من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الرابع والستون
قيل: إنّ أجود شعر قيل فى لقاء الأسد، من الشّعر القديم، هذه القصيدة وقائلها بشر بن عوانة الأسدىّ، أنشدنيها القاضى أبو يوسف محمد بن عبد السلام القزوينىّ، وقال: أنشدنيها خالى أبو الفضل بديع الزّمان الهمذانىّ:
أفاطم لو شهدت ببطن خبتوقد لاقى الهزبر أخاك بشرا
فى نصب «أخاك» وجهان، أحدهما أن تنصبه بشهدت، إذا أردت به معنى شاهدت، كما قال:
يا ابن أمّي ولو شهدتك إذ تدعو تميما وأنت غير مجاب
وتنصب «الهزبر» على هذا القول بلاقى، وتضمر الفاعل فى «لاقى»، وتعيده إلى الأخ، فيكون الأخ فى هذا القول بنيّة التقديم على الجملة التى هى قوله:
«وقد لاقى الهزبر» وهي فى موضع حال منه، فالتقدير: لو شاهدت فى بطن خبت أخاك وقد لاقى الهزبر، وجاز وقوع الماضى حالا؛ لأن معه «قد» فهى تقرّبه من الحاضر.
والوجه الآخر: أن تنصبه بلاقى، وترفع «الهزبر» بإسناد «لاقى» إليه، ويكون «شهدت» فى هذا القول بمعنى حضرت، كما جاء فى التنزيل: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أى من حضر بالمصر فى الشّهر، فالتقدير: لو حضرت ببطن خبت، وقد لاقى الهزبر أخاك.
ويجوز أن تنصب «بشرا» على البدل، وإن شئت على عطف البيان.
إذن لرأيت ليثا رام ليثاهزبرا أغلبا لاقى هزبرا
أخذ البحترىّ هذا البيت لفظا ومعنى فى قوله:
هزبر مشى يبغى هزبرا وأغلبمن القوم يغشى باسل الوجه أغلبا
الأغلب: الغليظ العنق.
تبهنس إذ تراجع عنه مهرىمحاذرة فقلت عقرت مهرا
يقال: تبهنس فى مشيه، وبهنس: إذا تبختر، ونصب «مهرا» على التمييز.
أنل قدمى ظهر الأرض إنّىوجدت الأرض أثبت منك ظهرا
وقلت له وقد أبدى نصالامحدّدة ووجها مكفهرّا
شبّه أنياب الأسد بالنّصال المحدّدة، وهى جمع نصل السّهم.
يدلّ بمخلب وبحدّ نابوباللّحظات تحسبهنّ جمرا
يدلّ: من قولهم: أدلّ فلان على أقرانه في الحرب، كالبازى يدلّ على صيده.
وفى يمناى ماضى الغرب أبقىبمضربه قراع الموت أثرا
غرب السّيف: حدّه.
والقراع: الضّراب بالسّيوف.
ألم يبلغك ما صنعت ظباهبكاظمة غداة لقيت عمرا
ظبة السّيف: حدّه، جمعها فى موضع التثنية.
وأنت تروم للأشبال قوتاومطّلبي لبنت العمّ مهرا
نصب «مهرا» بمطّلبى؛ لأنه مصدر مضاف إلى فاعله بمعنى اطّلابى ومطلبي، وموضعه من الإعراب محتمل للرفع والنصب، فالرفع بالابتداء، وخبره محذوف، دلّ عليه قوله «تروم» أى أنت تروم قوتا لأشبالك، ومطّلبى لبنت عمّى مهرا مرامي، والنصب فيه بتقدير فعل من لفظ «تروم» كما كان خبر المبتدأ كذلك، كأنه قال: ومطّلبى لبنت العمّ مهرا أروم.
نصحتك فالتمس يا ليث غيرىطعاما إنّ لحمى كان مرّا
«كان» فى هذا البيت مثلها فى قول الله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ونظائره. وفى هذا النحو قولان، أحدهما: أن «كان» بمعنى لم يزل، كأنّ القوم شاهدوا عزّا وحكمة ومغفرة ورحمة، فقيل لهم: لم يزل الله كذلك، وهذا قول سيبويه.
والقول الآخر: أن «كان» تدلّ على وقوع الفعل فيما مضى من الزمان، فإذا كان فعلا يتطاول، لم تدلّ دلالة قاطعة على أنه زال وانقطع، كقولك: كان زيد صديقى، لا دلالة فى هذا القول قطعا على أن صداقته لك قد زالت، بل يجوز أن تكون باقية بحالها، ويجوز أن تريد: كان صديقى وهو الآن عدوّى، فمن المعنى الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً﴾ ألا ترى أن هذا نزل وعداوة الكافرين للمؤمنين باقية، وكذلك قول هذا الشاعر: «إنّ لحمى كان مرّا» ليس يريد أن مرارة لحمه زالت.
واعلم أن الزمان الذى تدلّ عليه «كان» يكون محدودا، ويكون غير محدود، فالمحدود كقولك: كان زيد جالسا هاهنا، وغير المحدود كقوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾؛ لأن كلّ صفة لله مستحقّة فى حال، فهى مستحقّة فى كلّ حال.
فلمّا ظنّ أن الغشّ قولىوراوغنى كأنّى قلت هجرا
الهجر: الهذيان، يقال: هجر يهجر، والهجر أيضا: الإفحاش فى المنطق، يقال: أهجر فى منطقه.
وراوغنى: من قولهم: راغ عن الشىء يروغ روغا وروغانا، إذا حاد عنه.
مشى ومشيت من أسدين رامامراما كان إذ طلباه وعرا
الوعر: أصله فى المكان، يقال: مكان وعر، وقد وعر وعورة، وهو خلاف السّهل.
«من» فى هذا البيت قائمة مقام لام التعجّب، أى اعجبوا من أسدين،
فهى بمنزلة اللام فى قول الله تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ في أحد القولين، ومثلها اللام فى قول المتنبّى:
لسريّ لباسه خشن القطن ومروىّ مرو لبس القرود
أراد: اعجبوا لسريّ.
وقد أقاموا «من» مقام لام العلّة، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ/كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وكقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ وكذلك الباء جاءت بمعنى اللام فى قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾.
هززت له الحسام فخلت أنّىهززت به لدى الظّلماء فجرا
وجدت له بجائشة رآهالما صدقته أمضى منه أمرا
أراد بضربة جائشة، فحذف الموصوف، كما جاء فى التنزيل: ﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ حذف دروعا، كما حذف الملّة أو الأمّة، فى قوله: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.
وجائشة: من قولهم: جاشت القدر تجيش، إذا غلت.
فخرّ مجدّلا فظننت أنّىهدمت به بناء مشمخرّا
هدمت به: أى بخروره.
والمشمخرّ: المفرط فى العلوّ.
والمجدّل: مأخوذ من الجدالة، وهى الأرض، قال:
وأترك العاجز بالجداله
فالمجدّل: الملصق بالأرض.
وقلت له يعزّ علىّ أنّىقتلت مناسبي جلدا وقهرا
أراد مناسبي فى الجلد والقهر، فانتصاب «جلدا» على هذا بتقدير حذف الخافض، ويجوز أن يكون مميّزا.
فلا تبعد فقد لاقيت حرّايحاذر أن يعاب فمتّ حرّا
ذكرت الرّواة أنه كان باليمامة رجل من بنى حنيفة، يقال له: جحدر مالك، وكان شجاعا فاتكا شاعرا، قد أبرّ على أهل حجر، وبرّح بهم، فبلغ ذلك الحجاج بن يوسف، فكتب إلى عامله على اليمامة بالتجرّد فى أمره، حتى يظفر به أو يعذر، فندب له فتية من بنى يربوع وبنى حنظلة، فراسلوه بأنهم يريدون التّحرّم به، فلما اطمأنّ إليهم وثبوا عليه، فشدّوه وثاقا، فقدموا به على عامل/ اليمامة، فبعث به إلى الحجّاج، فقال له: ما الذى حملك على ركوب ما ركبته من الفتك والتعرّض للقتل؟
فقال: جفوة السّلطان، وكلب الزمان، مع جرأة الجنان، فلو بلانى الأمير وجدنى من صالحى الأعوان.
فقال له: إنى قاذف بك مكبّلا فى حائر فيه أسد، فإن قتلك كفانا مئونتك، وإن قتلته خلّيت سبيلك، وأحسنت جائزتك.
فقال: قد أعطيت-أصلحك الله-المنية، وأعظمت المنّة، وقرّبت المحنة.
فألقى مقيّدا على أسد قد أجيع ثلاثة أيام، فتقدّم إليه وهو يرتجز:
ليث وليث فى مقام ضنككلاهما ذو أنف ومحك
إن يكشف الله قناع الشّكّفهو أحقّ منزل بترك
فلمّا كان من الأسد على قيد رمح، أو أنفس، تمطّى الأسد وزأر زأرة وحمل، فحمل عليه جحدر بالسّيف، فضربه ففلق هامته، فخرّ كأنه أطم مقوّض، ولم يلبث جحدر لشدّة حملة الأسد عليه مع كونه مكبّلا أن وقع علي ظهره متضمّخا بالدّم، وعلت أصوات الجماعة بالتكبير.
وقال له الحجاج، لمّا رأى منه ما هاله: إن أحببت أن نلحقك ببلدك، بعد أن نحسن جائزتك فعلنا، وإن أحببت أن تقيم معنا أسنينا فريضتك.
فقال: بل أختار صحبة الأمير، ففرض له ولجماعة من أهل بيته.
المكبّل: المقيّد، والكبل: القيد.
والمحك: اللّجاج.
والأطم: الحصن، وقال ابن فارس فى «المقوّض»: قوّضت البناء، إذا نقضته من غير هدم.
وقال ابن دريد: قوّضت البيت، إذا نزعت أوتاده وأعواده وأطنابه، وكلّ مهدوم: مقوّض.
فقوله: كلّ مهدوم مقوّض، مخالف قول ابن فارس: قوّضت البناء، إذا نقضته من غير هدم، وكأنّ مراد ابن فارس أن يصرع البناء من أسفله.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع