

ويمكن أن لا تكون «من» هاهنا موصولة، بل تكون نكرة، فى معنى شيء، مثلها فى قول سويد بن أبى كاهل:

ربّ من أنضجت غيظا صدرهقد تمنّى لى موتا لم يطع

أراد ربّ إنسان، وكذلك هى فى قول كعب بن مالك الأنصاريّ:

فكفى بنا فضلا على من غيرناحبّ النّبىّ محمد إيّانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة

المعنى: على حيّ غيرنا، أو قوم غيرنا، ولذلك قدّرها الكسائىّ باسم نكرة، فقال: اللام فى غير موضعها، و «من» فى موضع نصب بيدعو، والتقدير: يدعو من لضرّه أقرب من نفعه، أى يدعو إلها لضرّه أقرب من نفعه.

وقال أبو العباس محمد بن يزيد: ﴿يَدْعُوا﴾ فى موضع الحال، والمعنى:

ذلك هو الضلال البعيد فى حال دعائه إيّاه، وقوله ﴿لَمَنْ﴾ مستأنف مرفوع بالابتداء، وقوله: ﴿ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ صلته، و ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى﴾ خبره.

وهذا الذى قاله يستقيم، لو كان فى موضع يدعو: يدعى، فيكون تقديره:

ذلك هو الضلال البعيد مدعوّا، فيكون حالا من الضلال، فمجيئه بصيغة فعل الفاعل، وليس فيه ضمير عائد على المدعوّ، يبعده من الصواب.

وقال الأخفش: ﴿يَدْعُوا﴾: فى معنى يقول. و ﴿لَمَنْ﴾ فى موضع رفع بالابتداء، و ﴿ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ صلته، وخبره محذوف، أى يقول لمن ضرّه أقرب من نفعه [هو مولاى] بهذا اللفظ ذكره الزجاج فى معانى القرآن، فكأنه إنما قدّر الخبر «مولاى» لقوله: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى﴾.

وغير الزجّاج قال: التقدير: يقول لمن ضرّه أقرب/من نفعه إلهه. قال الزجّاج: ومثل «يدعو» قول عنترة:

يدعون عنتر والرّماح كأنّهاأشطان بئر فى لبان الأدهم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

أى يقولون: يا عنتر.

وهذا القول فى تقدير الزجّاج فاسد المعنى، وإنما كان يصحّ لو كانت اللام لام الجرّ، فقيل: يقول لمن ضرّه أقرب من نفعه: هو مولاى، وفى التقدير الآخر يصحّ لو كان تقدير يدعو يزعم، وهذا غير معروف، وذلك أن الزّعم يتعدّى إلى مفعولين، ويجوز تعليقه عنهما باللام المفتوحة، كقولك: زعمت لزيد منطلق.

والمعنى فى تقدير الزجاج بعيد من الصواب؛ لأن المعنى فى تقديره: يقول عابد الوثن: من ضرّه أقرب من نفعه هو مولاى، لا فرق فى المعنى بين إدخال اللام وإسقاطها، وكيف يقرّ عابد الوثن أن ضرّ الوثن أقرب إليه من نفعه، وهو يعبده ويزعم أنه مولاه؟ ولم يكن عبّاد الأوثان يزعمون أن عبادتها تضرّهم، بل كانوا يقولون: إنها تقرّبهم إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ﴾ أى يقولون: ما نعبدهم.

واختار الزجّاج وجها رابعا، وزعم أنه أسدّ من كلّ ما قيل فيها وأبين، وأنه ممّا أغفله المفسّرون، وهو أنه جعل ﴿ذلِكَ﴾ من قوله: ﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ اسما ناقصا بمعنى الذى، وصلته قوله: ﴿هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ وموضعه

نصب بيدعو، عمل فيه «يدعو» مؤخّرا، فالتقدير: يدعو الوثن الذى هو الضلال البعيد. وقوله: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ مستأنف مبتدأ، وخبره ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى﴾.

واستدلّ على أن أسماء الإشارة قد استعملت بمعنى الأسماء النّواقص، المفتقرة إلى الصّلات بقوله: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ قال: المعنى: وما الّتى بيمينك؟ وبقول يزيد بن مفرّغ:

عدس ما لعبّاد عليك إمارةنجوت وهذا تحملين طليق
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة

قال: أراد: والذى تحملين.

وقد قيل فى الآية غير ما قاله الزجّاج، وهو أن ﴿تِلْكَ﴾ على بابها من الإشارة، ﴿بِيَمِينِكَ﴾ فى موضع الحال، وكذلك «هذا» فى بيت ابن مفرّغ، اسم إشارة، وموضع «تحملين» نصب على الحال.

وإجازة استعمال أسماء الإشارة على الإطلاق بمعنى الأسماء النّواقص المستعملة بالألف واللام، مذهب للكوفيين، ووافقهم سيبويه فى اسم واحد من أسماء الإشارة، وهو «ذا» «إذا انضمّ إلى «ما» فى نحو قولك: ماذا فعلت؟ وماذا تفعل؟ وله فى ذلك مذهبان، أحدهما: أن يركّب «ذا» مع «ما» فيجعلهما اسما واحدا بمعنى قولك: أىّ شيء؟ ويحكم على موضعه بالنصب، على أنه مفعول، نصبه ما بعده، وجوابه منصوب مثله بإضمار فعل، مثل الذى ظهر، وتمثيل ذلك أن يقال: ماذا أكلت؟ فتقول: خبزا، فتضمر: أكلت.

والمذهب الآخر: أنه يجعل «ما» اسما مفردا مبتدأ، و «ذا» بمعنى الذى، وما بعده من الفعل والفاعل صلته، وموضعه رفع بأنه خبر «ما» ويرفع الجواب برفع «ما» فإذا قيل: ماذا أكلت؟ قدّره: أىّ شيء الذى أكلت؟ فيقال: خبز، أى الذى أكلت خبز، وهو خبر، وأنشد فى ذلك قول لبيد:

ألا تسألان المرء ماذا يحاولأنحب فيقضى أم ضلال وباطل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»

التقدير عنده: ما الذى يحاول؟ أهو نحب أم ضلال وباطل، وقد قرئت الآية على وجهين: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ برفع ﴿الْعَفْوَ﴾ ونصبه، فالنصب عنده بتقدير: أيّ شيء ينفقون؟ قل: ينفقون العفو، والرفع بتقدير: أيّ شيء الذى ينفقون؟ قل: هو العفو، أو الذى ينفقون العفو.

وكذلك النصب فى قوله: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً﴾ تقديره: أيّ شيء أنزل ربّكم؟ قالوا: أنزل خيرا.

وتقدير الرفع فى قوله: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أىّ شيء الذى أنزل ربّكم؟ قالوا: هو أساطير الأوّلين، فهذا لا يقدّر /فيه إلاّ «هو» ولا يقدّر فيه: «الذى أنزل» لأنه إخبار عن الكافرين، والكافر جاحد لإنزال القرآن.

وقد خولف سيبويه فى اختصاصه النّصب بتقدير، والرفع بتقدير آخر، فقيل: إنه يجوز مع نصب الجواب تقدير «ذا» بمعنى الذى، ومع رفعه تقدير

«ذا» مع «ما» اسما واحدا، والنصب فيه بإضمار فعل مثل الذى ظهر، والرفع بتقدير: هو.

وإذا عرفت هذا، فالاختيار عندى فى قوله تعالى: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ هو القول الأول. والله الموفّق للصّواب.

عدس، فى قول يزيد بن مفرّغ:

عدس ما لعبّاد عليك إمارة

زجر للبغال.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلس الحادى والستّون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.