من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الخامس والستون
أورد أبو عليّ فى الإيضاح هذا البيت:
فقد جعلت نفسى تطيب لضغمةلضغمهماها يقرع العظم نابها
وهو من قصيدة للقيط بن مرّة الأسدىّ، رثى فيها أخاه أطيطا، وهجا مرّة ابن عدّاء، ومدرك بن حصن الأسديّين، فمنها:
وأبقت لى الأيّام بعدك مدركاومرّة والدّنيا قليل عتابها
أراد أنّ عتاب الدنيا غير نافع، فمعاتبها غير مستكثر منه.
قرينين كالذّئبين يقتسماننىوشرّ صحابات الرّجال ذئابها
شبّههما بالذّئبين؛ لأنّ الذّئاب أخبث السّباع.
جمعوا الصاحب على أصحاب، وليس ذلك بقياس فى فاعل، فكأنهم قدّروا حذف ألفه، فصار إلى صحب تقديرا، فجمعوه على أفعال كنمر وأنمار، ووتد وأوتاد، وجمعوه على صحب، كما قالوا فى جمع تاجر وراكب وشارب: تجر وركب وشرب، وهذا الضّرب إنما هو اسم للجمع، بدلالة تصغيره على لفظه، قالوا:
صحيب وركيب وشريب، فحقّروه تحقير الواحد، قال:
وأين ركيب واضعون رحالهم
حقّر ركبا تحقير كعب، وأعاد إليه ضمير جمع على المعنى. وجمعوه على صحابة، وهذا أيضا غير مقيس، ثم قالوا: صحابات، فجمعوه بالألف والتاء، كما قالوا فى جمع صاحبة: صواحب، ثم قالوا: صواحبات، وجاء فى الحديث: «إنكنّ لصواحبات يوسف»
إذا رأيا لى غفلة آسدا لهاأعاديّ والأعداء كلبى كلابها
آسدا أعاديّ: أفسدا قلوبهم حتى جعلا أخلاقهم كأخلاق الأسود.
والكلبى: جمع كلب كلب، كزمن وزمنى، وضمن وضمنى.
فقد جعلت نفسى تطيب لضغمةلضغمهماها يقرع العظم نابها
الضّغمة: العضّة، ومنه قيل للأسد: ضيغم.
و «جعل» هاهنا من أفعال المقاربة، كقولهم: طفق يقول كذا، وكرب يفعل كذا، ولهذا الفعل انقسام إلى معان، قد ذكرها أبو عليّ مع ذكره لهذا البيت.
يقول: جعلت نفسى تطيب لأن أضغمهما ضغمة يقرع لها الناب العظم، وصف ضغمه بالجملة، والمصدر الذى هو الضّغم مضاف إلى المفعول، وفاعله محذوف، التقدير: لضغمى إيّاهما، والهاء التى فى قوله: «لضغمهماها» عائدة إلى الضّغمة، فانتصابها إذا انتصاب المصادر، مثلها فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ وأضاف الناب إلى ضمير الضّغمة؛ لأن الضّغم إنما هو بالناب، واللام فى قوله: «لضغمهماها» متعلّقة بيقرع، أى يقرع عظمهما/نابى، لضغمى إيّاهما ضغمة واحدة.
فلولا رجاء أن تثوبا وما أرىعقولكما إلاّ بعيدا ذهابها
سقيتكما قبل التفرّق شربةشديدا على باغى الظّلام طلابها
يقول: لولا أنى أرجو أن ترجعا عمّا ارتكبتماه من ظلمى لسقيتكما قبل أن يفارق أحدكما صاحبه، شربة يشتدّ طلبها، أى طلب مثلها على من يطلب المكافأة على ظلمه، أى فعلت بكما فعلا يشابه شربة سمّ.
والظّلام، بالكسر: الظّلم، وأراد: على باغي جزاء الظّلام، فحذف المضاف.
