من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
تعريب آية
/ يقال فى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ما إعراب الكاف فى ﴿كَذلِكَ﴾ وبم انتصب ﴿حَقًّا﴾؟
الجواب: أن العامل فيه ﴿نُنَجِّي﴾ الأول، والإشارة بذلك إلى إنجاء من أنجاه الله مع نوح ومع موسى ﵉، فيما قصّه فى السورة، ثم قال: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعنى أيّام العذاب ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا﴾ أى انتظروا نزول العذاب، وعقّب ذلك بقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ﴾ أى إنجاء مثل ذلك الإنجاء الذى تقدّم ذكره.
وقوله ﴿حَقًّا﴾ نعت لمصدر الفعل الذى بعده، كأنه استؤنف فقيل: إنجاء حقّا علينا ننجى المؤمنين.
وأمّا ﴿عَلَيْنا﴾ فإن شئت علّقته بقوله: ﴿حَقًّا﴾ لأن فعله يتعدّى بعلى تقول: يحقّ عليك أن تفعل كذا، وإن شئت جعلته وصفا له، فعلّقته بمحذوف، كأنه قيل: حقّا واجبا علينا.
قرأ بعض أصحاب القراءات الخارجة عن قراءات السبعة: ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ﴾ بالنصب، وقرأ آخرون: ﴿النَّبِيُّ﴾ بالخفض، فمن
نصب عطفه على الهاء من قوله: ﴿اِتَّبَعُوهُ﴾ أى اتّبعوه واتّبعوا هذا النبىّ.
ومن خفض عطفه على ﴿بِإِبْراهِيمَ﴾ فالتقدير: إنّ أولى الناس بإبراهيم وبهذا النبىّ للّذين اتّبعوه.
ومن رفع عطفه على ﴿لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ﴾ فالتقدير: إن أولى الناس بإبراهيم المتّبعون له، وهذا النبيّ.
قوله تعالى حاكيا عن امرأة العزيز: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ معنى هيت: هلمّ، أى تعال إلى ما أدعوك إليه، وقوله ﴿لَكَ﴾ أى إرادتى بهذا لك، فهذه اللام للتّبيين،
وكذلك «لك» فى قولهم: سقيا لك، ورعيا لك، التقدير: سقاك الله سقيا، ورعاك رعيا، «ولك» /تبيين، أى هذا لك.
وقوله: سقيا ورعيا، وما أشبههما من المصادر المنصوبة، كقولهم فى الدعاء على الرجل: جدعا له، وعقرا له، مما اختزل الناصب له، فلم يجز إظهاره.
من قبيح التّضمين قول بشر بن أبى خازم.
وكعبا فسائلهم والرّبابوسائل هوازن عنّا إذا ما
لقيناهم كيف نعليهمبواتر يفرين بيضا وهاما
ومثله للنابغة الذّبيانىّ:
وهم وردوا الجفار على تميموهم أصحاب يوم عكاظ إنّى
شهدت لهم مواطن صادقاتأتينهم بصدق الودّ منّى
وقول أعشى قيس:
فلله عينا من رأى من عصابةأشدّ إذا حام الكماة من الّتى
أتتنا من البطحاء يبرق بيضهاوقد بذخت فرسانها وأدلّت
قوله تعالى: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ معناه: فمال عليهم يضربهم ضربا، وإن شئت كان انتصاب «ضربا» على الحال، كقولك: أتيته مشيا، أى ماشيا، ومثله: ﴿ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ أى ساعيات.
و ﴿بِالْيَمِينِ﴾ فيه قولان: قيل باليد اليمنى، وقيل بالقوّة، وأنشدوا قول الشّماخ:
إذا ما راية رفعت لمجدتلقّاها عرابة باليمين
قالوا: أراد بالقوّة، كما جاء فى التنزيل: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.
ويجوز أن يراد باليمين فى الآية القسم، وتكون الباء بمعنى لام العلّة، أى مال عليهم يضربهم لليمين التى حلفها، وهى قوله: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ ونظير وضع الباء فى موضع اللام وضعها فى قوله تعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ﴾ أى فلنقضهم.
/إن قيل: إن لفظة «بين» الظرفية تقتضى اثنين فصاعدا، كقولك:
جلست بين الرجلين، وبين الرجال، وبين زيد ومحمد، ومحال أن تقول: جلست بين زيد، فتقتصر على واحد، فكيف جاء فى التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ و «ذلك» إنما يشار به إلى الواحد، وكان حقّ الكلام: بين ذينك، وكذلك قوله: ﴿لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾.
فالجواب: أن هذا إنما جاز، لأنهم قد يشيرون ب «ذلك» إلى الجمل والحديث الطويل المشتمل على كلم كثيرة، كقولك لمن قال: زيد منطلق، وقد خرج محمد، وسينطلق جعفر: قد عرفت ذلك، ومثله فى التنزيل: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ ونظير هذا فى التنزيل أيضا ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ وجاز هذا لأن «أحدا» موضوع للعموم، فلهذا لا يستعمل إلاّ فى النفى، تقول: ما جاءنى أحد، ولا يجوز: جاءنى أحد، ولو قلت: لا أفرّق بين واحد منهم، لم يجز.
وممّا جاء فى الشّعر نظيرا لقوله: ﴿وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ وقوله: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ قول ابن الدّمينة:
عدمتك من نفس فأنت سقبتنىبكأس الهوى في حبّ من لم يبالك
ومنّيتنى لقيان من لست لاقيانهارى ولا ليلى ولا بين ذلك
أى: ولا بين الليل والنهار، أراد بالوقت الذى بين الليل والنهار، الظلّ الذى
ذكره الله ﷿ فى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ وهو من بعد طلوع الفجر إلى قبل طلوع الشمس.
فصل
/عطف اسم الفاعل على «يفعل»، وعطف «يفعل» على اسم الفاعل
، جائز؛ لما بينهما من المضارعة التى استحقّ بها «يفعل» الإعراب، واستحقّ بها اسم الفاعل الإعمال، وذلك جريان اسم الفاعل على «يفعل»، ونقل «يفعل» من الشّياع إلى الخصوص بالحرف المخصّص، كنقل الاسم من التنكير إلى التعريف بالحرف المعرّف، فلذلك جاز عطف كلّ واحد منهما على صاحبه، وذلك إذا جاز وقوعه فى موضعه، كقولك: زيد يتحدّث وضاحك، وزيد ضاحك ويتحدّث؛ لأن كلّ واحد منهما يقع خبرا للمبتدإ، ولما دخل على المبتدأ من العوامل، كباب كان وباب إنّ، وكذلك مررت برجل ضاحك ويتحدّث، وبرجل يتحدّث وضاحك، لأن «يفعل» ممّا يوصف به النّكرات، فمن عطف الاسم على الفعل قول الراجز:
بات يغشّيها بعضب باتريقصد فى أسوقها وجائر
ومن عطف الفعل على الاسم قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾.
فإن قلت: سيتحدّث زيد وضاحك، لم يجز، لأن ضاحكا لا يقع موقع يتحدّث فى هذه المسألة؛ من حيث لا يلى الاسم السّين لأنها من خصائص الفعل، وكذلك مررت بجالس ويتحدّث، لا يجوز، لأنّ حرف الجرّ لا يليه الفعل، فإن عطفت اسم الفاعل على «فعل»، لم يجز، لأنه لا مضارعة بينهما، فإن قرّبت «فعل» إلى الحال بقد، جاز عطف اسم الفاعل عليه، كقول الراجز.
أمّ صبيّ قد حبا ودارج
فإن كان اسم الفاعل بمعنى «فعل»، جاز عطف الماضى عليه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ﴾ لأن التقدير: إنّ الذين تصدّقوا/واللاّتى تصدّقن.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع