تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس السادس والستّون لولا: حرف وضع لمعنيين

، أحدهما: التّحضيض، والآخر: امتناع الشىء لوجود غيره.

فالموضوع للتّحضيض مختصّ بالفعل، ماضيا ومستقبلا، وظاهرا ومقدّرا، تقول: لولا أكرمت زيدا، ولولا تكرم جعفرا، كما جاء فى التنزيل: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾ و ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ﴾.

وقال بعض النحويين: إنّ «لولا» هذه قد استعملت للتوبيخ، كقوله تعالى:

﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ ومثال تقدير الفعل بعدها، أن يقول لك: جئتك ماشيا، فتقول: فلولا راكبا، تريد: فلولا جئت راكبا، وكذلك إذا قال: سأعطى زيدا، فقلت: فلولا محمدا، أردت: فلولا تعطى محمدا، قال الأشهب بن رميلة:

تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكمبنى ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا
للشاعر الأشهب بن رميلة، اقرأ القصيدة

أراد: لولا تعدّون الكميّ، أى ليس فيكم كميّ فتعدّوه.

والضرب الآخر، يدخل على جملتين؛ فيربط إحداهما بالأخرى، ويجعل الثانية جوابا للأولى، فالأولى منهما مبتدأ وخبر، والثانية فعل وفاعل، ويحتاج إلى اللام فى الجواب، كاحتياج «لو» إليها فى نحو: لو جئتنى لأكرمتك، تقول: لولا زيد لجئتك، فزيد رفع بالابتداء، وخبره محذوف لعلم السامع به، تقديره: لولا زيد حاضر أو عندك، أو نحو ذلك ممّا يعرفه المخاطب، لجئتك.

وجعل سيبويه أصل المسألة: زيد بالبصرة خرج عمرو، فلا تعلّق لإحدى الجملتين بالأخرى، فإذا/دخلت «لولا» علّقت أحد الكلامين بالآخر، فقلت:

لولا زيد لخرج عمرو، حذفوا الخبر حين فهم المعنى مع كثرة الاستعمال.

وأقول: إنّ خبر المبتدأ بعد «لولا» قد ظهر فى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ وكذلك ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ وربّما جاء بعدها مكان المبتدأ الفعل والفاعل، لاستواء هاتين الجملتين فى المعنى، ألا ترى أن قولك: زيد قام، وقام زيد، معناهما واحد، قال الجموح أحد بنى ظفر، من سليم بن منصور:

لا درّ درّك إنّى قد رميتهملولا حددت ولا عذرى لمحدود

-

أى لولا الحدّ والحرمان.

وقال الفرّاء وغيره من الكوفيّين: لولا ترفع ما بعدها، لانعقاد الفائدة بها.

قال أبو سعيد: والصحيح ما قاله سيبويه: ألا ترى أن الفعل قد وقع بعدها في قول الجموح: «لولا حددت» وكلّ حرف يليه الاسم والفعل، فما بعده رفع بالابتداء، نحو إنما وكأنما، وهل وألف الاستفهام.

وأقول: إن الاحتجاج لسيبويه بوقوع الفعل بعدها ضعيف؛ لأنه لم يسمع إلاّ فى البيت الذى تقدّم ذكره، والوجه فى الاحتجاج لسيبويه: أننا لم نر حرفا يرفع اسما إلاّ وهو ينصب آخر، كأنّ وأخواتها، و «لا» في نحو: لا رجل أفضل منه.

/ولا كريم من الولدان مصبوح

و «ما» فى لغة أهل الحجاز، فهذه حجّة لمذهب سيبويه، قاطعة بصحّته

وإذا أتيت بالمضمر بعد «لولا» فالوجه أن تأتى بالمرفوع المنفصل، كقولك: لولا أنا، ولولا أنت، ولولا نحن، كما جاء فى التنزيل: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾.

وإن شئت جئت بالمتّصل المخفوض فقلت: لولاك ولولاى، ولولاكم، قال يزيد ابن الحكم الثّقفي:

وكم موطن لولاى طحت كما هوىبأجرامه من قلّة النّيق منهوى
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

لولاك ما صمنا ولا صلّينا

واختلف النحويّون فى المتصل هاهنا، فزعم الخليل وسيبويه أنه مخفوض، لأن لفظه لفظ الضمير المخفوض.

وقال الأخفش والفرّاء: إنه ضمير خفض، استعير للرفع، كما استعير ضمير الرفع للخفض، فى قولهم: «ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا» وأبو العباس المبرّد يأبى استعمال المتّصل بعد «لولا» ويعوّل على ما جاء به القرآن، وقد أشبعت الكلام فى هذا النحو فيما تقدّم.

وزعم قوم من الكوفيّين أن «لولا» قد استعملت بمعنى «لم» واحتجّ بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ قال: معناه: لم تكن قرية آمنت عند نزول العذاب، فنفعها إيمانها إلاّ قوم يونس، وكذلك ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ﴾ وهذا التقدير موافق للمعنى، ومباين لأصحّ الإعرابين؛ لأن المستثنى بعد النفى يقوى فيه البدل، ويجوز النصب، ولم يأت في الآيتين إلاّ النصب.

وشبّه سيبويه حذف خبر المبتدأ بعد «لولا» بأشياء من المحذوفات، كقولهم: «إمّا لا» وأصله، فيما زعم الخليل، أنهم أرادوا: إن كنت لا تفعل كذا فافعل كذا، ومعنى هذا الكلام أن رجلا لزمته أشياء يفعلها، فامتنع، فرضى

منه صاحبه ببعضها، فقال: افعل هذا إمّا لا، أى افعل هذا إن كنت لا تفعل جميع ما يلزمك، وزاد «ما» على «إن» وحذف «كان» وما يتصل به، وكثر ذلك فى كلامهم حتى صارت «لا» مع ما قبلها كشىء واحد، ولذلك أمالوا الألف من «لا» وهى لا تمال فى غير هذا الكلام.

وذكر سيبويه قولهم: «حينئذ، الآن» يريدون: واسمع الآن، قال أبو سعيد: أى كان الشىء الذى تذكر واسمع الآن، وذكر سيبويه [قولهم] «ما أغفله عنك شيئا» وفسّره بقوله: أى دع الشكّ عنك، ثم قال: فحذف هذا لكثرة استعمالهم هذا الكلام.

وأقول: إنه قد روى عن أبى عثمان المازنىّ، أنه قال: سألت الأخفش عن قوله، يعنى سيبويه: «ما أغفله عنك شيئا» ما معناه؟ فقال لى: لم أزل أسأل عن هذا.

وقال المازنىّ: سألت الأصمعىّ وأبا زيد وأبا مالك عنه، فقالوا: ما ندرى ما هو.

وقال أبو إسحاق الزجّاج: سمعت أبا العباس المبرّد يقول: كان أصحابنا لا يعرفون معنى هذا الحرف، يعنى المازنيّ والجرميّ.

وقال أبو سعيد: ما فسّره من مضى إلى أن مات المبرّد، وفسّره الزجّاج، فقال: معناه على كلام قد تقدّم، كأنّ قائلا قال: زيد ليس بغافل عنى، فقال المجيب: بلى ما أغفله عنك! أراد أن يبعثه على أن يعرف صحّة كلامه، فقال:

انظر شيأ؛ فإنك تعرف صحّة ما أقول لك، كما تقول: انظر قليلا. انتهى ما حكاه عن الزجّاج.

وقوله: «ما أغفله عنك» تعجّب بمقتضى هذا الكلام، وبقى فيه أن قوله:

دع الشكّ عنك، لا يتّصل بما قاله.

ووجدت بخطّ أبى الفرج سعيد بن علي بن السّلالىّ الكوفىّ، ما أملاه عليه أبو العلاء المعرّىّ، ونسبه المعرّىّ إلى بعض النحويّين. /ولم يسمّه، قال: إن الذى قيل له هذا الكلام كان له صديق عوّده أن يبرّه ويحسن إليه، وأنه ذكر صنيعه به، فقال له السامع: ما أغفله عنك! شيئا، قال: فالكلام يتمّ عند قوله: «عنك» وقوله: «شيئا» من كلام مستأنف، كأنّه قال: فكّر شيئا، أى تفكيرا قليلا، أى إنه قد انتقل عن الحال التى كنت تجده عليها، فكأنّ الرجل المثنى على الصديق شكّ فى أمره، ولم يدر ما أغفله عنه، فقال له من حضر: فكّر شيئا، أى دع الشكّ؛ لأنه إذا فكّر وجب أن يصحّ له الأمر.

وقال المعرّىّ: إن المراد بقوله: ما أغفله عنك، التعجّب، ويحتمل أن يكون استفهاما، كأنه قال: أيّ شيء أغفله عنك؟

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.