وقال: «عقولكما» فجمع العقل فى موضع التثنية، شبّهه بما فى الجسد منه شيء واحد، كالقلب والوجه والأنف والبطن، كما جاء فى التنزيل: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ و ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ وجمع العقل هاهنا أجود من جمع الرّحل فيما حكاه سيبويه، من قولهم: «ضعا رحالكما؛ لأن الأصل فى هذا النحو جمع ما هو فى الجسد.
وقد جاءت التثنية فى موضع التثنية، كقول الفرزدق:
بما فى فؤادينا من الشّوق والهوى
وجاءت اللّغتان فى قول هميان بن قحافة:
ومهمهين قذفين مرتينظهراهما مثل ظهور التّرسين
القذف: البعيد.
والمرت: الذى لا ينبت مرعى، وقيل: الخالى من الحيوان.
ذكر أبو العباس محمد بن يزيد فى المقتضب، هذا البيت:
فأصبحوا والنّوى عالى معرّسهموليس كلّ النّوى يلقى المساكين
ذكره شاهدا على إضمار الشأن والحديث فى «ليس» فنصب «كلّ النوى» بيلقى، فخلت لذلك الجملة من ضمير ظاهر أو مقدّر، يعود على مرفوع «ليس» لأن ضمير الشأن لا يعود عليه من الجملة المخبر بها عنه ضمير؛ لأن هذا المخبر عنه هو الخبر فى المعنى، وإنما يلزم أن يعود على المخبر عنه ضمير من الجملة المخبر بها عنه إذا كان/الخبر غير المخبر عنه، كقولك: ليس زيد يكرمه أخوك، فقولك:
«يكرمه أخوك» حديث عن زيد، والحديث غير المحدّث عنه.
ولو رفعت «كلّ النّوى» بليس لزمك أن تقدّر ضميرا يعود إليه من الجملة، تريد: وليس كلّ النّوى يلقيه المساكين، وحذف الضمير العائد من الخبر إلى المخبر عنه ضعيف، مباين لحذف العائد من الصّفة إلى الموصوف، وقد أشبعت القول فى هذا فيما تقدّم.
وهذا البيت لحميد بن مالك الأرقط، وكان معدودا فى بخلاء العرب، ونزل به قوم فأطعمهم تمرا، وقال:
باتوا وجلّتنا البرنيّ بينهمكأنّ أنيابهم فيها السّكاكين
فأصبحوا والنّوى عالى معرّسهموليس كلّ النّوى يلقى المساكين
المعرّس: المنزل الذى ينزله المسافر آخر الليل، والتّعريس: النزول فى ذلك الوقت، يقول: أصبحوا وقد غطّى النّوى لكثرته على منزلهم، فى زمان لا يلقى فيه المساكين أكثر النّوى، ولكنهم يأكلونه من الجهد والجوع.
ومن شعره الذى استدلّ به على بخله قوله يذكر ضيفا نزل به:
أتى يخبط الظّلماء واللّيل دامسيسائل عن غير الذى هو آمل
فقلت لها قومى إليه فيسّريطعاما فإنّ الضيف لا بدّ نازل
يقول وقد ألقى مراسيهللقرى
أبن لي ما الحجّاج بالناس فاعل
قوله: «ألقى مراسيه» أى ألقى أثقاله، وثبت كلّ الثّبات، والرّسوّ: الثّبات بثقل، ومنه قيل للجبال: الرّواسى. والمراسى: جمع المرسى، وأصل المرسى للسفينة، وهو الذى يكون من حديد، ويسمّى الأنجر، يشدّ بطرف حبل ويلقى فى البحر ليمنع السفينة من السّير، فترسو به.
فقلت لعمرى ما لهذا طرقتنافكل ودع الحجّاج ما أنت آكل
/سؤاله عن الحجّاج هو الذى عناه بقوله:
يسائل عن غير الذى هو آمل
وقوله: «طرقتنا» أراد أتيتنا ليلا.
أتانا ولم يعدله سحبان وائلبيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللّقم حتى كأنّهمن العيّ لمّا أن تكلّم باقل
أراد أنه امتلأ من الطعام حتى كسبته الكظّة العيّ، وهذا كقولهم: «البطنة تذهب الفطنة» ولمّا بدأه الضيف بالحديث، وسأله عن الحجّاج طلبا للاستئناس قطع عليه كلامه بقوله: ما لهذا طرقتنا، فكل ودع الحجّاج، وهذا منه نهاية فى البخل؛ لأن محادثة الضيف من دلائل الكرم، وقد مدحوا بذلك وتمدّحوا به، فمن المدح قول الشّماخ:
إنّك يا ابن جعفر نعم الفتىونعم مأوى طارق إذا أتى
وربّ ضيفطرق الحيّ سرى
صادف زادا وحديثا ما اشتهى
إنّ الحديث طرف من القرى
ومن التمدّح قول عقبة بن مسكين الدارميّ.
لحافى لحاف الضّيف والبيت بيتهولم يلهنى عنه غزال مقنّع
أحادثه إنّ الحديث من القرىوتعلم نفسى أنه سوف يهجع
وضربت العرب بباقل المثل فى العيّ والفهاهة، فقالوا: «أعيا من باقل» كما ضربوا بسحبان وائل المثل فى البلاغة والخطابة، فقالوا: أبلغ من سحبان وائل» ووائل: بطن من باهلة، وباقل: أحد بنى قيس بن ثعلبة، وقيل: هو من بنى مازن، وممّا يؤثر عنه أنه شرى ظبية بأحد عشر درهما، فقيل له: بكم شريت الظبية؟ ففتح كفّيه وفرق أصابعه، وأخرج لسانه، يريد أحد عشر، فأفلتت الظبية فعيّروه بذلك، فقال:
يلومون فى حمقه باقلاكأنّ الحماقة لم تخلق
فلا تكثروا العذل فى عيّهفللعيّ أجمل بالأحمق
خروج اللّسان وفتح البنانأحبّ إليّ من المنطق
قال أبو الفتح عثمان فى قول أبى الطيّب:
من لى بفهم أهيل عصر يدّعىأن يحسب الهنديّ فيهم باقل
فى هذا البيت شيء يمكن أن يتعلّق به عليه، وذلك أنّ باقلا لم يؤت من سوء حسابه، وإنما أتى من سوء عبارته، فكان ينبغى أن يذكر مع سوء العبارة الخطابة والفصاحة، لأنّ سوء العبارة والفصاحة ضدّان، ولا يذكر مع عيّ اللسان جودة الحساب؛ لأنهما ليسا ضدّين، ولو قال:
أن يفحم الخطباء فيهم باقل
ونحو ذلك، كان أسوغ.
وقال من ردّ على ابن جنّى: ليس الأمر كما قال، فإنّ باقلا كما أتى من سوء البيان أتى من الجهل بعقد البنان، فإنه لو ثنى من سبّابته وإبهامه دائرة، ومن خنصره عقدة، لم تفلت منه الظّبية، فقد صحّ قوله فيما نسبه إليه من الجهل بالحساب.
وأقول: إنّ أبا الطيّب إنما ذكر حساب الهند؛ لأنه مما يعزب لدقّته عن كثير من الأفهام الجليّة والقلوب الذكيّة، وباقل كان فى الطبقة العليا من البلادة، والحساب الهنديّ يتعذّر فهمه على العربيّ الذكيّ، فكيف البليد منهم العيىّ!
قال أبو عليّ فى الحجّة، فى قول الله سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً﴾: لمّا كان البناء رفعا للمبنيّ قوبل بالفراش، الذى هو خلاف البناء، ومن ثمّ وقع البناء على ما فيه ارتفاع فى نصبته، وإن لم يكن مدرا، كقول الشاعر:
-
لو وصل الغيث أبنين امرأكانت له قبّة، سحق بجاد
/أى جعلن بناءه بعد القبّة خلق كساء، كأنه كان يستبدل بالقبّة سحق كساء، لإغارة الخيل عليه. انتهى كلامه.
وأقول: البجاد: كساء مخطّط. والسّحق: البالى.
ويقال: بنيت خباء، أى رفعته، وأبنيت زيدا خباء، تعدّى بالهمزة إلى مفعول ثان.
والضّمير فى «أبنين» ضمير خيل قد تقدّم ذكرها، أو هو إضمار لها قبل الذّكر؛ لأنّ عود الضمير إلى معلوم قد تقرّر فى النفس، وارتفع فيه اللبس، جائز كما جاء فى التنزيل: ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ﴾ و ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وكما أعاد حميد بن مالك الضمير إلى امرأته، ولم يجر لها ذكر، فى قوله:
فقلت لها قومى إليه فيسّرى. طعاما....
وقوله: «سحق بجاد» مفعول ثان لأبنين، أى جعلنه له بناء.
ومعنى قوله: «لو وصل الغيث» أن الغيث وقع فى أرض دون أرض، من المسافة التى بين الخيل وبين من أرادت الإغارة عليه، فلم يكن للخيل مرعى يوصلها إلى المكان الذى تريده.
سألنى سائل فقال: ما العامل فى الظرفين، من قولهم: «بينما زيد إذ جاء عمرو»؟ ما هذان الظرفان؟
فأجبت بأن الأكثر في الكلام أن يقال: بينما زيد جاء عمرو، فلذلك جعل بعض النحويّين «إذ» هاهنا زائدة، فزيد رفع بالابتداء، وخبره محذوف يجوز إظهاره، فالتقدير: بينما زيد حاضر، أو فى الدار، أو خلف بكر، أو نحو ذلك، فالعامل فى «بينما» الفعل المذكور، وممّا جاء على إسقاط «إذ» وإظهار الخبر قول الشاعر:
بينما نحن بالبلاكث فالقاع سراعا والعيس تهوى هويّا
خطرت خطرة على القلب من ذكراك وهنا فما استطعت مضيّا
وممّا جاء على حذف الخبر وإثبات «إذ» قول الآخر:
استقدر الله خيرا وارضينّ بهفبينما العسر إذ دارت مياسير
/وصواب هذا [الكلام] عندى الحكم بزيادة «إذ» لأنّك لو جعلتها غير زائدة أعملت فيها الخبر مذكورا أو مقدّرا، وهى مضافة إلى الجملة الفعلية، التى هى «جاء» وفاعله، وهذا الفعل هو الناصب لبينما، فإذا قدّرت «إذ» مضافة إليه وهى على بابها غير زائدة، بطل إعماله فى «بينما» لأن المضاف إليه كما لا يصحّ إعماله فى المضاف، كذلك لا يصحّ أن يعمل فيما قبل المضاف، ألا ترى أنهم لم يجيزوا فى قولهم: أنت مثل ضارب زيدا، تقديم زيد، فيقولوا: أنت زيدا مثل ضارب.
وأما قولك: ما هذان الظرفان؟ فإنّ «بين» فى أصل وضعه ظرف مكان، والمراد به هاهنا الزمان، كما أن «عند» موضوعة للمكان، وقد استعملوها للزمان، كقوله:
عند الصّباح يحمد القوم السّرى
وقد حذفوا الميم من «بينما» فى الشّعر، وهو من أقبح الضّرورات، كقوله:
فبيناه يشرى رحله قال قائللمن جمل رخو الملاط نجيب
أراد: فبينما هو، فحذف ميم «ما» وواو «هو» كما حذف الآخر ياء «هى» فى قوله:
دار لسعدى إذه من هواكا
شبّهوا الواو والياء المتحرّكتين الأصليتين بالواو والياء الساكنتين الزائدتين، فى نحو: لقيتهو، ومررت بهى، وخذوهو، وإليهى.
فالهاء فى قوله «فبيناه» مبتدأ، وخبره «يشرى رحله» ولم يأت بإذ التى استعملها الآخر فى قوله:
فبينما العسر إذ دارت مياسير
و «يشرى رحله»: يبيعه، يقال: شريت الشىء: إذا اشتريته، وإذا بعته.
والملاط: العضد.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع